االقوانين المشرعة : اللنظريات المفسرة لنشأة القانون الدستوري 2019 - heandshehealth

jeudi 22 août 2019

االقوانين المشرعة : اللنظريات المفسرة لنشأة القانون الدستوري 2019


البحث الأول . النظريات المفسرة لنشأة التشريع الدستوري .
توضيح مفهوم التشريع الدستوري
إن دراسة العلم الدستوري ترجع إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث كان الايطاليون أول من ادخل دراسته في معاهدهم ثم انتقل إلى الجمهورية الفرنسية سنة 1834 .
و نجد أن ذلك المصطلح مؤلف من كلمتين : أولا التشريع و الذي هو مجموعة النُّظُم القانونية العامة و المجردة الآمرة و المكملة و الملزمة . فالقانون ليس مجرد تقنين للعلاقات الاجتماعية السائدة في الجمهورية و ضابط للسلوك الإنساني ، فهو في نفس الوقت أداة لتحسين تلك الصلات نحو إيديولوجي محدد ، فالقانون هو عمل سياسي يعبر عن اهتمامات الفئات الاجتماعية السائدة في الجمهورية . و يقسم الفقهاء التشريع إلى قسمين خاص و هو ينظم الصلات بين الأشخاص كالقانون التجاري و المواطن ، وهو الأقدم و التشريع العام الذي ينظم الصلات بين الجمهورية و الأشخاص سواء كانوا مواطنين أو أجانب كالقانون الدستوري و الإداري و العالمي ، وهو الأحدث . نظرا لان التشريع العام يفترض وجود جمهورية دستورية ، وهكذا لا من الممكن أن يتحسن في جمهورية استبدادية .
أما كلمة قانون أساسي في اللغة الفرنسية تعني الإنشاء أو التكوين établissement  أو institution ، ونجد أن كلمة قانون أساسي ليست كلمة عربية الأصل فهي كلمة فارسية تعني السجل أو الدفتر الذي تجمع فيه قوانين الملك و ضوابطه، و بهذا فإن الكلمة تستخدم للدلالة على النُّظُم الرئيسية التي يقوم عليها ترتيب من التنظيمات ابتداء من العائلة و الجمعية و النقابة و اختتام بالقانون الأساسي العام للدولة .

يمكن لنا أن نقول أن التشريع الدستوري هو أكثر فروع التشريع العام حداثة لأنه أكثر تعبيرا عن مفاهيم الديمقراطية و الحرية و المساواة من غيره من القوانين ، ولذلك فإن عمر التشريع الدستوري لا يمر مائتي سنة و هو يرجع إلى الثورتين الأمريكية و الفرنسية .

و بالتالي نستطيع أن نعرف التشريع الدستوري بأنه هذا الفرع من التشريع الذي يحدد النُّظُم القانونية المرتبطة ببنية الجمهورية و أسلوب ممارسة السلطة السياسية . و بالتالي فهو يشمل كل ما يتصل بالدولة في أساسها و تكوينها و شكلها ، فكل ما يرتبط بوجود الجمهورية و مقوماتها و مكونات تكوينها و أساليب ممارسة السلطة فيها يندرج تحت مفهوم التشريع الدستوري .

الاختلاف بين التشريع الدستوري و معرفة السياسة

هما علمان متكاملان و إن اختلفا في موضوعهما ، موضوع معرفة السياسة هو دراسة الظواهر السياسية مستقلة عن النُّظُم القانونية المنظمة لها ، ففي الانتخابات مثلا يهتم التشريع الدستوري بدراسة غير مشابه جوانب القانون الانتخابي ، في حين يهدف معرفة السياسة إلى علم الأسباب المؤثرة في سلوك الناخبين . و يمكن لنا أن نعرف معرفة السياسة بأنه العلم الذي يدرس الظواهر السياسية المرتبطة بممارسة السلطة من أجل معرفتها و دون الحكم عليها من منطلق عقائدي . و ذلك التكامل بين القانونين ناتج عن وجوب معرفة السياسة من اجل دراسة النظم الدستورية و علم خصائصها .

المقياس الشكلي للقانون الدستوري

يعني بالقانون الدستوري طبقا للمعيار الشكلي النُّظُم التي تتضمنها الوثيقة المعروفة باسم القانون الأساسي ، وهكذا فأي وثيقة تطلع عن محيط القانون الأساسي تعتبر غير دستورية ، غير أن ذلك المقياس منتقد في أن هناك بعض الدول كانجلترا لها قانون أساسي غير مكتوب أي عرفي ، بالإضافة إلى أن القانون الأساسي أحيانا يحتوي نُظم ليست ذات طبيعة دستورية . مثلا المادة 54 من القانون الأساسي الجزائري ” الرعاية الصحية حق للمواطنين….” .

المقياس الموضوعي للقانون الدستوري

يعتمد ذلك المقياس على الموضوع أو المضمون على الرغم من الشكل .و بناءا عليه يحتوي التشريع الدستوري جميع النُّظُم التي لها طبيعة دستورية مهما مصدرها سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية أو نظمت بقوانين عادية .

قصد التشريع الدستوري

إن قصد التشريع الدستوري هي تقصي تعايش سلمي بين السلطة و الحرية ، فالسلطة هي ظاهرة اجتماعية لازمة لحفظ الإطار الاجتماعي ، و الحرية هي احتياج مستدامة و متجددة نحو الإنسان من أجل الانعتاق من قيود الحكم . و نجد أن الاحتياج إلى السلطة و الحرية هي من ثوابت كل ترتيب اجتماعي في أي زمان أو مقر . و مسألة النجاح بين السلطة و الحرية هي نسبية ناتجة عن العديد من أسباب كالتاريخية مثلا أي تطور الطقوس و الأفكار و العلوم و العامل الخلقي الفلسفي أي مجموعة القيم و المفاهيم السياسية . و كل نسق سياسي يدعي انه يمنح الحل الأجود في النجاح بين السلطة و الحرية حتى النظم الاستبدادية لا يمكنها نظريا تجاهل ذلك الموضوع نظرا لما للحرية من قدسية في نفوس المدنيين . و نجد أن وسائل الحكم التي أوجدها التشريع الدستوري ليست إلا مساعي لتحقيق المصالحة بين السلطة و الحرية ، لا تتشابه باختلاف الإيديولوجيات القائمة

أصل نشأة الجمهورية

إن البحث عن أصل نشأة الجمهورية يعتبر من الموضوعات الصعبة هذا أن الجمهورية ظاهرة اجتماعية يعود أصلها إلى الحضارات القديمة و هي في تطورها تتفاعل مع الأحوال السياسية و الاستثمارية و الاجتماعية السائدة .

1- النظريات الغير عقدية

أ- نظرية الشدة و الغلبة : إن الجمهورية وفق نظرية الشدة هي نتاج الشدة العينية فمصدر السلطة الأولى سواء في الأسرة او القبيلة او المدينة كان التميز بالقدرة و خاصة الجسدية و العينية . فالجماعات الأولية كانت تقطن في صراع متواصل مع بعضها ، وقد نتج عن ذلك المشاحنة فوز جماعة منهم على غيرها فأصبح هناك غالب يفرض إرادته على المغلوب ، ويمد سلطانه على إقليم محدد فوجدت الجمهورية  ، فالحرب وفق نظرية الشدة هي التي تلد الجمهورية ، كما أن مهنة الجمهورية الأولى هي الحراسة عن وجودها . ومن أكثر أهمية مفكري تلك النظرية ابن خلدون في كتابه الصدارة و Walter bagehot و Jencks و oppenheimer … و من أولى نتائج تلك النظرية التأكيد على سيادة الجمهورية المطلقة التي لا يحدها أي تشريع او معاهدة ، فللدولة مطلق الحرية في عقد المعاهدات و إلغائها و إشعار علني الحرب . و يقول فقهاء تلك النظرية أن الحرب هي التي تدفع بالذهن البشري تحت ضغط الاحتياج الى الإبداع . قد تيقن صحة تلك النظرية في الكثير من المرات حيث قامت الكثير من الدول على مرجعية الشدة العينية و المكسب في الحروب .

ب- نظرية التقدم التاريخي : يشاهد دعاة تلك النظرية ان الشكل الأول للندوة كان الأسرة التي تطورت الى قبيلة فعشيرة فمدينة فإمارة و في النهاية إمبراطورية . فمع التقدم التاريخي اكتشف الإنسان أولا الاحتياج الى الثبات الاجتماعي فكانت الأسرة ، ثم تبين له ضرورة توسيع ذلك الكيان الاجتماعي نظرا لما يوفر هذا من قدرات ، فبالعيش المشترك بين مجموعة من الأشخاص يربطهم ولاء تتحقق التمكن من تأمين الحاجات الرئيسية و خاصة مجابهة أعدائهم الخارجيين .

ج- النظرية الماركسية :  يشاهد ماركس ان ظهور الجمهورية او السلطة السياسية بمعناها الواسع ارتبط باكتشاف الانسان للآلة الزراعية البدائية أي لأدوات الإصدار ، فقبلها كان الناس يعيشون على ما يلتقطونه من ثمار و أعشاب و ما يصطادونه فلا وجود للملكية المخصصة ، اما عقب اكتشاف الماكينة الزراعية أنتج ظهور مفهوم الغلة التي هي قابلة للتخزين و التملك ، من هنا بدا المناحرة بين الأشخاص بخصوص ملكية معدات الإصدار و ملكية الغلة الزراعية ، وقد كانت الغلبة للأقوى ليست لاغير بالمعنى الجوهري لكن وكذلك بالمعنى الفكري . و يمكن ان نقول ان النظرية الماركسية تقترب من نظرية الشدة من حيث ان الجمهورية هي وسيلة إكراه و ان استمرارها متوقف على تملكها لقوة عسكرية كافية لحماية ذاتها .

2- النظريات العقدية ( نظرية العقد الاجتماعي )

تنطلق تلك النظرية على مرجعية ان الجمهورية ظاهرة إرادية قامت نتيجة اتفاق حر و اختياري بين مجموعة من الناس فضلوا الانتقال من وضعية الطبيعة إلى وضعية المجتمع الساكن و السياسية مع ما نتج عن هذا من قيام سلطة سياسية و تخلى المدنيين عن كل او بعض مستحقاتهم الطبيعية . و نجد جذور تلك النظرية في الفكر الكنسي الوسيطي و في الفكر الإسلامي . و هناك ثلاث مفكرين اختلفوا في تقدير العقد الاجتماعي و هم :

أ- توماس هوبز Thomas Hobbes 1588-1679 . يشاهد هوبز ان الإنسان ليس اجتماعيا بطبعه لكن هو أناني محب لنفسه لا يعمل الا بالقدر الذي تتحقق معه مصالحه الشخصية ، و كانت الشدة هي السائدة في الصلات بين الأشخاص الا ان الإنسان وعى ضرورة الانتقال من وضعية الوضع الحرج الى وضعية المؤتمر المواطن ، فتولدت وجوب التعاقد لدى الجميع على ان يعيشوا سويا تحت رئاسة واحد يتنازلون له عن مختلَف مستحقاتهم الطبيعية و يكلون له أمر السهر على مصالحهم و أرواحهم ، ونجد ان ذلك العقد لا يجب سوى أطرافه و بالتالي فالملك لا يتعهد بشيء لأنه ليس كرفا في العقد .

ب- جون لوك john Locke 1632-1704 يقول لوك أن حياة الفطرة لم تكن بلبلة و اختلال لكن كانت حياة سعادة في وجود تشريع طبيعي مستوحى من الذهن البشري و الإلهام الالهي ، لكنها مشوبة بمشاكل و اخطار و لهذا شعر الشخص بوجوب الدخول مع الآخرين في عقد يقم المجتمع للدفاع عن مسحقاته ، لهذا كان العقد الاجتماعي بين الشعب من منحى و الوالي من منحى اخر و لم يتخلى فيه الأشخاص عن كل مستحقاتهم لكن لاغير القدر الضروري لإقامة السلطة ، و بالتالي أصبحت سلطة الوالي مسجلة و أن الشعب ملزم بواجب الطاعة تجاه الوالي ما دام انه يعمل في الحدود التي رسمها العقد فاذا جاوزها الى غيرها كان للشعب حق مقاومته لكن و عزله من منصبه .

ج- جان جاك روسو jean jack Rousseau  1712-1778 لقد غالى روسو في وصف وضعية الإنسان البدائية حيث اعتبرها مليئة بالسعادة و الخير و الحب و الانتقال الى وضعية الندوة الساكن كان من أجل الارتقاء و تجنب بعض العوائق التي اعترضت وجوده في طريق المحافظ على حياته . الحل نحو روسو هو في تخلى كل شخص عن مسحقاته للمجتمع كله التي هي الإرادة العامة ، فالإرادة العامة هي صاحبة السيادة و هي عبارة عن مجموعة الأشخاص و انطلاقا من هذا يطرح روسو مفهومه للحكم الديمقراطي المباشر الحالي على سيادة الشعب الممثل بالإرادة العامة . و لهذا أبى روسو وجود سلطات تشريعية و تنفيذية مستقلة عن سلطة الشعب ، فالشعب هو الذي يشرع و السلطات هي مجرد جهاز تنفيذي ينفذ ارادة الشعب . و بالتالي فهنا تتم عملية التعاقد بين الافراد لاغير و بل على اساس ان يملكون صفتين كأفراد طبيعيين ثم كأعضاء في الجماعة السياسية ، وان الأشخاص تنازلوا عن كل مستحقاتهم دون تحفظ ، وان الأشخاص يكتسبون حقوق حديثة كبديل عما تنازلوا عنه من حقوق .

3- نظريات اخرى

أ- نظرية الوحدة ل gelenick : يقول ذلك الفقيه بان التقاء او تطابق إرادتين يمكن ان ينتج ذلك نوعان من الصلات القانونية : العقد و الفيريبارونغ vereinbarung ، فالعقد هو توافق إرادات ترغب في كل منها الاستحواذ على تطلعات او أشياء غير مشابهة ، و لهذا فالدولة غير ممكن ان تنشأ من خلال عقد لان الإرادات لا تتوجه الى موضوع واحد فضلا عن ان العقد ينشا حالة قانونية ذاتية و ليست موضوعية كالدولة التي لا تكون الا نتيجة للفيرينبارنغ الذي يعني به النتيجة المحصل عليها بإجراء مشاركة العديد من ارادات مجتمعة من اجل تقصي مقصد واحد مشترك هو تأسيس الجمهورية .

ب- نظرية النسق القانوني للفقيه النمساوي kelsen : ينطلق ذلك الفقيه من فكرة ان الجمهورية هي نسق هرمي مركزي ، كل قاعدة تستمد سلامتها من القاعدة الاخرى الى ان تبلغ للقانون الأساسي الذي يستمد هو الآخر سلامته من قانون أساسي سبقه ، ذلك الاخير هو افتراض لاغير بأنه حاضر .

ج- نظرية السلطة الشركة للفقيه burdeau : يشاهد بان الجمهورية لا وجود لها الا اذا انتقلت السلطة السياسية من الجهة المسيطرة عليها (اشخاص طبيعية) الى كيان مجرد (فرد معنوي) فتنفصل الجمهورية عن الحكام و تندمج في التنظيم المجرد الدائم الذي هو الجمهورية ، ومن هنا فلا وجود للدولة الا حين تتحول السلطة من فعلية الى قانونية ، وذلك لا يكون الا بفعل قانوني يبدل طبيعة السلطة السياسية و ينشئ الجمهورية ، ذلك الشغل هو القانون الأساسي .

د- نظرية الشركة لموريس هوريو : ينطلق من ان الجمهورية جهاز اجتماعي مترابط تتشكل من افراد مسيرين من قبل حكومة و تهدف الى تقصي نسق اجتماعي و سياسي و ان تشكيلها يتم على مرحلتين ، الأولى تقبل الأشخاص لمشروع اقامة الجمهورية الموثوق على فكرة مجموعة مثقفة ، اما الثانية تتمثل في مناشدة هؤلاء الأشخاص للمشاركة في تقصي المشروع لإقامة الجمهورية .

ه- البيعة في الإسلام : سعى القلة تشبيهها بالعقد غير انه هناك فرق في ان البيعة طريقة واقعي لإقامة الجمهورية او تحديث و تحويل الوالي ، والبيعة لا تحدث الا على خلفية ثنائية الطرفين و يُعد الرضا ركنا جوهريا لسلامتها ، والوالي في الجمهورية الإسلامية يشترط فيه صفات خلقية و ايضا كونه عقب المبايعة و توليه الإمارة لا يتحصل على أي امتياز يجعله أحسن من غيره .

توضيح مفهوم الجمهورية :

التعريف اللغوي :

الجمهورية في اللغة بتشديد الدال مع فتحها أو ضمها ، العاقبة في المال والحـرب ، وقـيل : بالضم في المال ، وبالفتح بالحـرب ، وقـيل : بالضم للآخـرة وبالفتح للدنيا ، وتجمع على دول بضم الدال وفتح الواو ، ودول بكسر الدال وفتح الواو ، والإدالة الغلبة ، أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم ، وقد كانت الجمهورية لنا.

ومن ذلك المعنى أتى مصطلح الجمهورية نتيجة لغلبتها ، وإلا لما كانت جمهورية ، وقد ورد لفظ الجمهورية في القرآن الكريم في قوله تعالى : كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ الآية.

– التعريف الاصطلاحي :

تعرف الجمهورية بأنها ، شعب مستقر على إقليم محدد ، وخاضع لسلطة سياسية محددة ، وذلك التعريف يتفق عليـه أكثر الفقهاء لأنه يحـتوي المكونات الرئيسة التي لا بد لقيام أي جمهورية منها ، وهي الشعب ، والإقليم والسلطة وإن اختلفوا في بلوَرة التعريف ، ومرد ذلك الاختلاف حتّى كل فقيه ينشأ في تعريفه عن فكرته القانونية للدولة.
اختلف علماء التشريع والاجتماع والتاريخ بخصوص أصل نشأة الجمهورية، وترتَّب على ذلك الاختلاف ظهور الكثير من الأفكار والنظريات التي وُضعت لشرح تلك النشأة . ثم أن البحث عن أصل نشأة الجمهورية وتحديد وقت ظهورها يعتبر من الموضوعات الصعبة ، إذ لم نقل مستحلية ، هذا أن الجمهورية ظاهرة اجتماعية يعود أصلها إلى الحضارات القديمة ، و هي في تطورها تفاعل مع الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة .

وقد قام القلة بتقسيم تلك النظريات إلى مجموعات نوعية متقاربة، فنجد القلة يقسِّمها إلى نظريات ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية , وهذا لاقتراب تلك النظريات أو بُعدها من الفكرة الديمقراطية , ويقسِّمها القلة إلى نظريات دينية وأخرى بشرية، وهذا من حيث إعادة النشأة إلى الإنس أو إلى قوى غير بشرية , ويرى القلة إعادة تلك النظريات إلى اتجاهَين اتجاه نظري وآخر واقعي أو اتجاه غيبي وآخر علمي.

ولعل أفضل تقسيم لتلك النظريات هو التقسيم الثنائي وهو النظريات الغير قانونية والنظريات القانونية واتي بدورها تتفرع إلى العديد من متطلبات وفروع.

والإشكالية المطروحة:

ماهو الأصل والعوامل التي أدت إلى نشأة الجمهورية؟


المبحث الأول: النظريات الغير قانونية

الطلب الأول : النظريات الثيوقراطية .

درج الفقهاء في جمهورية مصر العربية على وصف تلك النظريات بأنها نظرياتٌ دينيةٌ، مع أن المعنى الحرفي للمصطلح الفرنسي لا يقصد النظريات الدينية لكن يقصد النظريات التي تَنسِب السلطة إلى الله.

يعود أنصار تلك النظرية أصل نشأة الجمهورية وظهور السلطة إلى الله ، وعليه فأنهم يطالبون بتقديسها لكونها من صنعه وحق من مسحقاته يهبها لمن يشاء،

فالحاكم يستمد سلطته استنادا لتلك النظرية من الله ، وما استمر الشأن ايضاً فإنه يسمو على المحكومين نظرا للصفات التي يمتاز بها عن غيره والتي مكنته من الفوز بالسلطة ، لهذا فغن إرادته يلزم أن تكون فوق إرادات المحكومين.

والحقيقة أن المتتبع للتاريخ يلمح أن تلك النظريات لعبت دورا كبيرا في القديم ، فلقد قامت السلطة والدولة في المجتمعات القديمة على دشن دينية محضة ، واستعملت النظرية الدينية في العصر القبطي والقرون الوسطى

ولم تختف آثارها سوى في طليعة القرن العشرين ، والسبب يرجع الى دور المعتقدات والأساطير في حياة الإنسان ، حيث كان يعتقد ان ذلك العالم محكوم بقوى غيبية مجهولة يصعب تفسيرها ، وهو ما ترك القلة إضفاء صفة القداسة على أنفسهم وإضفاء صفة الإلهية عليهم .

   وبمرور الوقت بدأ الفرق بين أنصار تلك النظرية بخصوص أسلوب اختيار الوالي ، وان كانوا متفقين على أن السلطة لله ، الأمر الذي أنتج ظهور ثلاثة اتجاهات :

(1) نظرية تأليه الوالي

وَجدت تلك النظرية مجالاً رحْبًا في العصور القديمة؛ حيث تأثر الإنسان بالأساطير، فظن أن الوالي إلهٌ يُعبَد.. ففي جمهورية مصر العربية الفرعونية كان فرعون هو الإله (رع)، وقد سجَّل القرآن الكريم قول فرعون في قوله : ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ( الحكايات: من الآية 38) وقوله تعالى : ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) ﴾ ( النازعات)، وفي بلاد فارس والروم كان الوالي يصطبغ بصبغة إلهية .


وفي الهند القديمة، فإن لبراهما يُعد شبه إله.

(2) نظرية الحق الإلهي المقدس المباشر

تعني تلك النظرية أن الوالي ليس إلهًا ولا نِصْفَ إله, ولكنه بشرٌ يقضي باختيار الله عز وجل، فالله الذي خلق جميع الأشياء وخلق الجمهورية، هو الذي يختار الملوك على الفورً لحكم الأمم، ومن ثَمَّ فَمَا على الشعب سوى الطاعة المطلَقة لأوامر الملوك، ويترتب على هذا عدم مسئولية الملوك في مواجهة واحد من من الرعية، فللملك أن يفعل ما يشاء دون مسئولية في مواجهة واحد من إلا ضميره ثم الله الذي اختاره وأقامه .

فمن نتائج تلك النظرية أن الوالي لا يكون مسئولا في مواجهة واحد من غير الله، وهكذا منه يستمد سلطته. أما من حيث الأساس فإنها لا تتشابه عن الصورة الأولى، ففي فكرة تأليه الوالي لا تبقى تفرقة بين الإله وشخص الملك، ضد فكرة الحق الإلهي المقدس حيث تبقى بها تلك التفرقة وذلك راجع لدواعي تاريخية.

وقد عمت تلك النظرية أوروبا بعدما اعتنق الإمبراطور قسطنطين الدينَ القبطيَّ, فخرج رجال الدين على الناس بتلك النظرية؛ وهذا لهدم نظرية تأليه الوالي من جهة, ولعدم المساس بالسلطة المطلقة للحاكم من جهة أخرى .












(3)

  نظرية الحق الإلهي الغير المباشر

لم تعد فكرة الحق الإلهي المباشر  مستساغةً من الأمم, ومع هذا لم تنعدم الفكرة تمامًا, وإنما تطوَّرت وتبلورت في صورة نظرية التفويض الإلهي الغير المباشر أو الإعتناء الإلهية, ومؤدَّى تلك النظرية أن الله لا يتدخل بإرادته المباشرة في تحديد شكل السلطة, ولا في أسلوب ممارستها, وأنه لا يختار الحكَّام بنفسه وإنما يوجِّه النكبات والأمور على نحوٍ معيَّن يعاون حشْد الناس ورجال الدين لاسيما على أن يختاروا بأنفسهم نسق الحكم الذي يرتضونه ويذعنون له وبالتالي، فالسلطة تأتي من الله للحاكم من خلال الشعب   والوالي يمارس السلطة باعتبارها حقَّه الشخصي، استنادًا إلى اختيار الكنيسة الممثلةً للشعب القبطي؛ باعتبارها واسطةًا بينه وبين السلطة المقدسة التي تأتي من لدن الله .

والنتيجة المتوصل إليها أنه لا يجوز مخالفة تعليمات الوالي، وإلا ارتكبنا معصية. وقد مساندة تلك الفكرة الأستاذ /بوسيه/ لتبرير نسق الملوك الجاري في الجمهورية الفرنسية – القرن السابع عشر – وقد اختلاف بين *السلطة المطلقة * و *السلطة المستبدة* وهي التي تخالف التعاليم اللاهية.

وفي بلوَرة أخرى تشاهد الكنيسة الكاثوليكية في مسعى لبسط نفوذها، أن الله أودع جميع الحكومة بيد البابا وهو ترك سيف السلطة الدينية، وخلع للحاكم سيف السلطة الزمنية، وهكذا لم تعد سلطة الوالي مطلقة.....

وفي الأخير إن تلك النظرية يمكن اعتبارها ديمقراطية نوعا ما أو مطلقة وفق صياغتها.

الطلب الثاني: النظريات الطبيعية


النظريات الطبيعية هي النظريات التي تعود نشأة الجمهورية إلى الإنس

ومن أكثر أهمية هاته النظريات:

(1) نظرية الوراثة:

نشأة في وجود الإقطاعية وهي تشاهد أن حق الملكية الأرض وهو حق طبيعي ، يمنح لمالكي الأرض حق ملكية كل ما عليها وحكم الناس الذين يعيشون عليها والذين عليهم طاعة الملاك والرضوخ لسلطتهم ، فالدولة إذن وجدت نتيجة حق ملكية الأرض ومن اجل خدمة الإقطاعيين، لهذا كانت تهدف إلى تبرير الإطار الإقطاعي.



(2)النظرية العضوية:

هي من النظريات الجديدة، حيث ظهرت في القرن التاسع عشر، وهي لا تنتمي إلى مدارس التشريع الطبيعي، بل تشاهد أن قوانين الظواهر الطبيعية يمكن تنفيذها على الظواهر الاجتماعية مثل الجمهورية. فهي تشبه جسد الإنسان المؤلف من العديد من أعضاء ، يؤدي كل عضو منها مهنة محددة وضرورية لبقاء الجسد ككل.

نفس الشيء   فيما يتعلق للأفراد في الجمهورية ، حيث تؤدي كل مجموعة منهم مهنة محددة وضرورية لبقاء كل المجتمع الذي يعمل وينشط كجسم الإنسان ، ولهذا لا مفر من وجود مجموعة من الناس تحكم ، وبعض من المحكومين تؤدي وظائف أخرى غير مشابهة . فالدولة وجدت إذن كظاهرة حالها حال الظواهر الطبيعية وهي لازمة   لبقاء المجتمع.

(3)النظرية النفسية:

هي كذلك نظرية جديدة ، وترى أن الأشخاص لا يخلقون متساوون ، لكن هناك فئتين : فئة تحب السلطة والزعامة ، ولها جميع الإمتيازات التي تمكنها وتأهلها لهذا بطبيعتها ، وفئة تميل إلى الخضوع والانصياع بطبيعتها ايضا ، ولهذا فان الأسباب النفسية الطبيعية هي التي تسيطر على هذا .

لتلك العوامل نشأة الجمهورية، غير أن النظرية عنصرية في الأساس، وقد وظفتها النازية للتمييز بين الأجناس ، خاصة بين الآريين المؤهلين لحكم الأجناس الأخرى.

(4)نظرية التقدم العائلي

رائد تلك النظرية الفيلسوف اليوناني أرسطو، فهو يشاهد أن الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه, ولا يمكنه أن يقطن منعزلاً، فهو يشعر بمَيلٍ فطريٍّ للندوة, فيلتقي الذكر بالأنثى مكونَين بهذا وحدةً اجتماعيةً ضئيلةً وهي العائلة, وتتفرَّع العائلة وتتشعَّب مكونةً الأسرة, فالعشيرة، فالقبيلة، فالمدينة التي تكون نواة الجمهورية .

وتُعتبر تلك النظرية بحق أول مسعى فكرية لتقديم تفسير نشأة الجمهورية، والقائلون بها لا يشاهدون الجمهورية سوى فترةً متقدمةً ومتطورةً من العائلة، وأن أساس السلطة فيها يعتمد على سلطة رب العائلة وشيخ القبيلة .

والسلطة السياسية في تلك النظرية ما هي سوى امتداد لهذه السلطة الأبوية، لهذا قد يطلق على تلك النظرية باسم نظرية السلطة الأبوية.

ويلمح تأييدا لتلك النظرية، أن الأديان جميعا تقر أن العالم البشري يعود الى زواج آدم بحواء أي الى العائلة ، ذلك فضلا على وجود أوجه تماثل عديدة بين الجمهورية والأسرة من حيث الروح والنظام والتضامن الجماعي ، لذلك قديما كان من المستصعب اعتقاد عدم وجود تلك العلاقة العائلية التي تقيم في وقت لاحق /الوحدة السياسية/ وبعض المؤشرات التاريخية تؤيد تلك النظرة.

بل تلك النظرية وجهت لها الكثير من الآراء الناقدة أهمها :

1/ فيها مغالطة تاريخية ، بحيث علماء الندوة يؤكدون أن العائلة لم تكن الخلية الاولي للمجتمع ، لكن أن الناس جمعتهم المصالح المشتركة والرغبة في التعاون على مكافحة فعاليات الطبيعة قبل أن تبقى العائلة ، لهذا كانوا يلتفون بشأن العشيرة التوأمية ،، فأساس الصلة في تلك ليس الدم ولكن التوأم.


الطلب الثالث: النظريات الاجتماعية


(1)

نظرية التغلب والقوة

تُرجِع تلك النظريةُ أصلَ نشأة الجمهورية إلى واقعة التغلب؛ حيث أن التشريع الطبيعي يقصد المكوث للأقوى؛ وحيث إن القوى البشرية في صراعٍ دائمٍ , وذلك المشاحنة يُسفر دائمًا عن منتصر ومهزوم، والمنتصر يفرض إرادته على المهزوم , والمنتصر الختامي يفرض إرادته على الجميع, فيتولى بهذا الشأن والنهي في الجماعة, ويكون باعتبار السلطة الحاكمة.. فتنشأ بهذا الجمهورية مكتملة الزوايا.

وقد تمحورت تلك النظرية في ثلاثة اتجاهات محددة:

*نظرية ابن خلدون

* النظرية الماركسية

* نظرية التضامن الاجتماعي.

فكلا من هؤلاء الفقهاء يسعى تبرير نظرته وفق واقعه المعيشي

فأبن خلدون يقوم بالدفاع على فروضه الثلاث الذي استخلصها من تفسيره الذي سماه العقلاني للتحول من الحكم بالشريعة إلى  الحكم الاستبدادي المطلق.

أما في النظرية الماركسية، فتنظر للتاريخ من الزاوية العينية، فالصراع عبر الزمان الماضي كان على مرجعية طبقي..

وبناء على ذلك ظهرت ثلاث أنماط من الدول عبر الزمان الماضي كانت تخدم تطلعات طبقات محددة وبالتالي نصل إلى المجتمع المنشود .

اما في نظرية التضامن الاجتماعي : فمفهوم الشدة نحو أصحاب تلك  النظرية لا تقتصر على الشدة العينية ، وإنما أشمل من ذلكـ ، كقوة التأثير الأدبي ، والقوة الاستثمارية والحنكة سياسية..الخ.

(3)

 نظرية التقدم التاريخي

يشاهد أنصار تلك النظرية ، ومن بينهم برلمي وجار نر وسبنسر ، أن الجمهورية لم تنشأ نتيجة الشدة أو التقدم العائلي أو العامل الديني ..، هذا أن الظواهر الاجتماعية ومن ضمنها الجمهورية غير ممكن رد نشأتها إلى عامل واحد ، فالدولة عندهم هي نتاج للتطور التاريخي وتأثيرات متنوعة كان نتيجتها ظهور العديد من دول تحت أنواع غير مشابهة ومتعددة تعبر عن أوضاع التي   نشأت فيها ، لهذا فإن السلطة في هذه الدول لا تستند في قيامها هي الأخرى على عامل واحد لكن على العديد من أسباب منها الشدة والدهاء والحكمة أبوين والمال والشعور بالمصالح المشتركة التي تربط أشخاص الجماعة بعضهم ببعض ، فالدولة إذن استنادا لأنصار تلك النظرية ظاهرة اجتماعية نشأت بدافع تقصي احتياجات الأشخاص حالها حال الظواهر الأخرى.

وتلك النظرية تعد رغم عموميتها ، أكثر قربا النظريات إلى الصواب.

المبحث الثاني: النظريات القانونية


الطلب الأول: النظريات الاتفاقية

وتعرف ايضا بنظريات العقد الاجتماعي.

ظهرت فكرة العقد الاجتماعي قديمًا كأساسٍ لنشأة المجتمع السياسي نحو الإغريق، فالنظام السياسي في نظرهم هو نسقٌ اتفق الأشخاصُ على تكوينه للسهر على مصالحهم, ومن ثم فلا يجوز أن يكون ذلك الإطار حائلاً دون تمتُّعهم بحقوقهم الطبيعية, ولا يتقيَّد الأشخاص بالقانون سوى لو كان متفقًا على تلك الحقوق الطبيعية..، ثم أتى النسق السياسي الإسلامي فأبرَزَ عملية التعاقد ورتَّب عليها أثرَها كما سنُبيِّن في وقت لاحق، ثم ظهرت تلك الفكرة في كتابات بعض المفكِّرين الغربيين منذ عاقبة القرن السادس عشر، وقد كان من أبرز القائلين بتلك النظرية الفيلسوفان هوبز ولوك الإنجليزيان وجون جاك روسو الفرنسي .

وقد اتفق الثلاثة على أن العقد الاجتماعي يقوم على فكرتَيْن أساسيتين :

إحداهما: تتحصَّل في ظل وضعية فطرية- بدائية- عاشها الأشخاص منذ غداة الزمان الماضي .
وثانيتهما: تتبدى في إحساس الأشخاص بعدم كفاية تلك الحياة الأولى لتحقيق مصالحهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن يتعاقَدوا على الذهاب للخارج من تلك الحياة بموجب عقدٍ اجتماعي ينظِّم لهم حياةً مستقرةً, أي تعاقدوا على تأسيس جمهورية , وهكذا انتقلوا من الحياة البدائية إلى حياة الجماعة ..ومع اتفاقهم في هاتين المقدمتَين فقد اختلفوا في وضعية الأشخاص قبل التعاقد وبنود ذلك التعاقد، فاختلفت بهذا النتائج التي رتَّبها كلٌّ منهم على النظرية...

إذن

ظهرت فكرة العقد كأساس لنشأة الجمهورية منذ مرحلة زمنية بعيدة، استخدمها العديد من المفكرين في تأييد أو مقاتلة السلطان المطلق للحاكم.

تلك النظريات تعود إلى القرن السادس عشر ، والتي شارك في صياغتها وإبراز مضمونها كل من هوبز ، ولوك ، و روسو .

أولا : نظرية هوبز : ( من أنصار الحكم المطلق )

ان المرحلة التي عاش بها هوبز وما رافقتها من قلاقِل في مختلف من إنجلترا وفرنسا كان لها بالغ الأثر على الفكرة الذي عبر عنها بمساندته المطلق للحاكم .

اغلب كتاباته تمثل الحراسة عن الملك وحقه في الحكم مقابل أنصار سيادة مجلس الشعب.

ابرز هوبز بحق الملك المطلق في الحكم بواسطة طبيعة العقد الذي ابرم بين الأشخاص للتخلص الأمر الذي رتبته الطبعة الإنسانية ونزعتها الشريرة التي قاساها الأشخاص في الحياة الفطرية قبل إبرام ذلك العقد..

عن طريقه يتخلى الشخص عن حرياته وحقوقه الطبيعية للسلطة التي أقامها ايا كانت مساوئها واستبدادها . لان السلطة وفي إتجاه نظره أيما وصلت من السوء فلن تبلغ إلى وضعية الحياة الطبيعية التي كانوا يعيشونها. لكن إن وضع أي قيد على الوالي، أو مركز أي التزام عليه يجعل العقد الاجتماعي قاصرا عن تقصي الغاية المنشود.

وبذلك يتمتع الوالي على الأشخاص بسلطة مطلقة ، ولا يحق للأشخاص مخالفة ذلك الوالي أيا كان استبد أو تعسف .

ثانيا : نظرية جون لوك : ( من أنصار الحكم المحدود )

لو كان لوك يتفق مع هوبز في إنشاء المجتمع السياسي على العقد الاجتماعي الذي ابرم بين الأشخاص لينتقلوا من الحياة البدائية إلى حياة الجماعة ، سوى انه لا يتشابه معه في وصف الحياة الفطرية والنتائج التي توصل إليها .

الحياة الفطرية الطبيعية للأشخاص كما يصفها لوك فهي تنصح بالخير والسعادة والحرية والمساواة ، تحكمها القوانين الطبيعية وبالرغم من وجود كل تلك المميزات لدى الشخص سوى أن استمراره ليس مؤكداً وذلك نتيجة لـ ما من الممكن أن يتعرض له من اعتداءات الآخرين . وذلك ما يدفع الإنسان إلى الحرية المملوءة بالمخاوف والأخطار المستدامة والانضمام إلى مجتمع ما مع الآخرين من اجل المحافظة المتبادلة عن أرواحهم وحرياتهم واملاكهم .

فهذه النظرية تقر بأن

العقد الذي ابرم بين الأشخاص وبين الوالي لإقامة السلطة لا يعطي الوالي السلطة المطلقة.وإنما يهبه سلطة مسجلة بما يضمن تمتع الأشخاص بحقوقهم الباقية والتي لم يتنازلوا عنها.فضلا على ذلك أن

الوالي في نظرية لوك طرف في العقد مثل الشخص. وما ظلت أن محددات وقواعد العقد قد فرضت على الوالي العديد من الالتزامات، فهو محدود وملتزم بتطبيق المحددات والقواعد، وأجاز للأشخاص مقاومته وفسخ العقد.

ثالثا: نظرية جون جاك روسو :

روسو

لوك

الحياة الفطرية حياة خير وسعادة يتمتع بها الأشخاص بالحرية والاستقلال والمساواة

الحياة الفطرية حياة خير وسعادة يتمتع بها الأشخاص بالحرية والاستقلال والمساواة

لا يتشابه مع لوك على عوامل التعاقد وأطرافه ومن ثم النتائج التي تترتب على هذا .

لا يتشابه مع روسو على عوامل التعاقد وأطرافه ومن ثم النتائج التي تترتب على هذا .

يعاود فساد الطبيعة والحياة العصرية، وهذا كمظهر الملكية المخصصة وتطور التصنيع من إخلال بالمساواة وتقييد الحريات

فسر رغبة الأشخاص في التعاقد على مرجعية ضمان استمرارية المساواة والحريات العامة وضمان السلم الاجتماعي .

وهكذا ومن أثناء نظرة روسو كان لابد للأشخاص السعي للبحث عن أداة يستعيدون بها الإمتيازات ، فاتفق الأشخاص فيما بينهم على إبرام عقد اجتماعي ، ذلك العقد يقوم الأشخاص بواسطته بالتنازل عن مختلَف مستحقاتهم الطبيعية لعدد من الأشخاص الذي تمثلهم في الخاتمة الإرادة العامة . ذلك التخلي لا يفقد الأشخاص مستحقاتهم وحرياته لان الحقوق والحريات المدنية استبدلت بهذه الطبيعية المتنازل عنها للإرادة العامة .

* السلطات لا تقوم على خلفية تعاقد بينها وبين المدنيين وإنما هي هيئة من المدنيين مكلفة من قبل صاحب السيادة بمباشرة الحكومة الذي له أن يستردها وان يهبها إلى أفراد آخرين .

الآراء الناقدة التي تعرضت لها النظرية العقدية :-

1- الخيالية : لان الزمان الماضي لا يعطينا مثلا واحدا واقعيا بان جماعة من الجماعات قد نشأت من خلال العقد .

2- غير صحية من الناحية القانونية :

3- غير صحيحة من الناحية الاجتماعية: تفترض أن الإنسان كان في عزلة قبل نشأة الجماعة وذلك قول خطأ لان الإنسان كائن اجتماعي .

الطلب الثاني: النظريات المجردة

سميت تلك النظرية أو الوجهة بالنظريات المجردة لعدة العوامل أهمها لعدم خروجها من طور التنظير ورفوف الأوراق الى ارض الواقع ، ملت التسمية لروعة التشييد النتظيري وهشاشة أو استحالة تنفيذها أو العثور عليها – إن وجدت في أرض الواقع . فكل تلك العوامل كانت دافع لتجريد تلك النظريات في ذلك الوجهة.

ومن أكثر أهمية النظريات المجردة ::

1- نظرية الوحدة

2- نظرية الإطار القانوني

3- نظرية السلطة الشركة

4- النظرية الشركة. لهوريو

وسندرس كل تلك النظريات على إنفراد مع أوضح مالها وما عليها .

أولا : نظرية الوحدة ( جينلك )

طليعة يسعى الفقيه جينلك أن يفرق بين المصطلحين * العقد* و * الفونبارك* ، فالعقد من الناحية القانونية هو تطابق إرادتين على مرجعية الرضا واتفاق على الدكان إذ وجدت المصالح، فالمصالح المتبادلة هي التي دفعت بالتعاقد ، فالبائع مثلا قد يحصل على مال و المشتري يحصل على أشياء غير التي دفعت للبائع ، سوى انه قد تم الاتفاق على هذا من قبل ، أما الفونبارك فهو تطابق أو تعدد الكثير من الإرادات ، فالعلاقة متباينة الإرادات من اجل تقصي مقصد واحد ألا وهو تأسيس جمهورية.

فعلا تلك الفكرة مبهرة من الكثير من النواحي:

فعلى المستوى الداخلي ، على خلفية الفونبارك يمكن تبرير تأسيس مؤسسات المشاركة المتعرف عليها في التشريع التجاري ، اما على صعيد التشريع العام نجد تلك النظرية تتماشى مع الأنظمة الدستورية المعاصرة و بالأخص الأنظمة البرلمانية . كالاتفاق الحاصل بين السلطات ومجلس الشعب .

أما على المستوى العالمي ، فإن تلك الفكرة تتماشى مع فكرة الاتحادات ، والاتفاقيات . وذلك الوجهة هو أكثر اعتمادا في الوقت المعاصر .

سوى أن وفق المنطق فإن تلك النظرية تقوم بتبرير نشأة السلطة السياسية وليس نشأة الدول . وكذا لا من الممكن أن نتصور لنشؤ دول بفضل إرادات غير مشابهة دون أن يبقى نسق قانوني منشئ.

ثانيا: نظرية الإطار القانوني.

صاحب النظرية * هنري كلسن* إذ يُعد أن الجمهورية هي نسق تسلسلي للقواعد القانونية تستمد سلامتها من قاعدة قانونية مفترضة.

فهذا الإطار التسلسلي أو الهرمي ، يُعد أن كل قاعدة أعلى ملزمة للقاعدة الأسفل ، فهكذا كل قاعدة تستمد سلامتها من قاعدة أعلى منها درجة الى أن تبلغ الى القانون الأساسي الذي يستمد هو الآخر سلامته من قانون أساسي أسبق . وذلك ما يعلم لدى فقهاء التشريع الدستوري بمبدأ /دستورية القوانين/، فالقاعدة الدستورية أو القاعدة الرئيسية المفترضة لا يجوز أن نسال من أين تستمد سلامتها الإلزامية، فيجب الاعتقاد بتلك القاعدة والإذعان لها . سوى أن تلك النظرية لم تسلم من الآراء الناقدة أهمها للفقيه ريني في كتابه الحتمية القانونية الصادر سنة 1928 . فانه يسلم بفكرة الهرم القانوني ، سوى انه يُعد أن القانون الأساسي الاول ليست له قوة فرضية وإنما قوة واقعية تستمد من الجمعية التأسيسية ، فمثلا الثورة الفرنسية استمدت قوتها من الجمعية الوطنية ، فالإرادة الشعبية واقعية وليست مفترضة واقعة خارج التشريع.

أما المدرسة الماركسية، تعتبر أن الجمهورية ما هي غلا مرآة للنظام الاستثماري والاجتماعي المتواجد . وبذلك القول بالقاعدة الافتراضية الملزمة لا سند له من الصحة.

ثالثا: : نظرية سلطة الشركة.

وفق منظري تلك النظرية ، أن الجمهورية غير حاضرة ولا كيان لها سوى حينما تؤسس و تنظم سلطاتها القانونية ، فلا يتم ذلك كله سوى بطريقين . أولا بنقل الجمهورية من سلطة سياسية أي عمت فرد أو شخصين الى كيان مجرد .

أما المرحة الثانية وضع قانون أساسي وبالتالي ستتحول الجمهورية من جمهورية فعلية الى جمهورية قانونية .

رغم صحة تلك النظرية في الكثير من الجوانب سوى أنها لا تتماشى مع الدول ذات الدساتير العرفية التي لا تبقى فيها قوانين عليا تنظمها.. رغم كل ذلك فإنها تعتبر كيان ، فإذا أخذنا فحواها فإنه يستحيل أن تتم إقامة   جمهورية لعدم وجود قانون أساسي.

باختصار فإنه تبقى الجمهورية بوجود القانون الأساسي، فلا يتصور قيام جمهورية بلا قانون أساسي، وذلك يكذبه الواقع.

رابعا: نظرية الشركة // هوريو//

وفق هوريو فإن الجمهورية جهاز اجتماعي وسياسي وأن تشكيلها قد يتم على مرحلتين :

الجولة الاولى: تقبل الأشخاص لإقامة مشروع جمهورية معتمدة من مجموع المثقفين.

الفترة الثانية : إنجاز ذلك المشروع بدعوة الأشخاص للانخراط والانضمام.

فالدولة وفق هوريو شركة للشركات ، ولا يتم ذلك الإنشاء سوى بمراحل ، فترة الفكرة الموجهة ، وقد يتم هذا بوجود أشخاص يتصورون فكرة الشركة ووسائل إنجازها ثم في وقت لاحق هناك فترة الانضمام باستثناء جهاز معتمدين على المقالات القانونية المتواجدة سابقا، وفي النهاية هناك فترة أصدر القانون الأساسي ، بحيث يكرس ما هو قائم ويعدل وفق مقتضيات الاحتياج ودليله على ما يقول : قيام الجمهورية الجزائرية إذ يشاهد أن فترة الفكرة الموجهة بدأت بظهور القادة و الزعماء التاريخيين ، ثم بدأت فترة   الانضمام بموافقة الشعب والالتفاف بخصوص الثورة ومبادئها ثم بدأت فترة أصدر القانون الأساسي بميثاق طرابلس .

وحسب المنطق واعتقاد بعض رجال التشريع فإن قيام الدول كقاعدة عامة لا يهُمُّ على خلفية ذلك التسلسل المذكور، كما انه صح القول فيما يتعلق للدولة الجزائرية. فإنه لا يصح فيما يتعلق لباقي الدول، لكن تبقى مغالطة تاريخية، إذ أن الجمهورية الجزائرية كانت حاضرة مع العثمانيين والأمير عبد القادر..سوى أنها رأيت نوع من التدهور والاضمحلال مع الاستدمار الفرنسي..

النهاية:

كل هاته النظريات لم تسلم من الآراء الناقدة إذ يقصد عدم وجود نظرية صحيحة على الإطلاق ومثالية  وإنما تباينت من حيث الصحة   والعمومية لدى العلماء

ولئن اكبر مؤثر للتباين هو الواقع المعيشي والاجتماعي لهم.

وإذا كان لا مفر من تفضيل نظرية محددة من ضمن النظريات، فلا شك أن نظرية التقدم التاريخي هي الأكثر واقعية..

Aucun commentaire:

Publier un commentaire