االقوانين المشرعة : ربط المسؤولية بالمحاسبة على ضوء دستور - heandshehealth

jeudi 24 octobre 2019

االقوانين المشرعة : ربط المسؤولية بالمحاسبة على ضوء دستور


ربط المسؤولية بالمحاسبة على ضوء قانون أساسي 2011
من الأخبار التي أتى بها تطوير القانون الأساسي سنة 2011 أنه مقال ضمن البند الثانية من الفصل الأول على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأتى ذلك المقال ضمن الأساسيات التي يقوم عليها النسق الدستوري المغربي وهي « فصل السلط » و »الديمقراطية المواطنة  والتشاركية » و »مبادئ الحكامة الجيدة »، وظل مبدأ الربط بين المسؤولية والمحاسبة يتردد في عدد من الخطابات السياسية الحكومية منها وغير الحكومية دون أن يعلم سبيله باتجاه التفعيل على نحو عملي وجاد.
وبمناسبة إعفاء عدد من الوزراء والمسؤولين الإداريين من مهامهم على أساس تعطل أو تعثر مشروعات (الحسيمة منارة المعتدل)، والذي أتى في أعقاب احتجاجات شعبية استمرت العديد من شهور بمنطقة الحسيمة، كَثُر الخطاب عن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعن تنشيط ذلك المبدأ الدستوري، الأمر الذي يدعونا للتساؤل: هل يكفي إعفاء وزير أو كاتب عام أو مدير من مهامه كتطبيق للمبدأ المذكور؟ وللإجابة عن ذلك التساؤل لا مفر من تحديد مفهوم المحاسبة الواجبة للوقوف على الإخلال بالمسؤولية السياسية أو الإدارية من عدمه، وما هي الأساليب وطرق العمل التي تضطلع بـ هامة المحاسبة؟ وما هي المساطر التي اتباعها في القيام بوظيفتها؟ وأي ضمانات قانونية للحيلولة دون جعل العقوبة مجرد سيف سلطوي لتصفية حسابات سياسية أو غيرها؟ ومن أثناء البحث عن الحلول سيتبين أن الشأن لا يرتبط بعملية مزاجية أو بتصرف ظرفي تستوجبه عوز سياسية محددة، وإنما المحاسبة هي ركن رئيسي للحكامة الجيدة وسلامة تفعيلها ترتكز على سيادة التشريع الذي من المفروض أن يستقيم في مواجهته الجميع في جمهورية الشركات.
وحينما نقول المحاسبة في ميدان خطة الأمر العام قد يتبادر إلى عقل القلة أن الشأن ينحصر في الإنتهاكات العينية المرتبطة باختلال الحسابات أو الخطة الذي يهم المنحى المالي كالصفقات والشراءات في القطاعات العمومية وغيرها من المكونات العينية، غير أن مؤكد المحاسبة لا ينحصر في الجوانب التي لها أثر مالي وإنما يطول ايضا لما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي على مرجعية تقدير الجوانب العينية والمعنوية للعمليات والإجراءات المتخذة أو التي تم التقصير في اتخاذها والآثار الناتجة عن هذا ليس فيما يتعلق لكيفية دفع المال العام لاغير وإنما ايضا فيما يتعلق لمستوى الخدمات العمومية ونسق التوجهات الرئيسية للدولة ومصداقيتها وسمعتها ومكانتها في المجتمع العالمي، وقد تكون الأضرار المعنوية التي تصيب تلك الجوانب أفدح بكثير من سوء دفع المال العام أو اضطراب في خطة قضايا عينية.
وآليات الرصد والمحاسبة تعد من المكونات الجوهرية في مختلف ديمقراطية تشاركية حقيقية وهي متنوعة ومختلفة فمنها ما هو مؤسساتي رسمي كالبرلمان والمؤسسة الوطنية للافتحاص والتدقيق والتقويم، ومنها ما هو غير رسمي ويتعلق بدور الأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع الساكن والصحافة ووسائل الاتصال.
وفيما يتعلق للشركات الحكومية يلمح بأن دور مجلس النواب المغربي في ميدان رصد الشغل الحكومي باهت وغالبا ما يوجد حبيس الأسئلة ذات الطابع العام لتضاؤل المؤهلات ومحدودية المعرفة لدى نسبة عظيمة من البرلمانيين، كما أن الردود الرسمية تطغى عليها عادة لغة إنشائية ومضامين خشبية الأمر الذي يجعل تلك الآلية غير ذات فعالية. وفيما يتعلق للجن البحث والتقصي التي يُحدثها المجلس المنتخب على قلتها فإن تقاريرها غالبا توجد مجمدة. وفيما يخص الشركة الوطنية للافتحاص يبقى المجلس الأعلى للحسابات وتلك تسمية غير دقيقة ولا تعبر عن مغزى واختصاصات المجلس الذي لا ينحصر دوره في رصد الحسابات وإنما يفتحص التّخطيطات المعتمدة وأساليب الخطة التي لا تقتصر على المنحى المالي. وبخصوص بدوره فإنه يُلاحظ أنه يقوم بعمليات انتقائية كما أن تقاريره في وضعية وقوفه على اختلالات توجد بلا استكمال مع بعض الاستثناءات القليلة.
والآليات غير الحكومية حاضرة ومتعددة وتتفاوت من حيث أهميتها غير أن النتائج التي تتحقق على ذلك المستوى توجد جد مقيدة لأن ما تثيره الأحزاب والنقابات والجمعيات والصحافة ووسائل الاتصال تُواجه في عديد من الأحيان بصرف النظر واللامبالاة فينعدم التفاعل المجدي في المحاسبة والتقويم.
وإذا كانت المحاسبة لازمة لضمان شفافية ونزاهة واستقامة سير المرافق العمومية وضمان الحكامة الجيدة فما هي المحددات والقواعد اللازم توافرها لتحقيق القصد المتوخاة منها؟
إن المحاسبة الموضوعية والفعالة في تحصين خطة الأمر العام من الاضطراب والانحراف لا يمكن أن تشكل مزاجية أو انتقائية أو ظرفية أو أداة انتقامية لأسباب سياسية أو غيرها، وليست سلاحا في يد السلطة الحاكمة تستعمله عندما ترغب في، وإنما هي عملية تستند إلى التشريع في شكلها وإجراءاتها وموضوعها وما يترتب عنها، وهي افتحاص موضوعي وحيادي يشمل مقاصد وشكل ومضمون المسؤولية ونتائج مزاولتها، مع الأخذ بعين الاعتبار الوسائل المتاحة وأسلوب استخدامها والتزامها بمقتضيات التشريع الذي يؤطرها ومدى تناسبها مع الثروة المنجزة.
وغير ممكن القيام بالمراقبة والمحاسبة على النحو المشار إليه سوى إذا كانت الجهة التي تضطلع بـ تلك الهامة تتمتع بالاستقلال والحياد ويتوفر طاقمها على المؤهلات اللازمة التي تكمن أساسا في المعرفة الكاملة بالنُّظُم القانونية المؤطرة لعملية الافتحاص والتدقيق والتقيد بمقتضياتها من حيث الشكل، والإلمام الواسع بكل الجوانب القانونية والإدارية والمهنية المرتبطة بالجهة الخاضعة للمراقبة والالتزام بالموضوعية والنزاهة في التحري والبحث قبل استخلاص الملاحظات وتكوين القناعة الأمر الذي يحتاج إتاحة الإمكانية للمسؤولين للتعبير عن موقفهم وتقديم كل الشروحات والبيانات بخصوص الأفعال التي يتحملون مسؤوليتها والظروف التي يشتغلون فيها والوسائل الموضوعة رهن إشارتهم لإنجاز مهامهم وغير هذا من المعلومات.
وحينما تؤدي الرصد إلى إنتاج مرسوم عقابي فلابد أن يكون معللا وموضحا لجانب التقصير أو الإخلال أو الاحتيال الذي يرتب المسؤولية ويوجب العقوبة أو التأديب، وباعتبار أن موضوع الرصد والمحاسبة يرتبط بتدبير الأمر العام فلابد من تفسير عوامل الرصد ونتائجها وحيثيات الأحكام المتخذة بخصوصها للرأي العام.



والأمم التي تتحسن وتتقدم هي التي تحرص قبل الوصول إلى إعمال الرصد والمحاسبة على الوقاية من الفساد والانحراف وهذا بوضع وتبجيل مقاييس موضوعية يحددها التشريع واشتمل تكافؤ الفرص وتكون الجدارة هي وحدها عنصر الترجيح في تكليف المسؤولين وإسناد المناصب، ولا يبق الميدان مفتوحا للمحسوبية والزبونية التي تؤدي إلى تسرب عدد من الفاشلين والفاسدين لمواقع المسؤولية الأمر الذي يؤدي للاختلال وإهدار ونهب المال العام وتعطيل وتعثر السير العادي للمرافق العمومية.
لقد أجدد القانون الأساسي الحديث مبدءا هاما في خطة الأمر العام، وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة خصوصا في ميدان خطة الأمر المالي من طرف الأفراد والمؤسسات والهيآت التي أسندت لها القيام بتلك المهمات.

وفي ذلك التوجه فقد عطاء القانون الأساسي الحديث للمجلس الأعلى للحسابات اختصاصات حديثة لم تكن متضمنة في وجود القانون الأساسي الفائت من قبيل؛ تقدير وحماية مبادئ وقيم الحكامة الرشيدة والشفافية والمساءلة، رصد وتتبع الإشعار بالممتلكات وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص النفقات المرتبطة بالعمليات الانتخابية، معاونة مجلس النواب في الميادين المرتبطة برصد المالية العامة،الإجابة عن الأسئلة والاستشارات المتعلقة بمهام مجلس النواب في القانون والمراقبة والتقدير المرتبط بالمالية العامة، تقديم المعاونة للهيآت القضائية من أجل تحريك الاستكمال القضائية،أصدر التقارير المخصصة والمقررات القضائية ويرفع تقريرا مرة واحدة فى السنة يحتوي إخطارا عن جميع أعماله، ويوجهه كذلك إلى رئيس السلطات وإلى أساسي مجلسي المجلس المنتخب وينشر بالجريدة الحكومية.كما يقدم الرئيس الأولى للمجلس عرضا عن أفعال المجلس الأعلى للحسابات في مواجهة المجلس المنتخب يكون متبوعا بمناقشته.

 كما أن القانون الأساسي الحديث كرس الاختصاص العقابي للمجلس الأعلى للحسابات حيث بات بإمكانه أن يعاقب -نحو الاقتضاء- عن كل إخلال بالنُّظُم السارية على العمليات المرتبطة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بموجب التشريع ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها.

ويعتبر اختصاص المعاقبة الذي منحه قانون أساسي 2011 سندا ومرتكزا رئيسيا لتنشيط مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من أجل وضع حاجز لهدر المال العام وإعمال الحكامة الجيدة في الخطة، هذه الحكامة التي لازالت مفقودة في جل تدخلات الأفراد والأجهزة والمؤسسات والهيآت المكلفة بمهام خطة الأمر العام، بالرغم من الإرادة السياسية الجلية لحكومة السيد عبد الإله بنكيران لمقاتلة الفساد وإعمال الرقابة والمحاسبة وربطها بالمسؤولية.

إن تنزيل مقتضيات القانون الأساسي الحديث على أرض الواقع في ميدان الحكامة المالية الجيدة،يقتضى موائمة تشريع المحاكم المالية مع تلك المقتضيات لشرح الرابطة بين المحاكم المالية و الجهاز القضائي المخول له الاستكمال عن كل إخلال بقواعد الخطة و التسيير المالي،خاصة عقب مراقبة المجلس الأعلى للحسابات في تقريره الأخير لخروقات عظيمة من طرف شركات و أجهزة و هيئات في ميدان خطة الثروات العمومية و الذي أعلن عن استمرار نزيف العبث بالمال العام في الوقت الذي تفتقر فيه الجمهورية لمزيد من الثروات لتدبير الخطط والإستراتيجيات الاستثمارية و الاجتماعية كإصلاح حاوية المقاصة و صناديق التقاعد و غيرها.

إن المطلوب في الوقت الحاليّ  من النيابة العامة أن تعمل على تحريك الملفات و مواصلة كل من تبث تورطه في هدر و اختلاس المال العامبتنسيق وتساعد مع المجلس الأعلى للحسابات و تصديق شراكة حقيقية و تنسيق دائم بين الجهاز القضائي و المجلس الأعلى للحسابات، لأنه لا من الممكن أن يتوقف النزيف المالي دون أن تكون هناك مواصلة قضائية حقيقية تمنح المثل لكل من تسول له ذاته العبث بالمال العام، الذي هو ملك للشعب، ومن حقه أن يعلم أوجه صرفه وأساليب تدبيره ،فالدستور الحديث يوفر لرئيس السلطات و الأجهزة المتخصصة  وسائل قانونية مهمة من شأنها - إن تم تفعيلها- أن تشكل نقطة تبدل في ميدان مكافحة الفساد، و ستحسب تلك الخطوة لحكومة السيد عبد الإله بنكيران تفعيلا للإرادة السياسية التي عبر عنها في أكثر من  مناسبة و لا يوجد شك ستلقى تعاطفا من طرف رأي المجتمع الوطني.

لقد ولى عهد التستر والتكتم  على الفضائح المالية التي طبعت الحياة التدبيرية للمال العام،ففي دام الحكومات الفائتة  تواطئت نخبا سياسية مع نخب إدارية تتحمل مسئولية أجهزة الرقابة المالية  للتغطية على مثل تلك الجرائم و الاستمرار في نهب المال العام، وقد كان بالتأكيد الضحية هي الطبقات الفقيرة و المستضعفة و حتى  الطبقة المتوسطة التي أصبحت بدورها تتكبد من الهشاشة والفقر والتهميش والإقصاء نتيجة لـ سوء الخطة والتسيير والإفلات من العقوبة وعدم التفعيل الحقيقي لتقارير وتوصيات الأجهزة التي تتحمل مسئولية حراسة المال العام.فما النفع و الجدوى من تواجد شركات دستورية إن لم يتم الشغل على تنشيط توصياتها والأخذ بعين الإعتبار ملاحظاتها للارتقاء بجودة الخطة والمعاقبة عن كل إخلال و عبث بالمال العام .
 قترن الخطة الترابي وحكامته الجيدة بما يقدمه كل متدخل في الميدان الترابي الذي يعنيه، وما ينتجه في الدهر والمكان الذي يضطلع بـ فيه المسؤوليات المنتدب بخصوصها. وهو ما يتولى قيادة لوسيلة الحكامة الترابية التي تؤكد على تعدد الروابط والتدخلات على صعيد التنسيق أو التنافس بين كل الفاعلين والمتدخلين القادرين على ترتيب سياسات تكون من نتاج المبادرة الترابية دون احتياج للدولة.

ويتبوأ الخطة الترابي ضرورة خصوصا في تقصي الإنماء المتكاملة والمنسجمة على الصعيدين الإقليمي والوطني عبر ما منحه قانون أساسي 2011 وبعده القوانين التنظيمية للجماعات الترابية من اختصاصات للهيئات اللامركزية ومن صلاحيات لأجهزتها التقريرية، خصوصا المجالس المنتخبة. فالتنمية الوطنية الشمولية والدائمة، لن تتحقق سوى بالتدبير الناجع للشأن الترابي عبر تدخلات المجالس المنتخبة طبقا لصلاحياتهم المنصوص عليها في مقال التشريع المنهجي رقم 113.14 المرتبط بالجماعات والقانون المنهجي رقم 112.14 المرتبط بالعمالات والأقاليم ثم التشريع المنهجي رقم 111.14 المرتبط بالجهات[1].

غير أن تلك الإنماء التي تتوخاها الحكومة العمومية وينتظرها المدني، يصعب بلوغها كما يتخلف عن الحضور معناها دون ربط المسؤولية بالمحاسبة في خطة الأمر الترابي وحكامته الجيدة بواسطة تقدير الوقوف بالمرفق العام ومدى تلبية حاجيات المواطنات والمواطنين وتقديم الخدمات وجودتها، ضمانا للرقي ولاستمراره.

إن الحكامة عامة، والترابية على نحو خاص، هي أداة وليست غرض. في المقابل، وبالرغم من تبادل ذلك المفهوم لدى القلة من الفقه الإداري المختص مع تواتر اجتهادات المشرع لصقل توضيح مفهوم واحد وشامل له ولمفهوم الحكامة الترابية، سوى أن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية لم تُفصل فيها بمقدار ما هي تكون قد نسخت لاغير ما ورد في مضامين قانون أساسي 2011. وفي ذلك الصدد، لقد ورد لفظ "الحكامة" سبع مرات لاغير في مقال التشريع المنهجي رقم 111.14 المرتبط بالجهات[2]، حيث شددت مادته الأول أن ذلك التشريع المنهجي يحدد نُظم الحكامة المرتبطة بحسن تنفيذ مبدإ الخطة الحر لشؤون الجهة. بل، ومع البحث عن المفهوم المذكور في القسم الثامن من التشريع المنهجي المومإ إليه، يتبين بأن مقتضياته قد أدرجتها كقواعد عامة للقانون ومتعارف عليها في أدبيات الخطة الإداري والمالي كالمتعلقة منها بالمساواة بين المدنيين في مواجهة المرفق العام واستمرارية تلك المرافق وسيادة التشريع إلى غير هذا من المبادئ العامة المعروفة لدى الفقه الإداري، دون أن تفصل فيها وتحيل على مقال منهجي بخصوصها[3].

إن خطة الأمر الترابي من المجالس المنتخبة استنادا لما تقوم به بغية الوقوف بالمرفق العام وحكامته الجيدة عبر ما ورد من مقتضيات في قانون أساسي 2011 وباقي المقالات القانونية والتنظيمية الأخرى، لن تحدث بمعزل عن المراجعة في خطة أفراد التشريع العام وفي خطة الرابطة الوظيفية بين الجمهورية والجماعات الترابية. ولهذه الغرض، تجدر الدلالة، بأن الأخيرة، أي الجماعات الترابية، لا تتوفر على اختصاص تحديد الاختصاص لأن للدولة اختصاص كل الاختصاص، فآنذاك نتكلم عن السياسة الوطنية، أما التراب فهو مستوى ثاني، وآنذاك نتكلم عن الخطط والإستراتيجيات الترابية[4]. ولأجل حكامة إدارية ومالية، يوجد القانون الأساسي لوحده غير كاف لأن يبدل المجتمع وبنيات الجمهورية[5]، وبذلك تكون المعاينة القائلة بربط المسؤولية بالمحاسبة في خطة الأمر الترابي وحكامته الجيدة، على خلفية وضح وأصل ملحوظ.

إن الحكامة كما سبقت الدلالة لهذا، هي أداة وليست قصد، والدليل على هذا أن قانون أساسي 2011 جاء بعدة تعاريف لها، الأول لصيق بالنظام السياسي (الفصل الأول من القانون الأساسي)[6]، والثاني بالحكامة الترابية، وبالرغم من وجود توضيح مفهوم لها في توثيق اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة[7]، سوى أن مضامين القانون الأساسي المذكور لم تفصل فيها بمقدار ما اعتبرت أن الحكامة الجيدة تقوم على ترتيب المرفق العام على مرجعية المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها مع المشاركة في تخليق الحياة العامة، هذا أن مقتضيات الفصل 167 من القانون الأساسي ذاته قد أردفت توطيد مبادئ الحكامة الجيدة بترسيخ ثقافة المرفق العام مع قيام المواطنة المسؤولة حين حددت مهمات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الإرتشاء ومحاربتها باعتبارها هيئة للحكامة الجيدة والتقنين.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة في خطة الأمر الترابي وحكامته الجيدة وحيث كانت تهم بالأساس المجالس المنتخبة ورؤسائها ما دام أن الهيئات التقريرية للجماعات الترابية هي الموكول لها أمر ومهام الوقوف بالمرفق العام وتقديم الخدمات وتلبية حاجيات المواطنات والمواطنين، فهي بهذا قد تقودنا إلى التعمق في مساطر التأديب وما تزخر به مضامين القوانين التنظيمية المذكورة في ذلك الباب. فنص التشريع المنهجي رقم 111.14 المرتبط بالجهات كشأن القوانين التنظيمية الأخرى، قد تكفل العديد من مقتضيات جلية فيما يتعلق عزل المرشحين والتصريح ببطلان مداولات مجالس الجماعات الترابية وبإيقاف تطبيقها إلى منحى بقية الأحكام التي قد تشوبها عيوبا قانونية أو مساسا بصراحة التنظيم اللامركزي الترابي[8].

وبذلك أمكن القول بأن ربط المسؤولية بالمحاسبة في خطة الأمر الترابي وحكامته الجيدة تتحقق عن طريق الغوص في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية وباستنباط ما أسندته من صلاحيات للمجالس المنتخبة كمرحلة أولى. ثم تبيان أنواع مسؤوليات المجالس المذكورة عن طريق إبراز كيفيات محاسبتها من المدني ومن أجهزة الرقابة والتفتيش عن خطة الأمر الترابي وحكامته الجيدة كوسيلة في الخطة وليست قصد لتفادي الخلط الحاصل بخصوصها.

وإذا كانت الأخيرة قد أسندت لرئيس كل مجلس، وفق الوضعية، صلاحية اتخاذ إجراءات وقرارات فردية وتنظيمية والمصادقة على العمليات التجارية العمومية ثم مراسيم السلطة التنظيمية تبعا لمداولات المجلس، فضلا على صلاحيات أخرى عينية كإجراءات نزع الملكية مع إحالة التمثيل في مواجهة القضاء لهم كآمرين بالصرف... ففي دلك إشارة مفادها، إن القوانين التنظيمية المذكورة رسخت واحدة من المهمات الكبرى الملقاة على عاتق رؤساء مجالس الهيئات اللامركزية المنتخبة لأجل التأمين القانوني لتدخلهم في الخطة العمومي الترابي، وكذا الحماية عن الجماعات الترابية وصون مصالحها، ثم التقليل من ازدياد القرارات والقرارات القضائية الختامية الصادرة أمامها، والمتمثلة أساسا بمباشرة الحراسة عنها تجنبا للمسؤوليات الناشئة عن هذا. فأي إخلال  أو عدم الإخلاص في ذلك الباب يؤدي بالنتيجة لتحريك المساطر التأديبية في حقهم.

وحيث إن إدراج مقتضيات قانونية للتأديب في صلب القوانين التنظيمية ليبين كمية المسؤوليات الملقاة على عاتق الجميع لأجل حماية وحفظ مصداقية التنظيم اللامركزي الترابي وصيانته. لهذا كانت مساطر التأديب الواردة في ذلك الباب من المتطلبات التي هي في عوز ماسة للتسليط الضوء عليها ثم المناقشة بخصوصها.

وحيث إن رؤساء المجالس من ناحية ثانية ملزمون باتخاذ جميع الأفعال المقرة للتأمين القانوني لتصرفاتهم فيما يتخذونه من مراسيم إدارية و ممارسات عينية تفاديا لانطواء أفعالهم على الخطأ الجسيم وترتيب المسؤولية ضدهم. وإن أي مغامرة في ذلك الأمر، تؤدي للتصدي لهم بالمساطر المعمول بها قانونيا وخصوصا المادة 67 من التشريع المنهجي رقم 111.14 المرتبط بالجهات والمادة 65 من التشريع المنهجي رقم 112.14 المرتبط بالعمالات والأقاليم والمادة 64 من التشريع المنهجي رقم 113.14 المرتبط بالجماعات، إضافة إلى مقتضيات البند الأولى من الفصل 80 من تشريع الالتزامات والعقود على الرغم من مساطر التأديب المعروفة في تشريع المحاكم المالية (مجالس الحسابات). الأمر الذي يجعل من تلك المعاينة على خلفية.

وحيث تبعا لهذا فإن ارتكاب أي عضو من أعضاء مجلس الجماعة غير رئيسها، أفعالا مخالفة للقوانين والأنظمة الحالي بها الشغل وتضر بأخلاقيات المرفق العام ومصالح الوحدات اللامركزية، يؤدي لقيام الحاكم أو عامل الأيدي العاملة أو الإقليم وفق الوضعية، أو من ينوب عنهم من خلال رئيس المجلس بمراسلة المعني بالأمر للإدلاء بإيضاحات كتابية بخصوص الممارسات المنسوبة إليه داخل أجل حددته القوانين التنظيمية المذكورة، ونفس الشيء ينطبق على رؤساء المجالس إثر ارتكابهم لأفعال مخالفة للقوانين والأنظمة الحالي بها الشغل. لهذا يجوز للوالي أو العامل (باستمرار وفق الوضعية أو من ينوب عنهم)، عقب التوصل بالإيضاحات الكتابية المذكورة أو نحو عدم الإدلاء بها عقب انتهاء الأجل المحدد، إسناد الشأن إلى المحكمة المتخصصة (الإدارية) وهذا لطلب عزل عضو المجلس المعني من المجلس أو عزل الرئيس أو نوابه من عضوية المكتب أو المجلس لتبت المحكمة في المطلب وفق مضمونه؛ أي داخل أجل شهر أو 48 في وضعية توفر عنصر الاستعجال والجدية من سلطة الرصد الإدارية العـارضة المحيلة لهذا في مواجهة القضاء.
لتلك العوامل تم تسليط الضوء على الموضوع، وجدير بالذكر إلى أنه وقبل البت موضوعا من طرف المحكمة، يكون المعني بالأمر في وضعية توقيف عن ممارسة مهامه إلى حين البت في دعوة العزل. ولا تبدل الاستكمال المذكورة دون المتابعات القضائية الأخرى نحو الاقتضاء كالانتصاب بالمطالبة بالحق الساكن والحجز على ممتلكاته استعدادا لإقرار المحكمة الزجرية لأي بدل في ذلك الباب.
المراجع المعتمدة :
[1]  الجريدة الحكومية عدد 6380، بتاريخ 23 يوليوز 2015، ص 6585.
[2]   المواد 1 223 و242 و243 و244 و247 و250 من التشريع المنهجي رقم 111.14 المرتبط بالجهات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 7 يوليوز 2015، الجريدة الحكومية عدد 6380، بتاريخ 23 يوليوز 2015، ص 6585.
[3]   المادة 243 من التشريع المنهجي رقم 113.14 المرتبط بالجهات، نفس المرجع.
[5]  أحمد بوعشيق، التأصيل الدستوري للمرفق العام وحكامته الجيدة، مشاركة في الاجتماع العلمي الأول من سلسلة اللقاءات العلمية بشأن الحكامة المالية والإدارية الممنهج من فريق البحث في "التعمير والبيئة"، السبت 23 ماي 2015 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا –جامعة محمد الخامس بالربط- في الساعة التاسعة (9) صباحا (غير منشورة).
[6]  الفصل الأول من القانون الأساسي المغربي لسنة 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الحكومية عدد 5964 متكرر بتاريخ 1يوليوز 2011، ص 3621.
[7]  توثيق اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة، الكتابين الأول والثاني.
[8] أُسْنِدَ اختصاص عزل المرشحين والتصريح ببطلان مداولات مجالس الجماعات الترابية وبإيقاف تطبيقها إلى منحى بقية الأحكام التي قد تشوبها خلل ونقائص قانونية، ثم حل المجلس، للقضاء وحده. لهذا فإثارة الحيطة لمسألة التأديب في القوانين التنظيمية رقم 111.12 المرتبط بالجهات و112.14 المرتبط بالعمالات والأقاليم و113.14 المرتبط بالجماعات، هي أساس ما ألزام به المشرع المنهجي رؤساء المجالس الجماعية بالتطبيق القانوني الصحيح للصلاحيات الموكولة لهم، كنتيجة لحجم الأدوار والمسؤوليات الموكولة لهم عن طريق مضامين القوانين التنظيمية المذكورة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire