االقوانين المشرعة : المصادر الشرعية والوضعية لقانون الالتزامات والعقود - heandshehealth

vendredi 27 septembre 2019

االقوانين المشرعة : المصادر الشرعية والوضعية لقانون الالتزامات والعقود

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صرح: “إن الله يبعث لكل أمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها”.
أبوين لا ينحصر في منحى العبادات لكن حتى المعاملات والأحكام المنظمة لها.

وقياسا على ذلك الجديد فإن مرور مائة سنة على صدور تشريع الالتزامات والعقود تقتضي إرجاع قراءة فصوله والعمل على تحديث ما يتطلب إلى تحديث استنادا للتطورات الحاصلة في المعاملات إذ أن المشرع سنة 1913 ليس هو مشرع سنة 2013.

وبالفعل لقد عرف تشريع الالتزامات والعقود أثناء المائة سنة الفائتة تحديثات وتتميمات لبعض فصوله الأمر الذي يضفي عليه طابع الإنصياع والموائمة من ناحية ويدل على حركية القانون بالمغرب من ناحية أخرى.

وتلك المناسبة تقتضي منا استحضار أحوال وضع تشريع الالتزامات والعقود والمصادر التي كانت أساسا لمجمل فصوله.

ولقد عرف المغرب قبل مرحلة الدفاع حركة تأليف عظيمة تمثلت في تفسير وشرح عديد من الكتب والمتون الفقهية التي تستند إلى مذهب الإمام مالك وقد مهدت تلك الكتب مع غيرها تيسير وضع تشريع الالتزامات والعقود المغربي ومن أكثر أهمية تلك المتون:

توضيح متن الشيخ خليل للشيخ عبد الباقي الزرقاني.
توضيح تحفة ابن عاصم للشيخ ميارة والتاودي والتسولي.
توضيح الشغل الفاسي للشيخ المهدي الوزاني.
النوازل الكبرى للشيخ المهدي الوزاني .
النوازل الصغرى للشيخ المهدي الوزاني.
القوانين الفقهية لابن جزي الغرناطي.
وكانت تلك المؤلفات قبل وحتى في أعقاب صدور ق.ل.ع سندا ومرجعا للقضاء في إنتاج أحكامهم الشرعية ويستمدون تعليلاتهم من تلك المراجع.

ولا تزال الحجرة الشرعية بمحكمة النقض وكذا الحجرة المدنية بمختلف أقسامها تتخذ من تلك المؤلفات سندا للفصل في عديد من القضايا المعروضة عليها. او للاستشهاد بها في تعليلاتها.

وذلك يفيد بأنه قبل صدور تشريع الالتزامات والعقود بتاريخ 12 غشت 1913 لم يكن هناك فراغ تشريعي لكن كانت كل المعاملات والتصرفات تخضع في جملتها لأحكام الشريعة الاسلامية وللأعراف سوى أن تلك الاحكام لم تكن مدونة بأسلوب عصرية من ناحية ولم تكن موحدة الأمر الذي ترتب عن هذا اختلاف الآراء بين الفقهاء والعلماء والقضاة في بعض المسائل.

نص قد يهمك :   سابقة : فتح التباري بشأن مناصب المسؤولية القضائية للمرة الأولى في المغرب
الأمر الذي جعل سلطات الحراسة الفرنسية آنذاك تعمل على تجميع وتدوين أحكام المعاملات في مدونة سميت بقانون الالتزامات والعقود. مستندة في هذا على جملة من المصادر والمراجع منها ما هو مستمد من الشريعة الاسلامية ومنها ما هو مستمد من بعض القوانين الأوربية كالقانون المواطن الفرنسي والألماني والاسباني والايطالي والسويسري وهو ما ستتم الاشارة إليه.

وبسبب تجميع وتوحيد أحكام المعاملات وما ترتب عنها من التزامات في مدونة واحدة تم تكوين لجنة تحضيرية تتألف أساسا من خمسة أعضاء وهم:

السيد جورج تيسيي Georges teisssie
السيد لابراديلLapradelle .
السيد بيرج
السيد سانتيلانا المحامي بروما. وقد كان السيد سانتيلانا مقررا لتلك اللجنة التي عهد إليها بوضع مسودة لقانون اصطلح على تسميته بقانون الالتزامات والعقود بالمغرب أسوة بمجلة الالتزامات والعقود التونسية التي صدر الشأن بتنفيذها بتاريخ 15 دجنبر 1906 حيث يلمح تواجد توافق هائل بين أحكام التشريع المواطن المغربي والقانون الساكن التونسي.
وقد انضم إلى تلك اللجنة في أعقاب هذا مجموعة من العلماء والفقهاء البارزين بجامعة القرويين وبعض قضاة فاس الذين كان لهم دور استشاري ومدوا اللجنة بآرائهم بشأن غير مشابه نواحي المعاملات استنادا لأحكام الفقه المالكي.

ومع كامل الأسف لم يتم تدوين أسماء هؤلاء الفقهاء ضمن اللجنة المذكورة.

وهو نقص وخلل يؤاخذ به واضعو تشريع الالتزامات والعقود.

وكان قد للسيد سانتيلانا وبعض علماء القرويين دور هائل في تدوين فصول ق.ل.ع المغربي حيث تم وضع مرجعيات وأصول لكل فصل من فصول ذلك التشريع و قد كان سانتيلانا يتمتع بدراية ومعرفة واسعة بأحكام الشريعة الاسلامية إضافة إلى ذلك تمكنه من اللغة العربية وقد كان يشغل هامة محام بارز بروما ومستشارا قانونيا بالحكومة التونسية ثم عقب هذا لدى سلطات الحراسة الفرنسية بالمغرب وكان قد دوره الرئيسي يتمثل في تدوين وترتيب أحكام المعاملات في الشريعة الاسلامية بأسلوب عصرية.

وقد قام السيد بروسارBrossard مكلف بالأرشيف (Bibliothécaire et archiviste)  بوزارة العدلية بالمغرب آنذاك ومتمكن من اللغة العربية بتدوين وترتيب أحكام تشريع الالتزامات والعقود مع مصادره الشرعية والوضعية فصلا فصلا.

وقد تم اعتماد المصادر الشرعية الأساسية في وضع تشريع الالتزامات والعقود من المذهب المالكي أساسا كما تم الاستئناس بالمذهب الحنفي في بعض المسائل استنادا للتوضيحات الآتية:

نص قد يهمك :   بلاغ صحفي لوزارة الإنصاف بخصوص المادة 4 من مدونة الحقوق المادية.
أولا: المراجع المعتمدة في الفقه المالكي:

لقد تم اعتماد عدد من المؤلفات والمتون الفقهية المالكية نحو وضع تشريع الالتزامات والعقود ومن أبرز تلك المؤلفات ما يلي:

خليل: المختصر في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس.
هو خليل بن اسحاق بن موسى بن شعيب الجندي.

أوضح ابن فرحون أن الشيخ خليل كان مصدرا في علماء العاصمة المصرية القاهرة مجمعا على فضله وديانته من أهل التقصي ثاقب العقل أصيل البحث.

ولقد وضع الله الموافقة على مختصره وتوضيحه فعكف الناس عليه شرقا وغربا.


ولقد حكى عن العلامة شيخ الشيوخ ناصر الدين الباقلاني أنه حيث عورض خطاب خليل غيره كان يقول نحن قوم خليليون إن ضل ضللنا معه زيادة في الحرص على متابعته.

الزرقاني: تفسير على مختصر خليل بن اسحاق تأليف ابن عبد الباقي بن يوسف بن علوان الزرقاني المصري المالكي كان أستاذا بمسجد الأزهر.
بناني: حاشية محمد الحسن بناني الفاسي على توضيح عبد الباقي الزرقاني على مختصر خليل.
ابن عاصم: تحفه الحكام في نكت العقود والاحكام للقاضي والدي بكر محمد ابن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي المالكي المقال العربي الموثوق مع ترجمته إلى الفرنسية مع تعليق للمؤلفين Martel et Houdas ، طبعة بالجزائر.
التاودي: تفسير على تحفة الحكام تأليف والدي عبد الله محمد التاودي ابن سودة.
التسولي: تفسير على تحفة الحكام تأليف علي بن عبد السلام التسولي السبراري بن فرحون.
تبصرة الحكام في وصول الأقضية ومناهج الحكام تأليف الشيخ برهان الدين والدي الإخلاص إبراهيم بن شمس الدين والدي عبد الله محمد بن فرحون اليعمري المالكي.
ابن سلمون كتاب العقد الممنهج للحكام فيما يجري بين يديهم من الوثائق والأحكام، تأليف والدي محمد عبد الله بن عبد الله بن سلمون الكتاني الغرناطي.
لامية الزقاق لأبي الحسن بن محمد التيجيني الزقاق.
التواوتي كتاب الإفادة في معرفة الشهادة لمحمد بن البشير التواوتي.
كتاب فتح الجليل الصمد في تفسير التكميل والمعتمد المشتهر بكتاب العمليات العامة، تأليف النبأ النبيل والدي عبد الله محمد بن والدي القاسم بن محمد بن عبد الجليل الفلالي السجلماسي.
نص قد يهمك :   د.محمد براو : مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة -جولة من الداخل-
ثانيا: المراجع المعتمدة في الفقه الحنفي:

بالإضافة إلى المؤلفات المالكية المشار إليها بالأعلى فقد تم الاستئناش ببعض المؤلفات التي تعتمد الفقه الحنفي ومن ضمنها:

كتاب الأشباه والنظائر تأليف زين العبدين بن إبراهيم بن نجيم المصري الحنفي.
الحموي عبد الله بن محمد الحموي.
كتاب مرشد الحيران إلى علم أوضاع الإنسان لحمد قدري باشا، توضيح الالتزامات والعقود استنادا للمذهب الحنفي.
ابن عابدين في مؤلفه حاشية محمد أمين المشهور بابن عابدين المسماة الرد المختار على الدر المختار تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام الأعظم والدي حنيفة.
الفتاوى الهندية الفتاوى العالمكيرية المعروفة بالفتاوى الهندية في مذهب الإمام والدي حنيفة من تأليف مجموعة من علماء الهند المسلمين بأمر من السلطان أورانك زاب Aureng-Zab.
المجلة مجلة القرارات العدلية. والتي كانت تعتبر باعتبار التشريع الساكن المعترف به رسميا للدولة العثمانية.
ثالثا: المراجع المعتمدة في التشريع الوضعي الأوربي

كما تم اقتباس عديد من القرارات من القوانين الحالة الأوربية والتي لا تتضاد مع أحكام الشريعة الإسلامية.

ومنها على الخصوص: التشريع المواطن الفرنسي.

التشريع الساكن الألماني.

التشريع الساكن الإسباني.

التشريع المواطن الإيطالي.

التشريع المواطن الفدرالي السويسري.

وقد اتبعت اللجنة التحضيرية لوضع تشريع الالتزامات والعقود منهجية علمية وعملية مرتكزة على وضع كل فصل بأسانيده ومراجعه المعتمدة.

يستنتج من كل ما في وقت سابق بأن وضع تشريع الالتزامات والعقود المغربي انتفع من القوانين المسجلة سابقا وسعى تلافي ما تتضمنه من إغفال. الأمر الذي جعله يمتاز بالقدرة على ترتيب شؤون الأشخاص المدنية لفترة قرن من الدهر.

القوانين المدنية المقارنة تاريخ الصدور عدد الفصول أو المواد التقسيم
تشريع الالتزامات والعقود المغربي 12 غشت 1913 1250 كتاب الالتزامات بوجه عامكتاب في غير مشابه العقود المسماة وأشباه العقود
مجلة الالتزامات والعقود التونسية 15 دجنبر 1906 1531 كتاب فيما تعمر به الذمةكتاب في العقود وشبهها
مجلة القرارات العدلية 1786م 1851 موزعة إلى 16 كتابا
مشروع تشريع مدني إسلامي متحد (جامعة الدول العربية) 1921 1316
ونسوق على طريق المثال بعض فصول ق ل ع مع أسانيدها ومراجعها الأصلية لبيان أثر الشريعة الإسلامية في أكثرية نصوصه.
بحث بخصوص : مصادر القاعدة القانونية .


مقدمـة : نظرا لتعدد النُّظُم القانونية و اِختلاف التعبير عن اِرادة الجمهورية و أفرادها فاِنه من المحتم أن تتعدد مصادر نُظم التشريع و تعني كلمة "مصدر" المنبع الذي تطلع منه القاعدة القانونية و البحث عن مصدر القاعدة القانونية هو البحث عن الداعِي المنشئ لها في مجتمع محدد اِذ اِن القاعدة القانونية لا من الممكن أن تنشأ من العدم فلا شيء يبقى من لاشيء لكن لا مفر من وجود داع منشىء لها طبقا لمبدأ الداعِي أو ما يسمى السببية .
و يشارك في تكوين القاعدة القانونية مصدران أساسيان و هما : المصادر الأصلية أو الحكومية و المصادر الاِحتياطيـة و التفسيرية ، فياترى ماهي تلك المصادر ؟ ومالعلاقـة بينها ؟

المبحث الأول : المصرح بالخبر المعترف به رسميا الأصلي ) القانون (
لقد كان العرف في المجتمعات القديمة ناشر الخبر المعترف به رسميا الأول بحيث يمكن القول بأن العصور القديمة هي عصور العرف و الدين أما حظ القانون اِلى جانبه فقد كان ضئيلا ، بل العرف تراجع و ما زال اِلى اليوم يتراجع في أهميته فغدت المقدمة في التشريع الجديد للتشريع في الاِلزام بالنُّظُم القانونية ، حتى أمكن القول بأن العصر الجديد هو عصر القانون .
و تقتضي دراسة موضوع القانون أن نعرض أولا تعريفه و ثانيا خصائصـه و ثالثـا لأنواع القانون و سوف يكون كل هذا في ثلاثة متطلبات :
الطلب الأول : توضيح مفهوم القانون
يطلق اِصطلاح القانون على معنيين : عام و خاص .
الفرع الأول : المعنى العام للتشريع
القانون كمصدر للقانون في مفهومه الواسع la législation يعني به واحد من الأمرين :
الشأن الأول : هو عملية قيام الحكومة المتخصصة في الجمهورية بوضع نُظم جبرية مكتوبة لتنظيم الصلات في المجتمع و هذا في حواجز اِختصاصاتها استنادا للاِجراءات المقررة لهذا .
الشأن الثاني : هو مجموعة النُّظُم القانونية المكتوبة نفسها التي تم وضعها من قبل السلطـات المتخصصة في الجمهورية لحكم صلات الأشخاص في المجتمع سواء كانت تلك السلطة هي السلطــة التشريعية أو هي السلطة التنفيذية .
و بهذا يستخدم اِصطلاح القانون في مفهومـه الواسع تارة بمعنى مصدر النُّظُم القانونيـة المكتوبة و تارة أخرى بمعنى النُّظُم المستمدة من ذلك ناشر الخبر .
الفرع الثاني : المعنى المخصص للتشريع
ينصرف المعنى المخصص للتشريع la loi اِلى مجموعة النُّظُم القانونية التي تضعها السلطة التشريعية في الجمهورية في حواجز الاِختصاص المخول لها دستوريا .
الطلب الثاني : مواصفات القانون
من التعريف المتقدم للتشريع يتبين أنه يمتاز بثلاث مواصفات هي : أنه يحتوي قاعدة قانونيـة و بأنه يحتوي قاعدة مكتوبة و بأنه صادر عن سلطة عامة متخصصة .
الفرع الأول : القانون يحتوي قاعدة قانونية
و يعني بهذا أن القانون يحتوي قاعدة أو مجموعة من النُّظُم القانونية بخصائصـها و هي أنها نُظم التصرف الاِجتماعي العامة المجردة و المصحوبة بجـزاء قهري ، فلا تعتبر قاعـدة تشريعية اِلا هذه التي تحوز مواصفات القاعدة القانونيـة المذكورة و لهذا فلا يُعد تشريـعا أو قاعدة تشريعية الشأن الذي يأتي ذلك عن سلطة عامة متخصصة في الجمهورية خاصا بشخص محدد بذاته أو متعلقا بواقعة معينة بذاتها ، اِذ لا يضع مثل ذلك الشأن قاعدة عامة مجردة للسلوك و مثال هذا أن ينشأ مرسوم من السلطة المتخصصة باِسداء وسام تقييم لشخص محدد أو باِعـلان الحداد الوطني لوفـاة فرد أدى خدمات جليلة للوطن أو بإعطاء اِمتيـاز البحث عن البتـرول لشركة محددة حيث لا تعتبر تلك الأحكام تشريعا من حيث الموضوع رغم اِعتبارها أيضا من حيث الشكل نظرا لصدورها عن السلطة المتخصصة باِصدار القانون بمعناه الواسع .
الفرع الثاني : القانون يحتوي قاعدة مكتوبة
و معنى هذا أن تصدر القاعدة في صورة وثيقة مكتوبة و لهذا يطلق عليه عبارة " التشريع المكتـوب " و هذا على ضد العرف الذي يقال له " التشريع غير المكتوب " ، اِذ هو لا يفرغ في وثيقة مسطورة لكن يَبقى معنى يستخلص من تواتر الشغل في جماعة بسنة محددة مع الاِعتقاد في اِلزامها .
الفرع الثالث : القانون ينشأ عن سلطة متخصصة
اِن تحديد السلطـة التي لديها اِصدار القانون أمر يتنوع تفـاوتا كبيـرا باِختـلاف الـدول و الدساتير و على حسب ما اِذا كانت الجمهورية تأخذ بمبدأ الفصل بين الحكومة أو تأخذ بمبـدأ وحـدة السلطة . فالسلطـة التي تضع القانون تكون حيـنا في يد ملك أو والي مطلق كما في النظم الاِستبداديـة و تكون أحيـانا أخرى في يد هيئـة منتخبـة من طرف الشعـب كما في الدول الديمقراطية و مع هذا فاِن هناك تشريعات تصدر عن السلطة التنفيذية في مسائل محددة تؤهلها
وظيفتها اِلى الاِحاطة بها و الواقع أن تحديـد من له حق القانون من سلطات الدولـة يخضع لظاهرة تدرج التشريعات ، اِذ يقابل ذلك التدرج في القانون تدرج في الحكومة التي لديها سنه.
الطلب الثالث : أشكال القانون
تتعدد أشكال التشريعـات و تتنوع تبعا لأهمية ما تتناوله من مسـائل ، فالتشريع على أربع درجات تتدرج في الشدة : أعلاها هو القانون الرئيسي أو القانون الأساسي ، و أوسطـها هو كل من القانون العضوي و القانون العادي و أدناها هو القانون الفرعي أو اللوائح .
الفرع الأول : القانون الرئيسي أو القانون الأساسي
هو القانون الأعلى في الجمهورية و هو يحدد شكل الجمهورية و نسق الحكم فيها و سلطاتها السياسية و التشريعية و التنفيذية و القضائية . و حواجز كل سلطة و علاقاتها بالأخرى ، كما يبين الحقوق الرئيسية للأشخاص و قد ينتج ذلك في شكل هدية من الوالي باِرادته المنفردة أو في شكل عقد بين الوالي و الشعب أو عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب أو بطريق الاِستفتاء الشعبي أي يؤخذ رأي الشعب على الفور اِعداد مشروعه عن طريق هيئة تحضيرية .
الفرع الثاني : القانون العضوي و القانون العادي
يعني بالتشريعين العضوي و الجوهري مجموعة النُّظُم القانونية المكتوبة التي تضعها السلطة التشريعية في الجمهورية في حواجز اِختصاصها الموضح في القانون الأساسي و قد بين القانون الأساسي الجزائري القائم في المادة 122 الساحات التي يشرع فيها المجلس المنتخب بتشريع عادي و حدد في المادة 123 الساحات التي يشرع فيها بتشريع عضوي .و ما يميز القانون العضوي أنه عبارة عن اِجراء تشريعي لتكملة نُظم القانون الأساسي و اِدخالها حيز التطبيق و طبقا للمادة 123 يثبت لمجلس الشعب حق سن التشريعات العضوية في الميادين التالية : ترتيب الحكومة العضوية و عملها ، نسق الاِنتخابات ، التشريع المرتبط بالأحزاب السياسية ، التشريع المرتبط بالاِعلام ، التشريع الرئيسي للقضاة و التنظيم القضائي ، التشريع المرتبط بقوانين المالية و التشريع المرتبط بالأمن الوطني .
و القانون العادي لا يطلع باستمرار في صورة واحدة ، فقد يطلع في صورة مقالات تنظم مسائل مقيدة كالتشريع الممنهج لمهنة المحاماة أو وظيفة الطب أو القانون الممنهج للجامعات و قد يطلع مجمعا تجميعا علميا منطقيا يضم في وثيقة حكومية النُّظُم القانونية المخصصة بفرع محدد من فروع التشريع في أعقاب تبويبها و تنسيقها ورفع ما قد ما من الممكن أن يكون بينها من تضارب و تضاد و يطلق على تلك الوثيقة الحكومية اِسم التقنين كالتقنين الساكن و التقنين التجاري و غيرهما .
الفرع الثالث : القانون الفرعي أو اللوائح
و يسمى أيضا بالتشريع اللائحي و هو القانون الذي تصدره السلطة التنفيذية و هي اِما السلطات و اِما الاِدارة و اللوائح ثلاثة أشكال :
أولا : اللوائح التنفيذية
و هي النُّظُم التفصيليـة التي تسنها السلطة التنفيذيـة لتطبيق القانون الصـادر من السلطـة التشريعية هذا أن القانون الذي تسنه السلطة التشريعيـة كثيـرا ما يقتصر على أوضح النُّظُم العامة تاركا هامة وضع النُّظُم التفصيلية التي يقتضيها التطبيق العملي للسلطة التنفيذية .
و اِختصاص السلطة التنفيذية بوضع اللوائح التنفيذية أمر منطقي ما دام أنها هي السلطـة التي تقوم بتطبيق القانون الذي تضعه السلطة التشريعية . فهي بحكم وظيفتها تلك و اِتصالها المتواصل بالجمهور تكون أقدر على علم التفصيلات المخصصة بالتنفيذ استنادا لضرورات الشغل و ظروفه فضلا عما في هذا من تخفيف من أعباء السلطة التشريعية التي ينبغي أن تتفرغ لوضع المبادئ الكلية تاركة التفاصيل لعناية السلطة التي تضطلع بـ التنفيذ و هي السلطة التنفيذية .
فطالما أن هامة اللوائح التنفيذية هي مجرد تطبيق القانون الصادر من السلطة التشريعية فيجب أن تلتزم حواجز ذلك الغاية بحيث لا يجوز أن تحتوي اِلغاءا أو تعديلا لقاعدة من نُظم هـذا القانون .
ثانيا : اللوائح التنظيمية
هي النُّظُم الضرورية التي تضعها السلطة التنفيذية ضمانا لتنظيم المصالح و المرافق العامة في الجمهورية ، باِعتبارها أقدر سلطة على اِختيار النظم القانونية الملائمـة لهذا ، ما دام أنها هي التي تقوم باِدارة تلك المصالح و المرافق .
و السلطة التنفيذيـة و هي تسن تلك القواعـد لا تتقيد بأي قانون محدد صادر من السلطــة التشريعية تعمل على تطبيقه لكن تستقل بذبك . ولهذا فقد أطلق على اللوائح التنظيمية اِسم" اللوائح
المستقلة " .
ثالثـا : لوائح الضبط أو البوليس
هي النُّظُم التي تضعها السلطة التنفيذيـة لحماية وحفظ الأمن و إدخار السكينـة و الطمأنينة و حراسة الصحة العامة فهي عبارة عن القيود التشريعية التي يقتضيها الصالح العامـة و التي تضعها تلك السلطة على الحريات العامـة و من أمثلتها اللوائح المنظمـة للمرور و اللوائـح المنظمـة للمحلات المقلقـة للراحة أو المضرة بالصحة و اللوائح المخصصة المراقبـة الأغذيـة و الباعة المتجولين و حظر اِنتشار الأوبئة .
و تلك اللوائح لائحة بذاتها اِذ تصدر من السلطة التنفيذيـة مستقلة عن أي تشريـع تعمل على تنفيذيه و هي بهذا تتفق مع اللوائح التنظيمية و لا تتشابه عن اللوائح التنفيذية .

المبحث الثاني : المصادر الاِحتياطية للقاعدة القانونية
كلنّا يعرف أنّ القانون هو أولّ ما يلتجئ إليه القاضي باعتباره ناشر الخبر الرّسمي الأوّل و بلّ القانون غالبا يكون قاصرا، و ذلك ما يستدعي لجوء القاضي في تلك الوضع إلى مصادر أخرى فرعية تدعى المصادر الاحتياطية للقانون و يكون مجبرا على تنفيذها و سوىّ يُعتبر مرتكبا لجريمة إنكار العدالة و تلك المصادر سنتناولها من الأكثر أهميةّ إلى الهامّ بدءًا بمبــادئ الـشريعة الإسلامية، كمصدر رسميّ احتيـاطيّ عقب التّشريع و ذلك نظرًا لشمولــية الدّين الإسـلامي و ما يتضّمنّه من أحكام عامّة و شاملة ، فالشريعة الإسلامية وفق اتفّاق العلماء هي مصـدر كلّ قانون ، أو ترتيب في المجتمع الإسـلامي ، لِيتبعها العرف ثمّ مبـادئ القانـون الطّبيـعي و نُظم العدالة .
الطلب الأوّل : الشريعة الإسلامية كمصدر رسمي احتياطي للقانون .
تعدّ الشريعة الإسلامية المصرح بالخبر الاحتياطي الأوّل وفق ما أتى في مركز المادّة الأولى من التشريع الساكن الجزائري،فهي تعتبر مصدرا مادّيا،و رسميا في نفس الوقت،أضف إلى هذا هي نسق إجمالي لجميع ميادين الحياة - الرّوحية، و الأخلاقية، و العملية – دون أن نفصّل بين أجزائها، و جوانبها المتغايرة.
الفرع الأول : مفهوم الشريعة الإسلامية لغة، و اصطلاحا.
لغـــة : تستعمل كلمة الشريعة في لغة العرب في معنيين:أحدهما الطّريقة المستقيمة؛ و من ذلك المعنى قوله تعالى في سورة الجاثية : >> ثم جعلناك على شريعة من الشأن فاتبّعها، و لا تتبّع أهواء الذين لا يعلمون << (08).
و الثاني هو مورد الماء الحالي الذي يُغرض للشُرب، و منه قول العرب:'' شرعت الإبل إذا وردت شريعة الماء لتشرب ''، شبهتها هنا بمورد الماء لأنّ بها حياة النّفوس، و الأذهان، كما أنّ في مورد الماء حياة للأجسام.
و أمّا في الاصطلاح الفقهي: فتطلق على القرارات التّي شرّعها اللّه لعباده على لسـان رسول مــن الرّسل ، فسميّت تلك القرارات بالشريعـة لأنّها مستقيمة لا انحراف فيها عن الطّريـق المستقيم؛ محـــكمة الحال لا ينحرف نظامها و لا يلتوي عن مقاصدها.أمّا الإسلامية: فهذه نسبة إلى الدّين الإسلامي الذي يستخدم في الاصطلاح الشّرعي بمعنى الانقياد لأوامر الله و التّسليم بقضائه ، و أحكامه، و إلى العقائد الأهلية، و الأساسيات، و المبادئ للعقيدة الإسلامية فالدّين و الشّريعة و الملّة بمعنى واحد.
و من الشّريعة الإسلاميّة بمعناها الفقهي اشتّق الشّرع و التّشريع بمعنى سنّ النُّظُم القانونية سواء من خلال الأديان و يسمّى تشريعا سمويًا أم كانت من وضع الإنس و صنعهم فتسمّى تشريعا وضعيًّا.
الفرع الثاني : مصادر القرارات الشرعية المتّفق عليها.
لقد اتّفق حشْد المسلمين على الاستناد على أربعة مصادر وهي القرآن ، العمرّة ، الإجماع و القياس و الدّليل على هذا عصري معاذ بن جبل(رضي الله سبحانه وتعالى عنه) "الذي بعثه رسول الله(صلّى الله عليه و سلم) قاضيا بالإسلام إلى جمهورية اليمن ، فقال له الرّسول:كيف تقضي يا معاذ إذا عُرِضَ لك قضاء ؟ أفاد: أقضي بكتاب الله. أفاد: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ صرح: فبسنّة رسول الله . أفاد: فإن لم تجد في سنّة رسول الله. أفاد:أجتهد برأيي و لا آلو.أي لا اُقصّر في الاجتهاد . فضرب رسول الله (صلّى الله عليه و سلّم) على صدره، و أفاد: الشكر لله الذي وفّق رسول الله لما يرضى الله ، و رسوله".
الفرع الثالث : مكانة مبادئ الشريعة الإسلامية من ضمن مصادر التشريع الجزائري .
إنّ الشّريعة الإسلامية تعدّ مصدرا رسميّا للقانون الجزائري إذ تنّص المادة الأولى من التشريع الساكن على هذا ، فعلى القاضي إن لم يجد حكما في التّشريع الرّجوع إلى مبادئ الشّريعة الإسلامية و يقوم باستخلاصها من الكتاب و العمرّة و الإجماع و القيّاس و هذا بمثابة الشّريعة الإسلامية ناشر الخبر الرّسمي الثاني في أعقاب التّشريع .
و تعدّ الشريعة الإسلامية ايضا مصدرا مادّيا للقانون الجزائري و المقصود بهذا أنّ المصرح بالخبر المـادّي أو جوهر بعض مقالات التشريع استمدّها المشرّع من مبادئ الشريعة الإسلامية فيعدّ تشريع العائلة مستمّدا من الشريعة الإسلامية فيما يتعلّق بالزّواج و الطّلاق و الولاية و الميراث و الوصيّة و الوقف وتعتبرّ الشريعة الإسلامية ايضاً مصدرا مادّيا لبعض مقالات التشريع الساكن منها حوالة الدّين و أيضا استّمد التشريع المواطن القرارات المخصصّة بتصرّفـات المريـض مرض الوفاة من الشريعة الإسلامية كما تعـدّ أحكام خيار المشاهدة المعروفة في الشريعة الإسلاميّـة مصدرا مادّيا للمادّة 352 مدني.و نظرية الأحوال الطّارئة التّي مقالّ عليها التشريع الوضـعي مأخوذة من نظرية العذر في الشريـعة الإسلامية و إن كان يترّتب عليها فسخ العقد بالنّسبــة لمبادئ الشريعـة الإسلاميّة في حين يترّتب عليها تطوير الالتزامات مع مكوث العقـد قائما بالنّسبـة للقانون الوضعي.
و قد جعل المشرّع الجزائري السلفة بفائدة بين الأفراد باطلا استنادا للمادّة 454 من التشريع المواطن و المصرح بالخبر المادّي لذلك النّص هو الشريعة الإسلامية.
و يلمح أنّه إذا كانت الشريعة الإسلامية مصدرا مادّيا لبعض النّصوص التّشريعية، فذلك يقصد أنّ القاضي ملزم بالنّص التّشريعي و لا يعاود مبادئ الشريعة الإسلامية سوىّ لمساعدته على شرح النّصوص المستمدّة منها .
الطلب الثاني : العرف كمصدر رسمي احتياطي للقانون.
الفرع الأول : مفهوم العرف .
العرف هو ما ألّفه النّاس و ساروا عليه في تصّرفاتهم سواء كان فعلا أو قولا دون أن يصـادم مقالّا .و هو يُعد من أقدم مصادر التّشريع الإنساني، إذ أنّ البشريـة بدأت بطقوس و أعـراف جـعلت منها شريعة تحتكم إليها . و ما زال العرف إلى يومنا ذلك من أفضَلّ المصادر للقوانيـن (المادّة نصف من التشريع الساكن الجزائري ).و الشريعة الإسلامية حينما أتت وجدت كثيرا من الأعراف في المجتمع العربي فأقرّت الصالح منها و ألغت التالف من هذه الطقوس و الأعراف.
أولا : الركن المادّي
و يتمثّل في اطّراد أو تتالي سلوك النّاس في مسألة معيّنة بما فيه الكفاية لتأسيس عادة Usage تتوفرّ فيها محددات وقواعد رئيسيّة و هي:
- أن تكون عامّة و يكفي أن تكون ايضاً و إذا كان العرف محلّيا أو مهنيا.
- أن تكون قديمة أي مضت على ظهورها مدّة كافية لتأكيد استقرارها. و لا تتشابه تلك المدّة باختلاف البيئة و هكذا تتحقّق الأقدمية للعادة التي تنشأ في البيئات التجارية لكثرة تكرارها في وقت أقصر مضاهاة بالعادة التي تنشأ في بيئة زراعية.
- أن تكون العادة ثابتة (Usage constant) أي اتبعت بنفس الصورة منذ ظهورها بغير انقطاع.
ثانيا : الركن المعنوي
هو تصور الناس بالزاميّة العادة ، أي إحساس الناس كافّة بأنّهم ملزمون أصبحّباع تلك العادّة لأنّها
أصبحت قاعدة قانونية و يتعرّضون لجزاء في وضعية مخالفتهم لها و لا يبقى ضابط يمكن الاستناد إليه لتحديد الوقت الذي يتمّ فيه توافر الإحساس بإلزام العرف. و بل يأتي ذلك ذلك الإحساس تـدريجيّا، و متى ثبتّ أصبحت العادّة عرفا. و الركن المعنوي هو الذي يفرّق بين العرف
و العادّة إذ لو افتقدت العادّة الركن المعنوي، استمرّت عادة لاغير و ليست عرفا، فتكون غير واجبة التّطبيق كما أنّ التقاليد الاجتماعية كالعادات المتعلّقة بآداب الزيارات و التهنئة و تقديم المنح في المناسبات إلى أن لو كانت طقوس عامّة ثابتة،و قديمة،فإنّها ليست عرفا لعدم إحساس النّاس بإلزاميتها فمخالفتها لا يترّتب عنها عقوبة.
الفرع الثالث : دور العرف .
من وظائف العرف الرئيسية دوره التّكميلي للتّشريع،و ذلك نحو سكوت ذلك الأخير بل للعرف
وظائف أخرى فقد يلعب دورا مساعدا للتّشريع كثيرا ما بإحالة من ذلك الأخير بل إلى أيّ نطاق يصحّ مخالفة العرف للتّشريع ؟.
العرف المكمّل للتّشريع.
إنّ الدور الرئيسي للعرف باعتباره مصدرا رسميّا احتياطيا للقانون هو دوره المكملّ للتّشريع فإذا وجد قلة تواجد في التّشريع فيمكن أن يلتجئ إليه لحلّ نزاع قانوني مثلا،و هذا تنفيذا للمادّة الأولى من التشريع الساكن التّي تنّص على هذا صراحة بل لابدّ من معاينة القاضي لذلك النّقص في التّشريع من ناحية و لعدم إمكان سدّ ذلك النّقص باللجوء إلى مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها ناشر الخبر الاحتياطي الأوّل من ناحية ثانية.و يعلّل الفقه دور العرف المكمّل في القوانين التي لا تجعل منه مصدرا احتياطيـا صراحة بأمرين:أولّهما أنّ سكوت المشرّع عن مسألة محددّة يحتمل أن يفسّر بوجود عرف ثابت يدّل في نفسه على صحّة السّلوك المتبّع ممّا يستبعد الاحتياج إلى تدّخل المشرّع لتـغييره و ثانيهما أنّه عندسلوك التشريع من الأجود الاعتراف للعرف المتواجد بالقوّة الإلزامية لما في هذا من ضمان للاسـتقرار القانوني، فالنّظام القانوني يكون آنذاك مزوّدا بقاعدة سلوك مشهورة، و شّائعة يمكن لأيّ فرد أن يعود إليها على أقل ما فيهاّ ما دام لم يتدّخل التّشريع بما يتنافى معها و يلعب العرف دوره على ذلك النّحو،أي كمصدر رسمي تكميلي بالنّسبة لكلّ المعاملات التّي تسري في شأنها غير مشابه فروع التشريع.على أنّ تلك القاعدة لا تطّبق بنفس نسبة التقدم، و القوّة فيما يتعلق لكلّ فروع التشريع.
العرف المعاون للتّشريع.
من الممكن أن يلعب العرف دورا مساعدا للتّشريع، و يلمح في ذلك الصدد أنّ التّشريع نفسه كثيرا ما ما يحيل على العرف كما هو الأمر في النُّظُم المكملّة التّي كثيرا ما ما تنتهي بالعبارة التّالية ما لم يبقى اتّفاق أو عرف يحكم بغير هذا كما أتى مثلا في المادّتين 387، و388 من التشريع المواطن )، و قد يلعب العرف دورا في تحديد مؤكد المقالّ التّشريعي و من أمثلة هذا القاعدة التي تقرّر أنّ العقد لا يتحدد ويتوقف على إلزام المتعاقد بما ورد فيه فحسب لكن يتناول كذلك ما هو من مستلزماته استنادا للقانون والعـرف والعدالة على حسب طبيعة الالتزام ( م 107 من التشريع الساكن )
و هكذا يمكن الاستعانة هنا بالــعرف لتحديد المقصود بعبارة " لوازم العقد "، و نفـس الشأن بالنّسبة للعيوب التـّي يتضـمنّها المؤجـرّ،و مسؤولية التاجر عن النّقص في كمية المبيع التّي تحدّد وفق ما يحكم به العرف (المادّة 365 ف1من التشريع الساكن ) كما يكون للعرف كذلك دور في الكشف على الغرض نحو المتعاقدين، و هكذا يحيل التشريع على العرف للاسترشاد به من طرف القاضي للتعرّف على نيّة المتعاقدين مثلا في المادّة 111 ف2 من التشريع الساكن التّي تنّص على أنّه " لو كان هـناك محلّ لتأويل العـقد فيجـب البحث عـن النيـّة المشتركة للمتعاقدين دون النهوض نحو المعنى الحرفي للألفاظ مع الاستهداء في هذا بطبيعة التّعامل، و بما ينبغي أن يتوافر من أمانة،و ثقة بين المتعاقدين،استنادا للعرف الحالي في المعاملات ".
الطلب الثالث : مبادئ التشريع الطّبيعي و نُظم العدالة .
أوضح المشرّع الجزائري في-المادّة الأولى من التشريع المواطن- مبادئ التشريع الطّبيعي و نُظم العدالة كمصدر من الممكن أن يلتجئ إليه القاضي عندما لا يجد قــاعدة يطّبقها لا في التّشريع و لا في المصدرين الاحتياطيين المدروسين سابقا أي مبادئ الشّريعة الإسلامية و العرف.
الفرع الأول : المقصود بمبادئ التشريع الطّبيعي ، و نُظم العدالة .
التشريع الطّبيعي يعني به هذه النُّظُم المثلى في المجتمع كالقيم الإنسانية المتعلّقة بالخير و الشرّ و هناك من عرّفها أنّها مجموعة المبادئ العليا التّي يسلّم الذهن الإنساني السّـليم بضرورتها في ترتيب الصلات بـين الأشخاص داخل المجتمع الإسلامي ، أمّا قواعــد العدالـة فهي هذه الفكرة المرنـة و التّي لا يتشابه مفهومها من فرد إلى آخر.
و من ضمن المـبادئ المستعملة من قواعـد العدالة حراسة حقوق وكرامة البشر و حراسة الملكية الأدبية و الفنيّة و عدم التعسّف في استخدام الحقّ.
الفرع الثاني : المقصود بالإحالة على مبادئ التشريع الطّبيعي و نُظم العدالة .
لأجل أن نفهم المقصود بإحالة المشرّع على مبادئ التشريع الطّبيعي و نُظم العدالة لابدّ من التّذكير بالكيفية التّي دخل فيها التشريع الطّبيعي التّزجاجات، و أخذ الصّبغة الرّسمية فيها.
لقد سبقت الدلالة حتّىّ التشريع الطّبيعي يُعد ناشر الخبر المادّي الرئيسي للقانون الوضعي، إذ يستلهمه المشرّع من مبادئه العامّة لوضع النُّظُم التّفصيلية لذلك الأخير، و هي التّي يطبّقــها القاضي.
و بل ما دور مبادئ التشريع الطّبيعي و نُظم العدالة بالنّسبة للقاضي ؟
يتبيّن من قـراءة أوليّة للمـادّة الأولى من التشريع الساكن أنّ المشرّع قد رتّب مبادئ القانـون الطّبيعي و نُظم العدالة في المرتبة الثالثة من ضمن المصادر الرّسمية الاحتياطية و بل سرعان ما يتبيّن من قراءة تحليلية، و تّاريخية لذلك المصرح بالخبر الاحتياطي للقانون أنّ المشرّع ما كان يعني بالإحالة إليه اعتباره حقيقـة مصدرًا رسميًّا احتياطيًّـا و بل مجرّد مصـدر مادّي يستعين به القاضي في العثور على الحلّ للنّزاع المعروض عليه حينما لا تسعفه في العثور على ذلك الحلّ، المصـادر الأصلية و الاحتياطية.
فمن زاوية تحليليـة لفكرة القانـون الطّبيعي يلمح أنّه على خلاف المصـادر الاحتياطيـة الأخرى لا يحتويّ ذلك المصرح بالخبر الأخير نُظم دقيقـة محدّدة قابلة للتّطبيق ، إذ هو من المبادئ و النفيس المثالية التي تجريها البشريـة جمعاء فالقاضـي لا يجد إذن في مواجهته نُظم يطبّقها هنا
و إنّما يعتمد عل تلك المبادئ المثالية و يضع ذاته في موضع المشرّع و ينشئ قاعدة من تلك المبادئ،و يطبّقها على النّزاع المعروض عليه ، بل تلك القاعدة ينتهي مفعولها بحلّها للنّزاع الذي وضعت من أجــل حلّه فالقاضي يطبّق التشريع و لا ينشئه و ممّا يؤكدّ تلك الفكـرة أنّ الفقهـاء بما فيهم كبار أنصار التشريع الطّبيـعي لم ينظروا أبدا إليه كمجـرّد تشريع يتضمـنّ مبادئ عامّة موّناحية للحلول العادلة التي يستخلصها من ذلك التشريع المشرّعون وفق الوضـع الاجتماعي الذي يرغبون في تنظيمه، فلا يمكن إذن تصّور أن يكون التشريع الطّبيعي مصدرا رسميا للقانون، لكن مصدرًا احتياطيًّا له.
الفرع الثالث : نطاق مناسِبة الإسناد إلى مبادئ التشريع الطّبيعي، و نُظم العدالة.
إننّا نشاهد أنّ مقالّ المادّة الأولى من التشريع المواطن على إحالـة القاضي إلى مبادئ القانـون الطبيعي ، و نُظم العدالة ليس له ما يبرّره هذا أنّ تلك المادّة تعدّ الشريعة الإسلامية المصرح بالخبر الاحتياطي الرّسمي الأوّل في أعقاب القانون و مبادئـها هي الأدّق و الأكثر انضباطا بل مبــادئ التشريع الطبيعي ، و نُظم العدالة تنوب عنها، و المستخلص أنّ القانون أصل يحيل إليها.

المبحث الثالث : المصادر التفسيرية للقاعدة القانونية
يراد بالتفسير اِيضاح معنى القاعدة القانونية اِذا شابها الغموض و يعني بالمصادر التفسيرية المراجع التي يلاذ بها لتجلية ما قد يكتنف القاعدة القانونية من إيهام و أعلن ما قد يشوبها من لبس أو يعتريها من اِبهام أو ما يحيط بها من تناقض فالمصادر التفسيرية هي ما به يستنير القاضي في طريق النهوض على حقيقة النُّظُم التي تمده بها مصادرها الحكومية و المصادر التفسيرية في أكثرية القوانين الجديدة هي الفقه و القضاء.
الطلب الأول : الفقــــه
يطلق اِصطلاح الفقه على واحد من معنيين :
1/ فقد يعني بذلك المصطلح مجموعة الآراء التي يقول بها علماء التشريع و هم يشرحون أو ينتقدون نُظم التشريع في مؤلفاتهم و يستنبطون الإجابات على ضوء شرحهم لهذه النُّظُم أو يعلقون على أحكام القضاء .
2/ و قد ذلك الاِصطلاح على مجموع فقهاء التشريع ذاتهم .
و الفقه بمعناه الماضي يتضح في الواقع بأعمال ذات طبيعة و أنواع غير مشابهة صادرة عن اساتذة التشريع الجامعيين و عن القضاة و المحامين و الموثقين لهذا نستطيع أن نقول اِن الفقه هو عبارة عن الآراء المنشورة لرجال التشريع . و قد تفاوتت نظرة الشرائع اِلى دور الفقه ، فقد كان الفقه مصدرا رسميا في بعض الشرائع القديمة و في الشريعة الاِسلامية قبل أن ينتهي الشأن به في شرائع العصر الجديد اِلى أن يصبح مصدرا تفسيريا مجردا من صفة الاِلزام .
الفرع الأول : الفقه مصدر رسمي في الشريعة الاِسلامية .
كان للفقه دور كبير في الشريعة الاِسلامية ، هذا ان القرآن و السنة و هما مصدرا الشريعة الاِسلامية الأساسيان جاءا متضمنين المبادئ الكلية و النُّظُم العامة لأحكام الدين الاِسلامي، مع تفصل بعض القرارات التي تنظم حقوق الله و اهتمامات العباد . فقام فقهاء تلك الشريعة ببيان ميدان و محددات وقواعد تنفيذ هذه المبادئ و النُّظُم و القرارات على الوقائع المتغايرة و هذا من خلال الاِجماع و القياس الذين يعتبران ملخص اِجتهادهم و عصارة آرائهم . فظهرت المذاهب الاِسلامية المتغايرة و أشهرها المذاهب الأربعة المعروفة التي تم على أيدي فقهائها العظام تأصيل مناهج البحث و تفريع إجابات كثيرة منها ، حتى غدت الشريعة الاِسلامية نظاما قانونيا متكاملا ينافس أجدد و أرقى الشرائع .
الفرع الثاني : الفقه في الشرائع الجديدة مصدر تفسيري .
بات الفقه في الشرائع الحالة في الجديدة مجرد مصدر تفسيري للقانون و معلق على أحكام القضاء ، فمهما وصلت درجة الفقيه العلمية فاِن آراءه لم تعد تلزم القاضي بالحكم استنادا لها ، لكن اِن القاضي لم يعد يتقيد حتى برأي اِنعقد عليه اِجماع الفقهاء و بهذا فلا يجوز الطعن في حكم ما أما المحكمة العليا فقط لأجل أنه خالف آراء الفقهاء أو فقط لأجل أنه خرج على اِجماعهم ، فقد اِنعدم دور الفقه كمصدر رسمي لقواعد التشريع و بات يقتصر على شرح تلك النُّظُم و هذا اِما بالاِشارة اِلى أوجه الندرة أو القصور أو الغموض فيها و اِما بالاِشارة اِلى الأسلوب التي يلزم استنادا لها تنفيذ النُّظُم القانونية المتواجدة .
و على غرار دور الفقه في الشرائع الجديدة ، فاِن الفقه في التشريع الجزائري يُعد مصدرا تفسيريا ، اِذ ليس للفقيه أية صفة في وضع النُّظُم القانونية ، كما أن آراءه ليست ملزمة للمشرع و لا للقاضي الذين لهما أن يستأنسا به فيأخذاه أو يدعاه و خير دليل على هذا أن المادة الأولى من تقنيننا الساكن التي تعدد المصادر الحكومية للقانون الجزائري لم تذكره من ضمنها .
الطلب الثاني : القضـــاء
يعني بلفظ القضاء واحد من معنيين :
1/ فقد يطلق ذلك اللفظ للدلالة على السلطة القضائية ، أي الجهاز الذي الفني الذي يقوم على مرفق العدالة و الذي يتركب من مجموع المحاكم المتواجدة في الجمهورية التي تضطلع بـ أمر الفصل في القضايا المطروحة في مواجهتها .
2/ و قد يطلق ذلك اللفظ للتعبير عن مجموع المبادئ القانونية المستخلصة من اِستقرار أحكام المحاكم على أتباعها و الحكم بها نحو تنفيذها للقانون .
و على غرار الفقه فقد اِختلفت النظرة اِلى القضاء كمصدر للقانون باِختلاف الأزمان و الشرائع .
الفرع الأول : ترتيب القضاء في الشريعة الاِسلامية .
كان القضاء واحد من مصادر الاِلزام بالنُّظُم القانونية في الشريعة الاِسلامية في عهدها الأول و خصوصا في عهد الخلفاء الراشدين ، غير أن عظمة منزلة فقهاء الشريعة الاِسلامية لم تمكن القضاء من المحافظة على ذلك الدور ، اِذ أدت تلك المنزلة الرفيعة للفقه اِلى بسط سلطانه على القضاء الذي يوم غد مجرد تنفيذ لآراء الفقهاء لكن اِن الشغل كان يجري على اِختيار القضاة من ضمن الفقهاء البارزين ذوي التفسيرات و الشروح الفقهية التي كانوا يستنبطون قواعدها من أحكام غير مشابه مصادر الشريعة الاِسلامية و ذلك ماجعل القضاء يمتزج بالفقه ، هذا أن القاضي كان فقيها و الفقيه قاضيا . و من ثم كان من العسير مفاضلة القضاء عن الفقه و ذلك ايضاً ما جعل القضاء ينتهي في العديد من المجتمعات الاِسلامية اِلى التقيد بمذهب فقهي محدد و اِلزام القضاة بالحكم على مقتضى آرائه . و ذلك يبدوا واضحا اليوم فيما يتعلق للجزائر مثلا ، حيث يتعهد القضاة في عديد من المسائل المعروضة عليه التي لا يجد في تقنين العائلة مثلا أحكاما تنظمها بالرجوع أولا اِلى أرجح الأقوال في المذهب المالكي باِعتبار مبادئه مصدرا اِحتياطيا لمسائل الأوضاع الشخصية .
الفرع الثاني : ترتيب القضاء في الشرائع الجديدة .
ما زال القضاء في بعض الشرائع الجديدة مصدرا رسميا لقواعد التشريع و اِن كان قد بات في أكثرية تلك الشرائع مجرد مصدر تفسيري للقانون .

الخاتمــة
و في انتهاء ما عرضناه في بحثنا ذلك، يتلّخص لنا في الأخير أنّ المصادر الرّسمــية للقانون التي تمّت دراستها سابقا ليست كافية و القاضي يلزم عليه فصل النّزاع المعروض عليه و هذا باللّجوء إلى المصادر الاحتياطيّة و التفسيرية للقـانون . نظرا للدّور العظيم الذي تلعبه في حال قصور القانون . و قد حاولنا جـهدنا أن نعطي لكلّ مصدر من المصادر حقّه في الشّرح و التّفصيل ، على ضوء ما وجدناه في المصادر، و المراجع القانونية التي بحثنا فيها، لهذا نرجو أننّا وفّقنا و وضحنّا و لو جزءا بسيطا من موضوع بحــثنا و إذا لم نـحقّق هذا فحسبنا أننّا حاولنا و تبارك ذو الكمال سبحـانه جلّ و على ، عليه توّكلـنّا و استعنا و استهللنا عرضنا
و بحمده نختمه ، و سلام على إمام الهادين ، و على الأنبياء، و المرسلين و الصّحابة أجمعين و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


المراجع :
1/ الوجيز في نظرية التشريع -للدكتور محمد سعيد جعفور .
2/ التشريع الدستوري و النظم السياسية المقارنة – للدكتور السعيد بوالشعير .
3/ النظرية العامة للدولة و القانون الأساسي – للدكتور السعيد بوالشعير .
4/ الوجيز في نظرية التشريع – للدكتور محمد حسنين .

Aucun commentaire:

Publier un commentaire