االقوانين المشرعة : ﻣﻠﺨﺼﺎﺕ ﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ - heandshehealth

jeudi 26 septembre 2019

االقوانين المشرعة : ﻣﻠﺨﺼﺎﺕ ﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ


ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ . ﺇﻥ ﻛﻞ ﺟﻬﺎﺯ ﻳﻤﺘﻠﻚ ﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻭﻓﻲ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﺎ . ﺇﻥ ﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺗﺘﻮﻓﺮ ﻋﻠﻰ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺿﻐﻂ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﻋﻨﺪ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺳﻠﻄﺎﺗﻬﺎ.
ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﻴﺎﺭ ﺍﻷﺳﺎﺳﻲ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻮﺯﺭﺍﺀ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺣﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻱ، ﻓﺈﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻳﺴﺘﻠﺰﻡ ﺗﻮﻓﺮ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺍﻟﺘﺎﻟﻴﺔ :
· ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻱ؛
· ﺗﻘﻠﺺ ﺳﻠﻄﺔ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ؛
· ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ؛
· ﺣﻖ ﺣﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ .
ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺮﻓﺘﻪ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ‏( ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ، ﻓﺮﻧﺴﺎ، ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ ‏) ﻗﺪ ﺍﻧﺘﻘﻞ ﺇﻟﻰ ﻋﺪﺓ ﺩﻭﻝ ﺇﻓﺮﻳﻘﻴﺔ ﻭﺁﺳﻴﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﺳﺘﻘﻼﻟﻬﺎ ‏( ﺍﻟﻬﻨﺪ، ﺑﺎﻛﺴﺘﺎﻥ، ﺍﻟﺴﻨﻐﺎﻝ، … ‏) .
ﻭﺳﻨﻌﺎﻟﺞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ‏( ﺃﻭﻻ ‏) ﺛﻢ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ‏( ﺛﺎﻧﻴﺎ ‏) ﺛﻢ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ‏( ﺛﺎﻟﺜﺎ ‏) .

ﺃﻭﻻ : ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ
ﺗﻘﻮﻡ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﺍﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻱ : ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ‏( ﺃ ‏) ﺛﻢ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ‏( ﺏ ‏) .

ﺃ – ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ
ﻳﺘﺴﻊ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻣﻠﻜﻴﺔ ﺃﻭ ﺟﻤﻬﻮﺭﻳﺔ ﺃﻭ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ . ﻭﺭﻏﻢ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﻃﺮﻕ ﺗﻌﻴﻴﻨﻪ ﻓﺈﻥ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺆﻭﻝ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ .
ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤﻠﻜﻲ ﻳﺘﻮﻟﻰ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﻮﺭﺍﺛﺔ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻠﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺃﻱ ﺩﻭﺭ ﻓﻲ ﺗﻌﻴﻴﻨﻪ . ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻱ ﻓﺈﻥ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻳﻨﺘﺨﺐ ﻋﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ، ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﻳﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻣﺠﻠﺲ ﻭﺍﺣﺪ ﺃﻭ ﻛﺎﻥ ﻣﻜﻮﻧﺎ ﻣﻦ ﻣﺠﻠﺴﻴﻦ . ﻭﻗﺪ ﺗﺘﺒﻊ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻣﺴﻄﺮﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻧﺘﺨﺎﺏ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﺧﺘﺼﺎﺹ ﻫﻴﺄﺓ ﺗﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ ﻧﻮﺍﺏ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﻭﻣﻤﺜﻠﻲ ﻗﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺒﺎﺋﻞ .
ﻭﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺍﻻﻧﺘﺨﺎﺏ ﻓﺈﻥ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻀﻌﻒ ﻣﻦ ﻣﺮﻛﺰ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻷﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﺧﺎﺿﻊ ﻟﻠﻬﻴﺄﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﺘﺨﺒﺘﻪ ﺇﺫ ﻳﻌﺪ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺆﻭﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻋﺰﻟﻪ ﺇﻻ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺨﻴﺎﻧﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﺃﻭ ﺧﺮﻕ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ، ﻭﺑﻤﺴﻄﺮﺓ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻭﻣﻌﻘﺪﺓ . ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻳﺔ ﻣﺴﺆﻭﻝ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻨﺢ ﻭﺍﻟﺠﻨﺎﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﺘﺮﻓﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﻣﻌﻔﻰ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻭ ﺟﻨﺎﺋﻴﺔ .

ﺏ – ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ
ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺭﺋﻴﺴﻬﺎ، ﺍﻟﺮﺃﺱ ﺍﻵﺧﺮ ﻟﻠﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻱ . ﻭﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﺘﻤﺘﻊ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻛﻬﻴﺄﺓ ﻭﺯﺍﺭﻳﺔ ﺑﺜﻘﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﻓﻘﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻟﻠﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﺛﻢ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻮﺍﺏ . ﺇﻥ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻳﻌﻴﻦ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﻓﻘﻂ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﺘﺎﺭ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﻳﻌﺮﺿﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ . ﻭﺗﺨﺘﻠﻒ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﻧﻈﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ، ﻓﻘﺪ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﻘﺒﻮﻝ ﺿﻤﻨﻲ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ‏( 1 ‏) ﺃﻭ ﻗﺪ ﺗﺘﺒﻊ ﺇﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻟﺘﻨﺼﻴﺐ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ‏( 2 ‏) .

.1 ﺍﻟﻘﺒﻮﻝ ﺍﻟﻀﻤﻨﻲ :
ﺗﺴﺘﻤﺪ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻣﻦ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺗﺼﻮﻳﺖ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ . ﺇﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻘﺒﻮﻝ ﺿﻤﻨﻲ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ، ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻛﻞ ﺗﺼﻮﻳﺖ ﺑﺎﻟﺮﻓﺾ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻪ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﻘﺎﻟﺔ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ . ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﺴﻠﻄﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻓﻲ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ، ﻛﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﺇﻟﻰ ﻏﺎﻳﺔ 1992 ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻥ ﻟﻠﻤﻠﻚ ﺣﻖ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ ﻭﺇﻗﺎﻟﺘﻬﻢ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺗﺼﻮﻳﺖ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺍﻓﻘﺔ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ .
ﻭﻓﻲ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻱ ﺍﻟﻤﺰﺩﻭﺝ ﻻﺑﺪ ﻟﻠﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻭﺛﻘﺔ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ . ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺮﺃﺱ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻻ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﺇﻻ ﺷﻜﻠﻴﺎ ﻓﻲ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻷﻥ ﻗﺮﺍﺭ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺣﺪﻩ ﻛﺎﻑ ﻟﺘﺸﻜﻴﻠﻬﺎ .
ﻭﻳﻠﻌﺐ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺤﺰﺑﻲ ﺩﻭﺭﺍ ﻣﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﺠﺎﻝ ﺣﺮﻳﺔ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ . ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﺗﺘﻮﺳﻊ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻌﺪﺩﻳﺔ ﺍﻟﺤﺰﺑﻴﺔ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺘﻘﻠﺺ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻜﺮﻳﺴﺎ ﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻧﺘﺨﺎﺑﻲ .

.2 ﺍﻟﺘﻨﺼﻴﺐ :
ﺇﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﻳﻀﻤﻦ ﺗﻔﻮﻕ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺑﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﻓﻘﺔ ﺑﺎﻟﺘﺼﻮﻳﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ . ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺭﻓﺾ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻟﻠﺘﻌﻴﻴﻦ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻋﻦ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ . ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻄﺒﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﺍﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ﺩﺳﺘﻮﺭ .1992
ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺗﺴﺘﻤﺪ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﻣﻦ ﺗﻨﺼﻴﺒﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ .
ﻭﺗُﺴﻨَﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻧﻄﺎﻕ ﻣﻬﺎﻡ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ‏( ﻷﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺆﻭﻝ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ‏) ، ﻷﻧﻬﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﻤﻞ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ .

ﺛﺎﻧﻴﺎ : ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ
ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ . ﻭﻫﻮ ﻳﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻏﺮﻓﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻭ ﻏﺮﻓﺘﻴﻦ ﺣﺴﺐ ﻇﺮﻭﻑ ﻛﻞ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪﺍﻥ :
· ﻓﺒﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺗﻌﺮﻑ ﻭﺟﻮﺩ ﻏﺮﻓﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻛﻨﺘﻴﺠﺔ ﻟﺘﺮﻛﻴﺒﻬﺎ ﺍﻟﻔﻴﺪﺭﺍﻟﻲ، ﺇﺫ ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻭﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩ،
· ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺩﻭﻝ ﺃﺧﺮﻯ ﺗﻬﺪﻑ ﻣﻦ ﺗﺄﺳﻴﺲ ﻏﺮﻓﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﺗﻮﺟﻴﻪ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺔ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﺍﻟﻤﻨﺘﺨﺐ ﺑﺨﻠﻖ ﻏﺮﻓﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﻨﺘﺨَﺒﺔ .
· ﺃﻣﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻷﺧﺮﻯ، ﻓﺘﻌﺘﻤﺪ ﻏﺮﻓﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺗﻤﺜﻴﻞ ﻧﺨﺒﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻣﻜﻮﻧﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺃﻭ ﻣﻤﺜﻠﻲ ﺍﻟﻐﺮﻑ ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺲ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ . ﻓﺎﻷﺭﺩﻥ ﻳﻌﺮﻑ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﻨﻮﺍﺏ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺃﻭ ﻣﻤﺜﻠﻲ ﺍﻟﻐﺮﻑ ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺲ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ .· ﻭﺗﺬﻫﺐ ﺩﺳﺎﺗﻴﺮ ﺩﻭﻝ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﺍﺗﺠﺎﻩ ﺗﺄﺳﻴﺲ ﻏﺮﻓﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﺗﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﻣﻨﺘﺨﺒﻴﻦ ﻭﺃﻋﻀﺎﺀ ﻣﻌﻴﻨﻴﻦ ﺑﻨﺴﺐ ﻣﺘﻔﺎﻭﺗﺔ،· ﻭﺗﻜﺘﻔﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﺑﺎﻋﺘﻤﺎﺩ ﺑﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﻏﺮﻓﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ .
ﺇﻥ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺑﻴﻦ ﺑﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻏﺮﻓﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻭ ﻏﺮﻓﺘﻴﻦ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﻭﺃﻫﺪﺍﻑ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ، ﺃﻫﻤﻬﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺗﻀﻤﻦ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﻣﻊ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﻤﻨﺘﺨَﺒَﺔ ﺑﺎﻻﻗﺘﺮﺍﻉ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺩﻋﻢ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻲ . ﻭﺗﺘﺸﺒﺚ ﺩﻭﻝ ﺃﺧﺮﻯ ﺑﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻨﻈﺮﻳﻦ ﻳﻌﺘﺒﺮﻭﻥ ﺃﻥ ﺍﻻﺯﺩﻭﺍﺟﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﻘﺎﺑﻠﻬﺎ ﺍﺯﺩﻭﺍﺟﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻟﺘﻔﺎﺩﻱ ﺍﺣﺘﻤﺎﻝ ﺩﻛﺘﺎﺗﻮﺭﻳﺔ ﺑﺮﻟﻤﺎﻥ ﻗﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﺿﻌﻴﻔﺔ .
ﻭﻗﺪ ﻋﺮﻑ ﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﺗﻄﻮﺭﺍ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺇﺫ ﻋﺮﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﺑﺮﻟﻤﺎﻧﺎ ﻣﻜﻮﻧﺎ ﻣﻦ ﻣﺠﻠﺴﻴﻦ ‏( 1962 ‏) ، ﺛﻢ ﺇﺩﻣﺎﺟﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺲ ﻭﺍﺣﺪ ‏( 1970 ،1972 ، 1992) ، ﺍﺮﻴﺧﺃﻭ ﺖﻤﺗ ﺓﺩﻮﻌﻟﺍ ﻰﻟﺇ ﻡﺎﻈﻧ ﻦﻴﺴﻠﺠﻤﻟﺍ (1996).
ﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺕ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻲ . ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻼﺣﻆ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺃﺧﺬ ﻳﺘﻘﻠﺺ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﺤﺪﺩ ‏( ﺑﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻟﺴﻨﺔ 1958 ‏) .
ﻭﻗﺪ ﺗﻌﻤﺪ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺢ ﺍﻟﻐﺮﻓﺘﻴﻦ ﺍﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺕ ﻣﺘﺴﺎﻭﻳﺔ، ﺃﻭ ﻗﺪ ﺗﻌﻄﻲ ﻹﺣﺪﺍﻫﻤﺎ ﺍﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺕ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﺮﻯ .

ﺛﺎﻟﺜﺎ : ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ
ﺗﻘﻮﻡ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ‏( ﺃ ‏) ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ‏( ﺏ ‏) .

ﺃ . ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ
ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻱ ﻭﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﻳﻤﺎﺭﺳﺎﻥ ﻣﻬﺎﻣﻬﻤﺎ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ، ﻓﺈﻥ ﻛﻼ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻳﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﻭﻇﺎﺋﻒ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻵﺧﺮ.
· ﻓﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﺗﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ، ﻭﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺗﻌﻄﻰ ﺍﻷﺳﺒﻘﻴﺔ ﻟﻤﺸﺎﺭﻳﻌﻬﺎ، ﻭﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺣﻖ ﻃﻠﺐ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺳﻠﻄﺔ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ …·
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻓﺘﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺇﻗﺮﺍﺭ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ، ﻭﺍﻟﻤﺼﺎﺩﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﻫﺪﺍﺕ، ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻲ ﺑﻮﺳﺎﺋﻞ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻛﺎﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺸﻔﻮﻳﺔ، ﻭﺍﻻﺳﺘﺠﻮﺍﺑﺎﺕ، ﻭﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻘﺎﺕ …

ﺏ . ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ
ﻳﺘﺤﻘﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻀﻐﻂ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻟﺔ : ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ‏( 1 ‏) ﻭﺣﻖ ﺍﻟﺤﻞ ‏( 2 ‏) .

1 ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ
ﻳﻘﺼﺪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺑﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻤﺎﺭﺱ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ . ﺇﻥ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺭﻫﻴﻨﺔ ﺑﺎﻛﺘﺴﺎﺏ ﺛﻘﺔ ﺍﻷﻏﻠﺒﻴﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻭﻛﻞ ﺳﺤﺐ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻨﻪ ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ . ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ﺃﻥ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ ﺑﺜﻘﺔ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻌﺪﺩ ﻗﻠﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻭﻝ .
ﻭﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻲ . ﻭﻫﻲ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﻛﻤﺎ ﺭﺃﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ ﺑﻌﻤﻞ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ ﻻ ﺑﻌﻤﻞ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ . ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺇﻣﺎ ﻓﺮﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﻟﻮ ﺃﻧﻪ ﻋﺎﺩﺓ ﻣﺎ ﻳﻄﺒﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﺍﻟﻮﺯﺍﺭﻱ .

ﻭﺗﻤﺎﺭَﺱ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺑﻤﺴﻄﺮﺗﻴﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﺘﻴﻦ ﺣﺴﺐ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺨﺬ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺓ :
· ﻃﺮﺡ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﺇﺫﺍ ﺗﻢ ﺫﻟﻚ ﺑﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺣﻜﻮﻣﻴﺔ .
· ﻣﻠﺘﻤﺲ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺇﺫﺍ ﺗﻢ ﺫﻟﻚ ﺑﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺑﺮﻟﻤﺎﻧﻴﺔ
ﻭﻧﻈﺮﺍ ﻟﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺸﻜﻠﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﻣﻦ ﺧﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻲ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﻳﻔﺘﺮﺽ ﻭﺟﻮﺩ ﺃﻏﻠﺒﻴﺔ ﻣﺘﻤﺎﺳﻜﺔ، ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺘﻮﻓﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻌﺪﺩﻳﺔ ﺍﻟﺤﺰﺑﻴﺔ . ﻭﻗﺪ ﻋﻤﻠﺖ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺑﺒﻌﺾ ﺍﻟﺼﺮﺍﻣﺔ .
ﻓﺎﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻠﺰﻣﺔ ﺑﺘﻘﺪﻳﻢ ﺍﺳﺘﻘﺎﻟﺘﻬﺎ ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﻃﺮﺡ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﺃﻭ ﺑﻌﺪ ﺗﺼﻮﻳﺖ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻠﺘﻤﺲ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺗﻔﺎﺩﻳﺎ ﻹﺛﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻮﺯﺍﺭﻳﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﻔﺎﺟﺊ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺃﺟﻞ ﻣﻌﻴﻦ ﺑﻴﻦ ﻃﺮﺡ ﺍﻟﻤﻠﺘﻤﺲ ﻭﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺖ ﻋﻠﻴﻪ؛ ﻭﻋﺎﺩﺓ ﻻ ﻳﻘﺒﻞ ﻣﻠﺘﻤﺲ ﺭﻗﺎﺑﺔ ﺛﺎﻧﻲ ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﻣﺪﺓ ﻣﻌﻴﻨﺔ، ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺖ ﺑﻨﺴﺒﺔ ﻫﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ : ﺍﻷﻏﻠﺒﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﺃﻭ ﺛﻠﺜﻲ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ .

2 ﺣﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ
ﻳﻘﺼﺪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﺮﺽ ﺍﻟﺨﻼﻓﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺘﻴﻦ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺧﺒﻴﻦ . ﻭﻳﻌﺮﻑ ﺍﻟﺤﻞ ﺑﺄﻧﻪ ﻗﺮﺍﺭ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﻮﺿﻊ ﺣﺪ ﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻟﻤﻬﺎﻣﻪ ﻗﺒﻞ ﺍﻧﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﺓ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻟﻮﻻﻳﺘﻪ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ .
ﻭﺗﻌﺘﺒﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺗﺤﺮﻳﻔﺎ ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻄﺒﻖ ﻓﻲ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ ﻣﻬﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ، ﺣﻴﺚ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻳﻤﻠﻜﻪ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ.
ﺇﻥ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﺗﺨﻮﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ‏( ﺭﺋﻴﺴﺎ ﺃﻭ ﻣﻠﻜﺎ ‏) ﻟﻴﻤﺎﺭﺳﻪ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺳﻠﻄﺘﻪ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮﻳﺔ، ﺃﻭ ﻭﻓﻖ ﺷﺮﻭﻁ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻟﻠﺤﺪ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻟﻴﺘﻪ : ﻛﺤﺎﻟﺔ ﺣﺼﺮ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﻌﺪ ﻭﻗﻮﻉ ﺃﺯﻣﺎﺕ ﻭﺯﺍﺭﻳﺔ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ، ﺃﻭ ﻗﺪ ﻳﻤﻨﻊ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺧﻼﻝ ﺃﺟﻞ ﻣﺤﺪﺩ .
ﺃﻣﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻨﺖ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺤﻞ ﻗﺪ ﻳﺸﻤﻞ ﻣﺠﻠﺴﻲ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ، ﺃﻭ ﻗﺪ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﺍﻟﻤﻤﺜﻞ ﻟﻠﺴﻜﺎﻥ ﻟﻮﺣﺪﻩ .

ﺍﻟﻔﺮﻉ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ : ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﻲ
ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﻲ ﻓﻲ ﺷﻜﻠﻪ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻛﻤﺎ ﺗﻢ ﺗﻄﺒﻴﻘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺑﺎﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﻣﻊ ﻗﻴﺎﻡ ﺗﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ .

ﺃﻭﻻ : ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ
ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﺑﺄﻛﻤﻠﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻤﻴﺔ . ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻴﺮ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻷﻋﻠﻰ ﻟﻠﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ، ﻛﻤﺎ ﻳﻮﺟﻪ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﻭﻳﻌﻴﻦ ﻛﺒﺎﺭ ﺍﻟﻤﻮﻇﻔﻴﻦ . ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﺸﻴﻮﺥ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻣﺴﻄﺮﺓ ﺍﻟﺘﻌﻴﻴﻦ ﻓﺈﻥ ﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﻄﺒﻖ ﻓﻲ ﺩﻭﻝ ﺃﺧﺮﻯ ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ .
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﺇﻣﺎ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺨﻄﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻮﺟﻬﻬﺎ ﻟﻠﺒﺮﻟﻤﺎﻥ، ﻭﺇﻣﺎ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﻣﺸﺎﺭﻳﻊ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺣﺰﺑﻪ .
ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺳﻠﻄﺔ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺗﺘﺴﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺣﻒ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ، ﻭﺫﻟﻚ ﻗﺒﻞ ﺇﺻﺪﺍﺭﻫﺎ، ﺑﺸﻜﻞ ﻻ ﻳُﻤَﻜﻦ ﻣﻦ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻨﺺ ﺇﻻ ﺑﻤﻮﺍﻓﻘﺔ ﺃﻏﻠﺒﻴﺔ ﺍﻟﺜﻠﺜﻴﻦ . ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺺ ﻛﻠﻪ ﻗﺒﻮﻻ ﺃﻭ ﺭﻓﻀﺎ، ﻓﺈﻥ ﺩﺳﺎﺗﻴﺮ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﻣﺜﻼ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﺻﻴﻐﺔ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﺍﻟﺠﺰﺋﻲ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻔﺼﻮﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺺ ﺩﻭﻥ ﻓﺼﻮﻝ ﺃﺧﺮﻯ .
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺀ، ﻓﺈﻥ ﺳﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺗﺘﻌﺰﺯ، ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻣﺴﻄﺮﺓ ﺇﻋﻼﻧﻬﺎ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻣﻦ ﺩﻭﻟﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﺧﺮﻯ .

ﺛﺎﻧﻴﺎ : ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ
ﻟﻘﺪ ﺗﺒﻨﺖ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﺯﺩﻭﺍﺟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ . ﻭﻳﻌﻮﺩ ﺫﻟﻚ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻔﺪﺭﺍﻟﻴﺔ، ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺗﻤﺜﻴﻞ ﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺲ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﻬﻴﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﺔ . ﻭﻗﺪ ﺃﺣﺪﺛﺖ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ ﻟﺠﻨﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻣﻨﺒﺜﻘﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﻬﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﺍﻟﻔﺎﺻﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻭﺭﺍﺕ .
ﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺕ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻄﺘﻪ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﻤﻴﺰﺍﻧﻴﺔ، ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﺑﺄﻛﻤﻠﻬﺎ، ﻟﻜﻦ ﻣﻊ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﻔﻮﻳﺾ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻟﻔﺎﺋﺪﺓ ﺳﻠﻄﺔ ﺃﺧﺮﻯ .
ﺛﺎﻟﺜﺎ : ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ
ﻳﻤﻠﻚ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ تطبق ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺴﻄﺮﺓ ﺍﻻﺗﻬﺎﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺇﻗﺎﻟﺘﻪ .
ﻭﺧﺎﺭﺝ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺆﻭﻝ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ، ﻭﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﻳﻤﺘﻠﻚ ﺣﻖ ﺣﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ..
الباب الأول: القسم النظري
        القسم الأول: مفهوم الدول النامية
        القسم الثاني: النظام السياسي الغربي والنظام السياسي الاشتراكي

                    الفصل الأول: النظام السياسي في المجتمعات الغربية

                    الفصل الثاني: النظام السياسي في المجتمعات الاشتراكية

الباب الثاني: القسم التطبيقي
       القسم الأول: مرحلة ما قبل منتصف الثمانينات
                    الفصل الأول: الخصائص العامة للحياة السياسية

                                المبحث الأول: أسباب فشل نقل التجارب الدولية

                                المبحث الثاني: خصائص الحياة السياسية

                    الفصل الثاني: تطبيقات الأنظمة السياسية

                                المبحث الأول: الإطار الدستوري

                                             أولا: دساتير مقتبسة أو منقولة

                                             ثانيا: مراحل تكون الحركة الدستورية

                                المبحث الثاني: الأنظمة السياسية

                                             المطلب الأول: الأنظمة الديمقراطية (النظام البرلماني، النظام الرئاسي)

                                            المطلب الثاني: الأنظمة الدكتاتورية (الدكتاتورية العسكرية، الحزبية، الفردية، نظام الهيمنة الرئاسية)

       القسم الثاني: مرحلة ما بعد منتصف الثمانينات

                                المبحث الأول: أسباب الأخذ بالنظام الديمقراطي أو العودة إليه
                                المبحث الثاني: أشكال اعتماد الديمقراطية

دراسة النماذج
                                المبحث الأول: التجربة المغربية (مرحلة ما قبل الحماية، مرحلة الحماية، مرحلة ما بعد الاستقلال)

                                المبحث الثاني: التجربة الجزائرية (مرحة ما قبل أحداث أكتوبر 1988، مرحة ما بعد أحداث أكتوبر 1988)

                                المبحث الثالث: التجربة الموريتانية (النظام السياسي قبل سنة 78، المرحلة العسكرية 78- 84 ، من 84 إلى الآن)

                                نموذج ناجح من التجارب  البرلمانية : الهند

                                نموذج عن نظام الحزب المسيطر : حالة المكسيك







تقديـم
إن دراسة الأنظمة السياسية للبلدان النامية، تقتضي أن نحدد في البداية مفهوم النظام السياسي. إنه يعني مجموع المؤسسات السياسية التي تتقاسم مسؤولية التقرير والحكم في المجتمع السياسي أو التأثير عليه.

والمؤسسات السياسية تشمل بصفة عامة كل مل يؤسسه المجتمع من أجهزة وتنظيمات في المجال السياسي. أي الأجهزة التي لا تمارس السلطة فقط (رئاسة الدولة، الحكومة، البرلمان...) أو تلك التي ينص عليها الدستور (الانتخابات، المجلس الدستوري...)، بل أيضا تلك التي تؤثر فيها (الأحزاب السياسية، الجماعات الضاغطة...).

وبناء على مزاولة مؤسسات الحكم للسلطة، يوصف النظام بالرئاسي إذا كانت المسؤولية بين يدي شخص واحد غير مسؤول أمام نواب الشعب (كالنظام الرئاسي الأمريكي)، أو يوصف بالنظام البرلماني إذا كانت الحكومة غير مسؤولة أمام المجلس التشريعي (كالنظام البريطاني)، أو النظام المجلسي إذا كانت المسؤولية بيد هيأة عليا (النظام السويسري)، أو نظام الحزب الوحيد (كالنظام السوفييتي).

وتبعا لذلك، فإن الدراسة الموضوعية للنظام السياسي تستوجب دراسة جميع هذه المؤسسات السياسية، ليس فقط من أجل معرفتها في حد ذاتها، ولكن أيضا لمعرفة علاقاتها بمختلف عناصر النظام الاجتماعي : العوامل الاقتصادية و الثقافية و الإيديولوجية و التقنية    والتاريخية...

وتكتسي دراسة الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث ميزة خاصة تتمثل في أن هذه الأنظمة نشأت و تطورت في بيئة تختلف جذريا عن البيئة التي ظهرت فيها.

وإذا كنا سنحلل بعض الأنظمة السياسية من الدول النامية (القسم التطبيقي)، فإننا سنحلل في البداية بعض المفاهيم والمبادئ العامة التي لها علاقة بمفهوم الدول النامية وبالنظام السياسي الغربي    والاشتراكي (القسم النظري).

الباب الأول: القسم النظري

سنحلل في هذا الباب الأول مفهوم الدول النامية (القسم الأول)، ثم النظام السياسي في المجتمعات الرأسمالية والنظام السياسي في المجتمعات الاشتراكية (القسم الثاني).

القسم الأول: مفهوم الدول النامية

 سنتجاوز في البداية مشكل المصطلحات المستعملة للدلالة على البلدان النامية : العالم الثالث، الدول المتخلفة، الدول السائرة في طريق النمو، الدول السائرة في طريق التخلف...

وسنركز هنا بإيجاز شديد على مفهوم العالم الثالث، ونظريات تفسير التخلف.

المبحث الأول : مفهوم العالم الثالث
إن هذا المفهوم لا يعني في البداية ثلث العالم، لأن كل المقاييس المستعملة لا يمكن أن تؤدي إلى تطابق العالم الثالث مع ثلث العالم.

كذلك هناك صعوبة في جعل مفهوم العالم الثالث متطابقا مع القارات الثلاثة : أمريكا اللاتينية، آسيا (مثلا حالة اليابان).

لذا يبقى علينا أن نستعمل محددات أخرى (متفاوتة الأهمية) للإحاطة بهذا المفهوم :

-     التحديد الجغرافي : ويقصد به انتشار جغرافي معين، لكن غير محدد بدقة. فهو قبل المرحلة الاستعمارية كل ما ليس بأوربا، لكن خلال هذه المرحلة انفصلت مجموعة من الأقاليم من "العالم الثالث" وأصبحت تنتمي إلى أوربا (مثلا الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا...). أما بعد زوال الاستعمار فقد أصبح هذا المجال يشمل مجموع الأراضي، الواقعة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، حيث تشكل الشعوب غير الأوربية غالبية السكان.

ويمكن أن نشير هنا أيضا إلى لتحديد المناخي الذي يربط بين دول العالم الثالث والمناخ الاستوائي والمداري الغالب في معظم المساحات من هذا المجال الجغرافي.

-     التحديد البشري : يجد العالم الثالث هويته من  هذه الزاوية في التنوع القومي. فالعالم الثالث هو كل مكان لا تشكل فيه الشعوب الأوربية أغلبية السكان.

-     التحديد التاريخي : ويلاحظ هنا أن مركز الحضارات القديمة (المصرية، السومرية، الصينية، الهندية...) والإمبراطوريات الأولى قد تشكلت في مجالات جغرافية تنتمي اليوم إلى العالم الثالث.

-     التحديد السياسي : وهو التحديد الذي يطبق بين العالم الثالث وبين "الطبقة الثالثة" في التاريخ الفرنسي. فالعالم الثالث في مواجهة الدول المتقدمة بنفس الدور الذي قامت به البورجوازية تجاه طبقتي النبلاء والكهنوت.

-     التحديد الاقتصادي : ويتعلق الأمر هنا بتحديد يتوخى الدقة : دول العالم الثالث هي دول متخلفة أم دول سائرة في طريق النمو أم دول نامية ؟

المبحث الثاني : نظريات تفسير التخلف
1-    النظريات الشائعة

-        هناك أولا النظريات التي بين التخلف والفقر، فيحاول أنصارها الاستدلال على ذلك إما بمجموعة من المؤشرات الجزئية (الصحة، الأمية، التغذية، التزايد السكاني، نسبة الوفيات،...)، وإما عن طريق مؤشر عام (متوسط الدخل الفردي).

-        نظرية روستو: وهي نظرية شاملة تقوم على أساس خمسة مراحل مرت بها، أو لابد أن تمر بها، جميع المجتمعات. وهذه المراحل هي: مرحلة المجتمع التقليدي، مرحلة الظروف السابقة للنمو، مرحلة الإقلاع، مرحلة النضوج، ثم مرحلة الاستهلاك الجماهيري.

-        نظرية التزايد السكاني: تعتبر التخلف ناتج عن هذه الظاهرة الديموغرافية.

-        نظرية حلقات الفقر المفرغة: إن التخلف حسب هذه النظرية ناتج عن حلقة مفرغة تدور فيها الدول المتخلفة نتيجة فقرها. "إن شعوب البلدان السائرة بطريق النمو هي في حالة من الجوع لأنها فقيرة. و لأن الشعب في حالة مريعة من الفقر، فهو لا يستطيع الادخار. ولأنه لا يستطيع الادخار فليس في وسعه أن يوفر الرساميل من أجل توفير الغذاء عن طريق إقامة المؤسسات الزراعية والصناعية... والنتيجة تقود إلى ظهور انخفاض مذهل في الإنتاج و الإنتاجية، و بالتالي صعوبة أكبر في إنشاء المؤسسات من فائض الإنتاج والإنتاجية. ولأنه لا توجد صعوبة في إقامة المؤسسات والمعامل، فإن هذا يؤدي إلى إيجاد أماكن عمل قليلة، ويؤدي بالتالي إلى أن يكون المجموع الإجمالي للأجور أقل، لقلة عدد العاملين. و لأن الأجور أقل فإن الضرائب التي تجنيها الدولة بنتيجة ما يفرض على الأجور من رسوم وخصومات هو أقل أيضا. ولأن الضرائب أقل فإن ما يوجد في خزانة الدولة من أموال سيكون أقل و لن تكون وافرة بما فيه الكفاية... ولن تستطيع الدولة تأمين الغذاء والصحة والتربية والسكن والتأهيل، ومن لا يستطيع الحصول على التأهيل لا يستطيع العمل، أي لا يحصل على أجر، وبالتالي لا يستطيع أن يشتري الغذاء، وسيبقى في حالة فقر وجوع".

-        النظريات السوسيولوجية : أي النظريات التي تفسر التخلف من خلال العوامل الاجتماعية، الدين أو العامل السكاني...

إن هذه النظريات التبسيطية لا يمكن أن تفسر ظاهرة التخلف. فهي أحيانا تحاول وضع دول العالم الثالث في نفس ظروف الدول المتقدمة عند انطلاق التنمية بها، وفي هذا قفز على الواقع لا يأخذ بعين الاعتبار الصدمة الناتجة عن اصطدام دول العالم الثالث في نفس ظروف الدول المتقدمة عند انطلاق التنمية بها، وفي هذا قفز على الواقع لا يأخذ بعين الاعتبار الصدمة الناتجة عن اصطدام دول العالم الثالث بالاستعمار ومسلسل انخراطها في المنظومة العالمية؛ وأحيانا تحاول البحث عن مؤشرات تميز العالم الثالث عن الدول المتقدمة دون أن يكون ذلك صحيحا دائما: إن بريطانيا و ألمانيا قد نمتا بين 1870 و 1910 رغم الارتفاع الشديد في التزايد السكاني (58 في المائة خلال 40 عاما) بينما بقيت الهند متخلفة خلال نفس الفترة رغم أن عدد سكانها لم يرتفع إلا بنسبة 19 في المائة.

أما نظرية الحلقات المفرغة فلا تقدر على تفسير كيف كسرت الدول المتقدمة حاليا هذه الحلقات.

2-    نظرية التراكم على الصعيد العالمي

لقد طور المفكر سمير أمين نظريته حول "نمو التخلف" بناء على أن وجود سوق عالمية  رأسمالية قائمة بشكل يسمح للمركز بأن ينمو ويدفع المحيط إلى المزيد من التخلف. و يرجع هذا إلى عوامل متعددة: التخصص الدولي غير المتكافئ، التبادل غير المتكافئ،...

 هذا وينبغي أن نشير في الأخير إلى بعض المشاكل الأساسية التي يعاني منها العالم الثالث، وهي: النمو السكاني، الأزمة الغذائية، نقل التكنولوجيا، هجرة الكفاءات العلمية، الاستثمارات الأجنبية، المديونية، ومشكل الفساد الإداري الذي سنعالجه لاحقا بشكل مفصل.
القسم الثاني: النظام السياسي الغربي والنظام السياسي الاشتراكي

الفصل الأول : النظام السياسي في المجتمعات الغربية

 سنعالج في هذا المبحث الأفكار الأساسية التي تميز الحضارة الغربية (المبحث الأول)، ثم مفهوم الليبرالية السياسية (المبحث الثاني).

المبحث الأول : الأفكار الأساسية في الحضارة الغربية
تتميز الحضارة الغربية بأفكار تعتبر أساسية وتتمثل فيما يلي:

أولا : الثقة بالفرد

لقد لعبت مختلف المراحل التاريخية دورا في تأكيدها سواء خلال العصور القديمة أو من خلال دور المسيحية، ثم الإقطاع، ثم فلسفة عصر الأنوار.

وقد تمركزت هذه الثقة من خلال مبدأ المساواة والحرية، ومن خلال تطبيقهما في تكافؤ الفرص وشمولية الاقتراع...

ثانيا: الإيمان بفضيلة الحوار

والمتجسد من خلال مستويات متعددة: حوار بين النائب والناخب، حوار بين الأغلبية والأقلية،...

ثالثا: التنظيم العقلاني

ويتمثل في: النظام التمثيلي، رقابة ممثلي الأمة على الحكام، تحديد مدة الانتخاب، إتباع رأي الأغلبية دون التقيد بمبدأ الإجماع.

 رابعا: أنظمة البحث عن التوازن

إن الأنظمة الغربية تتميز بتوازن بين مختلف مكوناتها يظهر في شكل معادلات، وعلى جميع الأصعدة. فهناك :

المعادلات الاجتماعية: والمتمثلة في تطور مختلف أنواع الأنظمة الانتخابية.

المعادلات السياسية: والمتمثلة في وجود أغلبية ومعارضة.

المعدلات المؤسساتية: وتتمثل في وجود سلطة مركزية مقابل سلطة محلية، وداخل السلطة المركزية معادلة بين الحكومة والبرلمان (رغم اختلاف الأسلوب البرلماني عن الأسلوب الرئاسي).

المبحث الثاني: مفهوم الليبرالية السياسية

رغم أن هدف الليبرالية السياسية واضح، فإن أساليبها متنوعة، مما يؤدي إلى صعوبة تحديدها. فالهدف العام لليبرالية السياسية هو الاعتراف للمحكومين بالحريات في أقصى معانيها أي ممارسة الحريات دون ضغوط من الدولة. أما الوسائل فمتعددة، وتتمثل في:

-        منح الحقوق والحريات للأفراد مع ضمانات لصالحهم ضد الدولة.

-        التركيز على إحدى الحريات الرئيسية وهي حق الفرد في إدارة الشؤون العامة بنفسه (أو بواسطة من يختارهم)، أي اعتماد الديمقراطية.

وقد توسعت هذه الفكرة الأخيرة لدرجة أن أصبحت الليبرالية مرادفة لحق التصويت أي للحقوق السياسية. فالديمقراطية بهذا المعنى هي مثال للدولة الليبرالية.

لكن مع ذلك فإن الليبرالية لا تقتصر على الديمقراطية وحدها:

*        فهناك الديمقراطية الليبرالية التي تعتمد رأي الأغلبية الخاضعة لبعض القيود مثل:

-               حقوق وحريات الأفراد.

-               إسناد الحكم السياسي إلى الأغلبية.

-               عدم القضاء على الأقلية أو تصفية المعارضة.

*        وهناك الديمقراطية غير الليبرالية المتمثلة في اعتماد رأي الأغلبية فقط، أي الديمقراطية التي قد تتحول إلى سلطة تعسفية (مثال فرنسا في عهد الجنرال ديغول).

الفصل الثاني: النظام السياسي في المجتمعات الاشتراكية

 سنعالج هذا الموضوع من خلال الأساس الإيديولوجي (المبحث الأول)، ثم من خلال التنظيم السياسي (المبحث الثاني).

المبحث الأول: الأساس الإيديولوجي للمجتمعات الاشتراكية
تعتمد الإيديولوجية على كتابات كارل ماركس وإنجلز ولينين الذين وضعوا تصورا لمجتمع اشتراكي أو شيوعي.

أولا : الأسس الفلسفية
وتتمثل في تفسير مادي شامل للعالم قائم على أن المادة هي الحقيقة الأساسية، أما الفكر والروح فليسا سوى حصيلة ظواهر مادية. إنها المادية التاريخية التي تفسر تطورات المجتمعات الإنسانية عن طريق العناصر المادية.

ثانيا: العقيدة الاجتماعية
وتقوم على أساس أن المجتمع، وبالتالي العلاقات بين البشر، تتحدد بالظروف المادية التي تحيط بالظواهر الفكرية وتؤثر فيها. وفي هذا الإطار تعتبر تقنية الإنتاج العامل الحاسم. وهكذا يتم التمييز بين البنيات التحتية (القوى الاقتصادية وعلاقات الإنتاج والتقنيات...)، والبنيات الفوقية (الأشكال السياسية والأخلاق والقانون والدين والفن...).

كما أن العقيدة الاجتماعية تعتمد التفسير من خلال وجود الطبقات المتمايزة وبالتالي الصراع الطبقي.

ثالثا: العقيدة الاقتصادية
إن قيمة الشيء تقاس بكمية العمل الداخلة فيه. ولذلك تقتطع الرأسمالية من عمل العامل فائض القيمة وتغتصبه، وعلى العمال وعي هذه الحقيقة والتعجيل بسير التاريخ.

رابعا: العقيدة السياسية
-        الدولة: وقد ظهرت مع التقسيم الطبقي ولذلك فهي أداة للتنظيم السياسي للطبقة الحاكمة اقتصاديا. وزوال هذه الدولة مرتبط بتحقيق النظام الاشتراكي.

-        دور البروليتاريا: انقسم أنصار النظرية الاشتراكية بهذا الصدد إلى اتجاهين رئيسيين :

فالاشتراكيون الغربيون تعتمدون الأسلوب التطوري، أي استعمال الديمقراطية للاستيلاء على السلطة وتحقيق الاشتراكية.

أما أنصار المذهب اللينيني فيعتمدون الأسلوب الثوري الذي يعتبر القوة المولد الحقيقي للمجتمعات.

إن الأبعاد النهائية المرتقبة تتلخص في مرحلة أولى تجسد استمرارية الدولة من خلال دكتاتورية البروليتاريا للوصول إلى الاشتراكية الحقة والشيوعية التي ستؤدي إلى زوال الدولة.

المبحث الثاني: النظام السياسي الاشتراكي
إن الغرب يعتبر أن الحياة السياسية في إطار النظام الاشتراكي هي حياة الدولة المركزية الدكتاتورية. أما أنصار هذا النظام فيعتبرونه شكلا جديدا للديمقراطية.

أولا: التأكيد على الديمقراطية
إذ أن أنصار النظام الاشتراكي يعتبرون أن الديمقراطية في النظام الغربي ديمقراطية شكلية نظرا لوجود الصراع الطبقي وبالتالي الحكم البرجوازي.

ثانيا: تقليد المخطط الدستوري الغربي
رغم التناقض في وجهات النظر فإن النظام السياسي الاشتراكي يعتمد صيغة الدستور المكتوب، ومبدأ سمو الدستور، والاقتراع العام المباشر... كما أنه يعتمد مؤسسات تتشابه مع ما هو بالغرب: رئيس الدولة، رئيس الحكومة، الحكومة، البرلمان،...

الباب الثاني: القسم التطبيقي

سنعالج في هذا القسم التطبيقي الأنظمة السياسية لدول العالم الثالث، على أننا سنميز بين مرحلة مل قبل الثمانينيات (القسم الأول) وما بعدها (القسم الثاني)، جاعلين انهيار المعسكر الاشتراكي الحدث الفاصل بين المرحلتين.

القسم الأول: مرحلة ما قبل منتصف الثمانينيات

تمتد هذه المرحلة، بصفة عامة، منذ حصول الدول النامية على الاستقلال إلى غاية صعود غورباتشوف إلى رئاسة الاتحاد السوفيتي. وإذا قلنا بصفة عامة فلأن هذه المرحلة تبدأ بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر، وتبدأ من منتصف القرن العشرين بالنسبة لباقي الدول النامية. كما أن نهاية هذه المرحلة ليست واحدة بالنسبة لكل الدول المعنية.

ومن أجل أخذ فكرة واضحة عن هذه المرحلة، فإننا سنعالج الخصائص العامة للحياة السياسية بهذه الدول (الفصل الأول)، قبل الدراسة التطبيقية لأنظمتها السياسية ( الفصل الثاني).

 الفصل الأول : الخصائص العامة للحياة السياسية

 إذا كانت الحياة السياسية تتميز بتأثير واضح للإرث الاستعماري، فإنه ينبغي أن نبحث في البداية عن الأسباب المختلفة التي تفسر فشل عملية نقل التجارب الدولية السائدة في هذه المرحلة (المبحث الأول). إلا أن هذه التفسيرات تبقى نظرية فقط إذا لم نعالج خصائص هذه الحياة السياسية (المبحث الثاني).

المبحث الأول: أسباب فشل نقل التجارب الدولية

إن ما يميز تجربة دول العالم الثالث هو محاولة الاستفادة من التجارب الدولية القائمة؛ وبالتالي لم يكن أمامها إلا التأقلم مع الإرث الاستعماري ونقل التجارب الغربية للدول الاستعمارية التي تركت بصمات واضحة على الأنظمة السياسية رغم رحيلها، أو اعتماد التجربة النقيض المتمثلة في النظام الاشتراكي. إلا أن عدم اكتمال تأسيس الأمة أثر بشكل جلي على مستقبل هذه التجارب (المطلب الأول).

إضافة إلى ذلك، يعتبر التخلف الاقتصادي ميزة لا يمكن تجاوزها في أي تحليل، إذ أن مظاهر هذا التخلف والجهود اللازمة لإنجاح العملية التنموية تفرض اعتماد أساليب تُدخِل تعديلات جوهرية على النموذج الذي تم اختياره (المطلب الثاني).

المطلب الأول: عدم اكتمال تكوين الأمة

تعتبر بعض الفقهاء أن الدولة ليست إلا نتيجة لتكوين الأمة. ولذلك فإرادة الأمة باعتبارها تجمعا بشريا يرتبط أفراده بروابط مادية (العِرق، اللغة، الدين،...) أو هما معا، تتجسد في شكل سياسي وقانوني واحد. وهذا شرط أساسي لنجاح تأسيس الدولة (التجربة الفرنسية، البريطانية، الألمانية، الإيطالية،...).

وإذا كانت هناك تجارب أخرى بينت العكس، أي أن تأسيس الدولة هو الذي كان السبب في تكوين الأمة، فإن نجاح هذه التجارب كان يستند على وجود عوامل ساعدت على انصهار المجموعة البشرية ودعمت روابطها (التجربة الأمريكية).

أما فيما يخص تجربة العالم الثالث فإنها قد اصطدمت بعراقيل (الفرع الأول) ترتبت عنها نتائج سلبية في جلها (الفرع الثاني).

الفرع الأول : العراقيل
إن دول العالم الثالث بصفة عامة، حصلت على استقلالها وفق سياسة استعمارية اعتمدت التقسيم والبلقنة. وهذا ما جعل تكوين الأمة يصطدم بعراقيل مختلفة، منها ما هو جغرافي (أولا)، ومنها ما هو عرقي أو لغوي (ثانيا)، إضافة إلى استمرارية الهياكل الاجتماعية التقليدية وتعايشها إلى جانب هياكل وقطاعات عصرية (ثالثا).

أولا: العراقيل الجغرافية

إذا كان استمرار الإقليم أو التجاور الجغرافي يساعد على تكوين الأنة، فإن بعض دول العالم الثالث تعاني من بعض هذه المشاكل. فإندونيسيا تتكون من آلاف الجزر الموزعة على ما يقرب من خمس المحيط الهادي. أما باكستان عند استقلالها فقد كانت مقسمة إلى باكستان الغربية وباكستان الشرقية وتفصل بينهما 2400 كلم عند أقرب نقطة، مما فتح المجال سنة 1971 إلى استقلال هذه الأخيرة تحت اسم بنغلادش. أما القارة الإفريقية، فإنها تعاني من مخلفات التقسيم الاستعماري، لذا فقد حاولت تفادي المشاكل المترتبة عن هذا الوضع بإقرار مبدأ عدم المس بالحدود الموروثة عن الاستعمار في ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية. إلا إن مساوئ هذا المبدأ تتمثل في أنه لا تساعد على تكوين الأمم بشكل قوي، مما يؤثر سلبا على تأسيس الدولة.

ثانيا: انعدام الترابط العرقي أو اللغوي

تعرف جل دول العالم الثالث ظاهرة التنوع العرقي الذي يعرقل بناء الدولة القوية وتشكيل الأمة بشكل واضح، لأنها عادة ما يكون سبب الاضطرابات و الحروب الأهلية. ويمكن إرجاع سبب هذه الظاهرة أساسا إلى الدور الذي لعبه الاستعمار عند تقسيمه لمناطق النفوذ، وإلى الهجرات التي عرفتها جل هذه المجتمعات.

وقد أدى ضعف الترابط العرقي إلى العديد من محاولات الانفصال التي نجح بعضها (باكستان، بنغلادش) وفشل البعض الآخر (نيجيريا، الزايير، السودان،...)

وإلى جانب ذلك، تعدد اللغات واللهجات بشكل لا يساعد على تمتين الروابط بين أعضاء المجموعة الواحدة. وقد يصل الأمر إلى درجة استعمال لغة المستعمِر كلغة رسمية.

وفي بعض الحالات، يتعمق المشكل بانعدام الوحدة الدينية، مما يجعل عدة ديانات "تتعايش" بشكل لا يكون دائما سلميا.

وتشكل حالة الهند نموذجا للتعدد العرقي واللغوي والديني.

 ثالثا: استمرارية خصائص المجتمع التقليدي

إن مجتمعات دول العالم الثالث تعرف عدم الانسجام بين مكوناتها، نتيجة انفتاح بعض القطاعات على العالم "العصري"، مع استمرار خصائص المجتمع التقليدي. وهذا ما جعل هذه المجتمعات تتميز بظاهرة الثنائية سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

فعلى الصعيد الاجتماعي، نلاحظ الثنائية في كل المجالات: ثقافة تقليدية إلى جانب ثقافة عصرية، تباين بين المدينة والبادية، وحتى داخل المدينة الواحدة تناقض بين العمران ومدن القصدير المنتشرة نتيجة الهجرة الريفية القوية إلى المدينة.

أما على الصعيد الاقتصادي، فنلاحظ: قطاع تقليدي يعتمد على الزراعة والصناعة التقليديتين، وقطاع عصري يتمثل في زراعة عصرية تصديرية ومؤسسات صناعية وتجارية عصرية.

وفي المجال السياسي، تتجسد هذه الثنائية في استمرارية المؤسسات التقليدية القائمة على العلاقات العائلية والقبلية وما ينتج عن ذلك، إلى جانب المؤسسات التي تقيمها الدولة العصرية.

الفرع الثاني: النتائج

إن النتائج المترتبة عما سبق، تتمثل في نقص الوعي لدى الشعب وعدم امتلاكه لوسائل مراقبة الحكام (أولا)، وعدم رغبة الحكام في الخضوع للمراقبة (ثانيا)، مما يؤدي إلى صعوبة إقامة حوار بين الحكام والمحكومين (ثالثا).

أولا: نقص الوعي لدى الشعب وعدم امتلاك وسائل مراقبة الحكام

إن مجتمعات العالم الثالث، نتيجة حدة التناقضات والمشاكل وانتشار الأمية، لم تستطع أن تشكل رأيا عاما يكُون ترجمة لثقافة سياسية. ويضاف إلى هذا احتكار الدولة لوسائل الإعلام الرئيسية في البلاد، والمتمثلة في الإعلام السمعي والبصري، الذي يستطيع وحده العمل على توعية أفراد المجتمع (خاصة وأن قراءة الصحف ضئيلة جدا). إن هذه العوامل تجعل الشعب غير قادر على القيام بمهمة مراقبة الحكام التي تعتبر الحجر الأساسي في البناء الديمقراطي.

ثانيا: عدم رغبة الحكام في الخضوع للمراقبة

أما الحكام، فمن جانبهم لا يعملون على توفير الوسائل التي تمكن المجتمع من مراقبة أعمالهم، مما يُصَعب المسؤولية على النخبة السياسية الضئيلة العدد؛ التي إن لم تكن تدعم السلطة مباشرة باعتبارها مستفيدة من تلك الوضعية، فإن تطلعاتها قد تكون بعيدة عن تطلعات المجتمع. لذا فلا يمكن أن تصور هذه المبادرة بالخضوع للرقابة ستأتي من جانب الحكام.

ثالثا: صعوبة إقامة حوار بين الحكام والمحكومين

إن وضعا مثل هذا، لا يستطيع فيه المحكوم أن يراقب الحاكم، ولا يرغب فيه الحاكم في الخضوع لهذه الرقابة، يؤدي إلى صعوبة إقامة حوار بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني.

المطلب الثاني: التخلف الاقتصادي

إن التخلف الاقتصادي يعتبر سببا رئيسيا في جعل المؤسسات السياسية، وبالتالي النظام السياسي، يسير بشكل يختلف عما هو عليه الحال في الدول المتقدمة. فضخامة المسؤولية التنموية تفرض إتباع أساليب تبدو غير ديمقراطية. ولهذا الاتجاه أنصاره الذين يعتبرون أن مظاهر التخلف (الفرع الأول) وضخامة الجهود التي يجب أن تُبذل تجعل سير الديمقراطية الغربية في الدول المتخلفة أمرا صعبا (الفرع الثاني).

الفرع الأول: مظاهر التخلف

من الصعوبة بمكان دراسة كل مظاهر التخلف، لكن هذا لا يمنع من أخذ فكرة موجزة عن بعضها للوقوف على ضخامة هذه المشاكل. وسنكتفي بالإشارة إلى المظاهر التالية:

¬ النمو السكاني

تعرف دول العالم الثالث تزايدا ديموغرافيا واسعا يجعل مسألة توفير الاحتياجات المتزايدة مسألة صعبة.

إن معدلات النمو مرتفعة بالمقارنة مع معدلات الدول المتقدمة لدرجة أن البعض يتحدث عن "القنبلة السكانية".

¬ الأزمة الغذائية

يربط العديد من الباحثين مسألة الأزمة الغذائية بموضوع التزايد السكاني. فهناك من يعتبر أن ظاهرة الجوع ناتجة عن هذا التزايد، خاصة وأن ثلثي سكان العالم موجودين في العالم الثالث وأن غالبيتهم يعيشون في الأرياف لكنهم لا يستطيعون توفير الأمن الغذائي لأنفسهم. وهناك من يعتبر أن مشكلة الجوع والعجز ظاهرة اجتماعية قبل كل شيء إذ أنها تتعلق بعدم كفاية الإنتاج، بل بسوء توزيعه، إضافة إلى طبيعة النظام الاقتصادي الدولي الراهن والعلاقات الغير المتكافئة وطابع الاحتكار الدولي لتجارة المواد الأساسية في التغذية. وهذا ما يطرح على دول العالم الثالث مهام دولية صعبة إضافة إلى المهمات الوطنية للخروج من هذه الوضعية وتحقيق الأمن الغذائي لنفسها.

¬ نقل التكنولوجيا

إن الظرف الاقتصادي الحديث، الذي يقوم على بروز وتزايد أهمية الاحتكارات العملاقة، لا يسهل عمل المؤسسات الصغيرة المستقلة. وقد أدت هذه الظاهرة إلى ضرورة الاعتماد على القدرة المالية الهائلة وعلى مستجدات البحث العلمي بشكل يجعل الدول المتقدمة وحدها القادرة على السير في هذا الاتجاه.

وإذا كانت دول العالم الثالث قد حاولت اعتماد سياسة تصنيعية، فإن ذلك فَرَضَ استيراد التكنولوجيا تمت في إطار محدود لا يخرج عن القواعد التالية:

بالنسبة للدول المتقدمة والمصدرة:

-        التخلص من التكنولوجيا المتخلفة التي ليس هناك مجال لتطويرها؛

-        طرد الصناعات التافهة أو الملوثة؛

وبالنسبة للدول المتخلفة والمستورِدة:

-        إحلال الصناعات المستورَدة محل الاستيراد؛

-        إقامة صناعات مرتبطة أساسا بالتصدير

وعادة ما يلاحظ أن الصناعات المستورَدة تكون بصفة عامة دخيلة على الهيكل الاقتصادي المحلي، بحيث لا تخرج عن الحالات التالية:
-        إما صناعات محرومة من أي ارتباط لاحق للاقتصاد المحلي؛

-        أو صناعات محرومة من أي ارتباط سابق بالاقتصاد المحلي؛

-        أو صناعات محرومة من أي ارتباط سابق أو لاحق بالاقتصاد المحلي.

¬ هجرة الأدمغة

تمثل هجرة الكفاءات العلمية من دول العالم الثالث إلى الدول المتقدمة نقلا معاكسا للتكنولوجيا. وهي ظاهرة لا تستفيد منها بتاتا الدول التي أنفقت الأموال الطائلة لتكوين  الأطر العالية والمتعددة الاختصاصات. ودون أن نخوض في تفاصيل أسباب هذه الهجرة، نشير إلى اعتمادات البحث العلمي الضعيفة في دول العالم الثالث، وقلة مراكز البحث، وسيطرة جيل الاستقلال على المناصب بشكل يحرم الأجيال الجديدة من المساهمة في تطوير الدولة، والاضطهاد السياسي والعشائري والديني، إضافة إلى ما تقدمه الدول المتقدمة المستفيدة من إغراءات مالية.

¬ مشكل المديونية

اعتمدت دول العالم الثالث لتمويل سياساتها التنموية على الاستدانة من المؤسسات المالية الخارجية سواء الخاصة أو العمومية أو الدولية. وقد تراكمت الديون إلى أن وصلت درجة أصبحت معها تشكل عبئا على الاقتصاد الوطني. وقد ساهمت المؤسسات المالية الدولية في تأزم الوضع نتيجة فرض سياسة التقويم المالي الذي يعطي الأولوية للتوازنات المالية على حساب السياسة الاجتماعية اللازمة لتلبية حاجيات المواطنين في التعليم والصحة والشغل...

وفي الختام نشير إلى أن هذه المشاكل ليست إلا جزءا يسيرا مما يعاني منه العالم الثالث، يضاف إليها مشاكل الاستثمارات الأجنبية، وتحكم اقتصاديات الدول المتقدمة في أسعار المواد الخام التي تخصصت دول العالم الثالث في تصديرها، ونظام التبادل التجاري الغير المتكافئ،... وباختصار كل ما له علاقة بالنظام الاقتصادي الدولي الراهن. (وسنعالج لاحقا مشكل الفساد الإداري والسياسي الذي ينخر هذه المجتمعات).

الفرع الثاني: صعوبة سير الديمقراطية الغربية في الدول المتخلفة

إن بلدان العالم الثالث مدعوة إلى الاعتماد على إمكانياتها الذاتية للقيام بعملية التنمية. وهذا يستلزم بذل جهود جبارة للتغلب على التخلف ابتداء من توفير البنية التحتية اللازمة وصولا إلى إقامة المؤسسات المختلفة.

وأمام قصور القطاع الخاص عن القيام بدور ريادي، وجدت الدولة نفسها ملزمة بالقيام بهذا الدور عن طريق التدخل المباشر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وقد قامت بهذا الدور بشكل واضح عند اعتماد إستراتيجية التنمية عن طريق القطاع العام بشكل جعل هذه الأنظمة تميل إلى الأسلوب الاشتراكي، بل أن الدول التي اعتمدت الإستراتيجية الليبرالية قامت بهذا الدور أيضا بالتدخل بشكل واسع لملء الفراغ الناتج عن ضعف القطاع الخاص وضآلة الاستثمارات الخارجية.

إن وضعية كهذه جعلت آليات سير النظام السياسي، خاصة في شكلها الغربي، غير متلائمة مع الظروف التي تمر منها هذه الدول. لذا انتشرت الأنظمة التي تسمح بهيمنة السلطة التنفيذية إضافة إلى الأنظمة التي تعمل على تركيز السلطة في يد هيأة واحدة (الجيش أو الحزب الواحد) أو حتى في يد شخص واحد. لذا لم يكن غريبا أن يطرح البعض الفرضية التالية: الديمقراطية لا تتلاءم مع التنمية.

المبحث الثاني: خصائص الحياة السياسية
للحياة السياسية في العالم الثالث العديد من الخصائص التي تؤكد بشكل واضح ما تتميز به هذه الدول عن الدول المتقدمة. وإذا كان من غير الممكن أن نعالج كل هذه الخصائص، فإننا سنكتفي هنا بطرح موضوع النظام الحزبي (المطلب الأول)، والدور السياسي للمؤسسة العسكرية (المطلب الثاني)، وظاهرة الفساد المتفشي في الحياة الإدارية والسياسية (المطلب الثالث).

المطلب الأول: النظام الحزبي

إذا كانت الأحزاب السياسية قد ظهرت وتطورت في الديمقراطيات الغربية للتعبير عن مصالح مشتركة لفئات تحمل نفس التصور، وإذا كانت الدول الغربية قد يسرت لهذه الهيئات القيام بدورها في تأطير المواطنين وتسهيل عملية التناوب على السلطة، فإن تأسيس الأحزاب السياسية في دول العالم الثالث قد تم لاعتبارات وأسس أخرى. وتختلف الأنظمة التي تم اعتمادها لكنها لا تبتعد عن بعضها البعض كثيرا.

إذا كانت بعض الدول –القليلة العدد- قد اعتمدت نظام تعدد الأحزاب، فإن تطبيق هذا النظام يختلف من حالة إلى أخرى. فأحيانا تشجع السلطات هذه التعددية لأغراض معينة، كما أن الأحزاب تساهم بدورها في هذا المجال نتيجة الانشقاقات التي تعرفها.

إلا أن الملاحظة الأساسية، هي أن أية تجربة من تجارب العالم الثالث لم تكرس ممارسة ديمقراطية في مجال التناوب على السلطة: فإما أن يحتكرها حزب كبير، وإما أن تتولاها مجموعة أحزاب تنتمي إلى نفس الاتجاه الذي ما يكون مدعما للسلطة. أما أحزاب المعارضة فإن هامش تحركها يحدد من قبل السلطة، ويضيق و يتسع حسب توجهات ومطالب وبرامج هذه الأحزاب واستعداد النظام.

أما النظام الحزبي الأكثر انتشارا فيتمثل في الحزب الواحد. وهو نظام يقضي بأن لا يوجد في الدولة إلا حزب واحد يحتكر النشاط السياسي، و ممارسة السلطات العامة، ويتمتع بجميع الامتيازات. وإذا كان هذا النظام من مبتكرات النظام الاشتراكي وعرف تطبيقات في الأنظمة النازية والفاشية، فإن دول العالم الثالث قد تبنته ودافعت عنه بأساليب وذرائع مختلفة.

فهذا النظام يمكن حسب مؤيديه من خلق نخبة وزعماء سياسيين وإداريين مؤهلين لإدارة شؤون الدولة، وذلك بانتقاء أصحاب المؤهلات والكفاءات أو ذوي الاستعداد لاكتسابهما، والإعداد والتثقيف الحزبي الذي يمكن من خلق طبقة قادرة على قيادة المجتمع. ويقوم هذا الحزب بمراقبة جميع أجهزة الدولة على مختلف مستوياتها. ولعل السبب الرئيسي لتفضيل هذا النظام في دول العالم الثالث يتمثل في العمل على إقامة رابطة بين الحكام والشعب، وتمتين وحدة الأمة والدولة في مرحلة تكون في حاجة إلى توحيد الجهود قصد التمكن من محاربة التخلف وتطبيق برنامج تنموي.

وإلى جانب هذا، عرفت بعض دول العالم الثالث نظاما حزبيا تعدديا لكن مع سيطرة حزب واحد يسمى بالحزب القائد أو المهيمن. إن هذا الشكل الذي يسمح للأحزاب بممارسة النشاط السياسي كتنظيمات مستقلة و معترف بها رسميا، يفترض تقارب هذه الأحزاب في المبادئ والأهداف واتفاقها على التعاون في إدارة شؤون الدولة وتوجيه سياستها تحت قيادة أقواها. وسنأخذ كنموذج عنها لاحقا تجربة الهند و المكسيك.

المطلب الثاني: الدور السياسي للمؤسسة العسكرية
إذا كان الدور الأساسي للجيش يتمثل بصفة عامة في الدفاع الوطني، فإننا نلاحظ في دول العالم الثالث أن المؤسسة العسكرية تتجاوز ذلك للتدخل في الشؤون السياسية للبلد. فعوض أن يكون تحت إمرة السلطة المدنية، فإن العكس هو الذي ساد في جل تجارب الستينات والسبعينات. ولا زالت آثاره ممتدة إلى الوقت الحالي ولو أن المعنيين قد نزعوا عن أنفسهم الزي العسكري.

وسنأخذ كنموذج عن تدخل الجيش في الحياة السياسية للدولة حالة غانا التي عرفت سلسلة من الانقلابات العسكرية.

فمنذ الانقلاب العسكري ضد الزعيم "نكرومه" سنة 1966، وهي تخضع لسيطرة العسكريين عبر ثلاثة انقلابات وقعت في أعوام 1972، 1978، 1979، باستثناء فترة من الحكم المدني لم تستمر سوى 27 شهرا من أكتوبر 1969 إلى يناير 1972، مما جعل البلاد تغرق في دوامة من الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي.

إن غانا هي أول دولة في إفريقيا جنوب الصحراء تحصل على استقلالها من الاستعمار البريطاني سنة 1957. وقد مرت أساسا وإلى غاية بداية الثمانينات بأربعة مراحل سياسية منذ الانقلاب الأول ضد "نكرومه". وهذه المراحل هي:

أولا: حكم تحالف الجيش مع البوليس

عندما أطاح الانقلاب العسكري بالرئيس "نكرومه" سنة 1966 أكد كل المهتمين أن هذا الانقلاب الذي قام به رجال الجيش والبوليس يعد حلقة في المخطط الاستعماري الجديد لضرب ثورة التحرر الوطني التي تصاعدت في إفريقيا. وكان هذا المخطط الاستعماري يهدف إلى تصفية القيادات الوطنية والثورية في الدول الإفريقية المتحررة (تمت الإطاحة بحكم الرئيس "موديبو كيتا" في مالي سنة 1968، وكانت هناك محاولة للغزو العسكري لإسقاط حكم الرئيس "سيكوتوري" في غينيا). ولهذا فإن حكومة الانقلاب العسكري التي تشكلت من تحالف الجيش والبوليس تحت ما يسمى بمجلس التحرير الوطني وجهت ضربات متلاحقة لسياسة "نكرومه" في التأميم والتحول نحو الاشتراكية، وأكدت تمسكها بسياسة الاقتصاد الحر. وقد مارس هذا التحالف السلطة حوالي ثلاث سنوات تدهور خلالها الوضع الاقتصادي، وكسد الإنتاج الزراعي، وارتفع استيراد السلع الغذائية، وتفاقم العجز في ميزان المدفوعات، ولم تستطع الحكومة العسكرية التحكم في نسبة التضخم مما أدى إلى زيادة أسعار السلع الأساسية.

ومع ذلك،التزمت الحكومة العسكرية بالوعد الذي قطعته على نفسها، بعد ثلاث سنوات من الحكم، فقامت بإجراء انتخابات عامة سنة 1969، وتولى الدكتور "كوفي بوسيا" زعيم حزب التقدم رئاسة الوزارة. وقد كان بوسيا "من أبرز المناهضين لساسة "نكرومه" قبل الاستقلال وبعده، وعاش في المنفى 13 سنة خلال حكمه ثم عاد إلى البلاد بعد الانقلاب حيث تعاون مع العسكريين وعمل كمستشار لهم.

ثانيا: فترة الحكم المدني

حاولت الحكومة المدنية تحرير التجارة وتنشيط التنمية خاصة في المناطق الريفية إلا أنها لم تنجح في ذلك. وازداد الوضع الاقتصادي تدهورا، وانتشر الفساد السياسي والمالي في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.

ونتيجة لهذه الوضعية تصاعد الصراع السياسي  والنقابي بين الحكومة من جهة والعمال والطلبة والفلاحين من جهة أخرى نتيجة الحد من النشاط السياسي العام؛ مما دفع الحكومة إلى منع نشاط حزب الشعب المعارض والأحزاب المعارضة الأخرى بدعوى أن عملاء "نكرومه" يتآمرون لقلب نظام الحكم.

إضافة إلى ذلك، اتبعت الحكومة على الصعيد الإفريقي سياسة مناهضة لحركات التحرر الوطني عن طريق إلغاء كافة أنواع التأييد و المعونات التي كانت غانا تقدمها لحركات التحرير؛ وبلغت هذه السياسة ذروتها، بإعلان "بوسيا" تأييده لدعوى إجراء حوار سياسي مع حكومة جنوب إفريقيا "العنصرية"، الأمر الذي أثار استياء القوى الوطنية.

وأيا كان، فبينما كان "بوسيا" في زيارة لبريطانيا، قام كولونيل مغمور في 13 يناير 1972 بانقلاب جديد ضده.

ثالثا: عودة العسكريين للسلطة

شكل الكولونيل "اتشيا" فور نجاح انقلابه العسكري، ما أسماه "بمجلس الإنقاذ الوطني" (الذي فيما بعد المجلس العسكري الأعلى) من رجال الجيش والبوليس لحكم البلاد. وأصبح رئيسا للمجلي وللسلطة التنفيذية. وبادر بحظر نشاط الأحزاب السياسية.

وقد اتسمت فترة حكم "اتشيا" التي استمرت ست سنوات ونصف سنة، بالتدهور الاقتصادي بسبب سوء الإدارة وتفشي الفساد، وبالمواجهة بين الشعب والحكومة احتجاجا على ارتفاع الأسعار، واختفاء السلع الأساسية، والمطالبة بعودة الحكم المدني.

وقد أرغمت هذه المظاهرات النظام على الدعوة إلى "حكومة اتحادية" يشترك فيها ممثلو كافة السكان بما في ذلك الجيش والبوليس. وقد صاحب ذلك تصريحات بأن الحكومة ستقوم على أساس التقاليد الغانية وليس على أساس التقاليد الغربية. وهي فكرة غامضة انتقدتها المعارضة بأنها محاولة لاستمرار الحكم العسكري وراء واجهة من المدنيين وأصرت على ضرورة رفع المنع عن نشاط الأحزاب السياسية، وإجراء انتخابات عامة خلال سنة 1977. إلا أن الحكومة نفذت مخططها بطرحه في استفتاء ادعت تأييد غالبية الشعب لتشكيل هذه الحكومة الاتحادية، وشكلت لجنة لصياغة دستور جديد. لكن المعارضة أكدت تزوير الاستفتاء ومعارضة الشعب لتشكيل هذه الحكومة.

وفي هذا الوقت قام نائب الرئيس الجنرال "فريدريك اكوفو" بانقلاب عسكري مفاجئ سنة 1978 أرغم من خلاله "اتشيا" على الاستقالة ووضعه تحت الحراسة. وقد برر الجنرال "اكوفو" انقلابه فقط بأن سلفه كان ينفرد بإصدار القرارات دون التشاور مع أعضاء المجلس العسكري. ومع دلك فإن هذا الانقلاب كان مقدمة لسلسلة من الإجراءات السياسية في اتجاه العودة إلى الحكم المدني.

رابعا: الطريق إلى الحكم المدني

بعد الانقلاب تقرر إلغاء فكرة "الحكومة الاتحادية" وإقامة "حكومة وطنية" بدلا منها على أساس أنها حكومة مؤقتة لمدة أربع سنوات على الأقل يتم بعدها العودة إلى الحكم المدني بحكومة وطنية سيتم تشكيلها بعد إجراء انتخابات عامة غير حزبية عام 1979.

إلا أن المعارضة انتقدت الاقتراح، لأن الأمر يتعلق بتغيير اسم اللعبة من حكومة اتحادية إلى حكومة وطنية، مع فارق واحد هو التعهد بعدم إعطاء أي دور خاص للجيش أو البوليس. لذلك تشبثت بإصرارها على رفع الحظر على نشاط الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات عامة على أساس حزبي.

وقد تطور الوضع نتيجة تطبيق ميزانية التقشف ووصل الاحتجاج ذروته في منتصف نوفمبر 1978 عندما نظم العمال سلسلة من الإضرابات انضم إليها الموظفون.

وقد اضطر المجلس العسكري الحاكم إلى تلبية هذه المطالب بعد أيام هذه الإضرابات حيث قرر رفع الحظر عن نشاط الأحزاب ابتداء من فاتح يناير 1979 تمهيدا لإجراءات انتخابات عامة في منتصف يونيو 1979. وهكذا تشكل حوالي 13 حزبا سياسيا.

وهكذا نلاحظ أن المؤسسة العسكرية أصبحت طرفا في الحياة السياسية، فهي تارة تتولى شؤون الدولة مباشرة، وتارة تملي على المدنيين المشاريع السياسية الواجبة الإتباع، ثم أنها لا تتنازل عن السلطة كلما أمكن ذلك إلا للأطراف التي تتعامل معها.

وتبقى تجربة سوار الذهب في السودان رائدة في هذا المجال.

المطلب الثالث: ظاهرة الفساد الإداري و السياسي

إن دول العالم الثالث تعرف فسادا قاتلا ينخر أسس المجتمع والأمة والحضارة. لقد عم الفساد وأصبح حائلا دون التقدم. وهكذا لم يفكر العديد من الحكام في تنمية بلادهم بقدر ما اهتموا بوضعيتهم الخاصة.

إن الأمر لا يتعلق بتهريب رؤوس الأموال فقط ولكن ينتشر ليشمل جميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية... ففي مجال التجارة الدولية تخضع جل المشاريع والصفقات التجارية إلى أسلوب العمولات، كما أن الفساد أدى إلى جلب مشاريع لا علاقة لها بالتنمية بقدر ما لها علاقة بصنع العمولات، إضافة إلى انتشار سماسرة مختصين في جميع المجالات ابتداء من الحصول على أية وثيقة من إحدى الإدارات إلى غاية التدخل لدى الإدارات المركزية. ولا تقتصر عملية السمسرة على تلك الأعمال، بل تتعداها إلى مجلات أخرى كتجارة النساء والمخدرات تحت حماية السلطة... مما يمكن هذه الفئة من السماسرة من تكديس أموال طائلة تستغل في إفساد الحياة السياسية والإنفاق على مظاهر البذخ.

وقد احتكر بعض زعماء العالم الثالث السلطة وجمعوا حولهم جماعات يهمها بالدرجة الأولى سرقة ثروة بلادهم والسيطرة على اقتصادها تحت أسماء وأعمال مختلفة.

ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى حالة المكسيك التي وصل الوضع بها إلى حد انهيار مالي كاد أن يؤدي إلى انهيار مجمل النظام المالي العالمي، لولا تدخل العديد من الدول من أجل إيجاد حل سريع لمشكلة الديون الضخمة التي فاقت 80 مليار دولار. وقد كان هذا الوضع مفاجئا، لأن المكسيك قدمت نفسها عبر دعاية كبيرة على أنها ستلعب دورا مهما إلى جوار البلدان الصناعية الكبرى. لقد جرى احتضان هذا البلد، الذي لم يقبل الانضمام إلى الدول المصدرة للنفط، من قبل الدول الرأسمالية، ليشارك مع دول أخرى للوقوف في وجه منظمة "الأوبيب" لكسر احتكارها. وهكذا فتحت لها الأبواب المالية، وبالتالي العمولات، مما زاد في فساد وإفساد السلطات المسؤولة هناك. فكثر التوقيع على العقود وزادت العمولات: مصانع للفولاذ، مجمعات سياحية، قطار الأنفاق في مدينة المكسيك، مصافي النفط، أعمال مدنية مختلفة ضخمة... وكل ذلك دون حذر ودون تنسيق. وكان الرئيس "لوبيز بورتيلو" على رأس المشجعين لتلك الأعمال، إلى جانب بعض المحيطين به الذين كان لهم دور هام في نشر الرشوة والفساد.

لقد وعد كل الرؤساء الذين تسلموا السلطة في المكسيك بالعمل على "محاربة الفساد". وكانت النتيجة أن أصبح الرئيس "لوبيز" أحد عشرة أفراد الأكثر غنى في العالم.

ويمكن أن نذكر بعض الأمثلة عن ثروات بعض حكام العالم الثالث التي تمثل أموال طائلة جدا إذا قورنت بمديونية بلادهم. فالرئيس موبوتو كان يملك ما يعادل ديون الزايير، كما أن الرئيس ماركوس وعائلته قد اختلسوا من البلاد ملايير الدولارات، إضافة إلى سيطرتهم على العديد من الشركات والاقتطاع من فوائد الكازينوهات وشراء المجمعات التجارية بالخارج. أما رئيس سوموزا فقد حول جزءا كبيرا من ديون بلاده لحسابه الخاص قبل سقوط نظامه سنة 1979. فإذا أضفنا إلى ذلك ما يتم استخدامه لتمويل المصاريف الكمالية كالقصور والبنايات الإدارية الضخمة ومظاهر البذخ والتباهي والاستثمار في المشاريع الفاشلة التي تقام للدعاية فقط، فإن حجم الفساد يظهر في شكله الواسع.

وقد تطور الوضع ليشمل "تجارة الموت" التي تتمثل في قبول دفن النفايات الصناعية السامة والنفايات الذرية تحت تربة البلاد مقابل عمولات ورشاوي. ويمكن أن نذكر كنموذج على ذلك قبول "غينيا بيساو" دفن فضلات سامة من أوربا والولايات المتحدة وأستراليا. ويتعلق الأمر باتفاقيتين من أجل دفن نفايات سامة ذات أصل صيدلي تهم الأولى شركة سويسرية بكميات تتراوح بين 50 ألف و500 ألف طن حسب الحاجة، كما تهم الثانية شركة بريطانية بحجم سنوي يصل إلى ثلاثة ملايين طن وكل ذلك مقابل بضع دولارات عن كل طن. ولولا الحملة الدولية التي دفعت السلطات سنة 1988 إلى تعليق هذه الأنشطة والمفاوضات لتطورت الأمور إلى مستوى أوسع. لكن السؤال الأساسي هو مثلا لماذا وقعت السلطات الاتفاق مع الشركة السويسرية على أساس 2.5 دولار للطن الواحد في حين اقترحت الشركة المعنية 40 دولار عن كل طن ؟

وقد وصل الفساد درجة يشكل فيها خطرا على الديمقراطية في دول العالم الثالث، ويمكن أن نذكر كمثال على ذلك حالة نيجيريا.

ففي ظل الجمهورية الأولى (1960- 1966) تحولت العقود الحكومية وبرامج القروض بشكل منظم إلى عملية لإثراء المسؤولين المنتخبين والمقربين منهم على المستوى الإقليمي والفدرالي. ورغم أن هذه الجمهورية قد سقطت أساسا نتيجة الصراع العرقي والإقليمي، فإن التذمر الشعبي المتزايد من انتشار الفساد ومن طبقة رجال السياسة عموما كان أيضا من أسباب سقوط الجمهورية.

وفي أواخر الستينات، و بعد الحرب الإقليمية في لإقليم "بيافرا"، تزايد الإنتاج البترولي مع حدوث زيادة واضحة في نسبة الفساد في البلاد. فقد تمكن الحكام العسكريون والوزراء الفدراليون والطبقات الأخرى وثيقة الصلة بالنظام من تحقيق ثروات ضخمة بأساليب مفضوحة. وقد أدى الارتفاع الهائل في أسعار النفط بعد سنة 1973 إلى زيادة عائدات الحكومة، وبالتالي إلى زيادة كبيرة في عمليات الفساد والتباهي بالثراء غير المشروع والانحراف وتبديد الأموال العامة.

وعند تأسيس لجنة تحقيق عقب انقلاب 1975 تمت إدانة عشرة من المحافظين العسكريين في اختلاس أموال يبلغ مجموعها أكثر من 20 مليون دولار. لكن الرئيس "مرتضى الله" الذي كان يتمتع بتأييد شعبي كبير والمعروف بدفاعه القوي عن الإصلاحات تم اغتياله في السنة الموالية (3 فبراير 1976). وسرعان ما عاد الفساد إلى الانتشار، إذ أن الرئيس اللاحق وزع مواد البلاد على وزرائه ومسؤوليه ومؤيديه وأعضاء حزبه لدرجة أن أصبح الحزب الحاكم الحزب الأكثر فسادا. وقد استفادت هذه الفئات من الطفرة البترولية الثانية بين عامي 1979 و1980 (حيث وصل حجم العائدات إلى 24 مليار دولار) مما أدى إلى انتشار الفضائح، وأصبح الاقتصاد يعاني من الاستنزاف التام لدرجة أصبحت معه حكومة الولايات غير قادرة على دفع رواتب المدرسين أو الموظفين المدنيين أو شراء الأدوية للمستشفيات. وقد أدت هذه الوضعية إلى سخط شعبي لم تنفع معه انتخابات 1983 التي وصل الفساد السياسي خلالها إلى تزوير نتائج الانتخابات. لذلك لم يكن غريبا أن يثير الانقلاب الذي قام به الجيش خلال نفس السنة فرحة عارمة في البلاد. وباختصار فإنه رغم عدة تغيرات في السلطة التي كانت ترفع كل مرة شعار محاربة الفساد، فإن الفساد سرعان ما كان يظهر مرة أخرى (ويكفي للاطلاع على حجم الظاهرة بالإشارة إلى أنه قد صدرت الأوامر خلال سنة 1986 لمحاكمة 800 شخص بتهمة الفساد لكن هذه المحاكمات لم تتم أبدا).

الفصل الثاني: تطبيقات الأنظمة السياسية

 المبحث الأول: الإطار الدستوري

إن دراسة أي نظام سياسي لا يمكن أن تتجاهل المجال الدستوري الذي يتحرك هذا النظام في إطاره. ولذلك فإنه لابد من أخذ فكرة ولو موجزة عن دساتير دول العالم الثالث. فعند حصولها على الاستقلال سارعت هذه الدول إلى اعتماد دساتير يلاحظ عنها أنها تتشابه بشكل واسع مع دساتير أقطار غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للدول النامية الليبرالية، أو تتشابه مع دساتير دول من العالم الاشتراكي بالنسبة للدول التي اعتمدت هذا النهج. بل أنه في بعض الأحيان نلاحظ تطابقا كاملا مع هذه الدساتير. لذا نتساءل هل هنا يتعلق الأمر بدساتير مقتبسة أو منقولة (أولا)، وما هي مراحل تطور هذه الحركة الدستورية (ثانيا).

أولا: دساتير مقتبسة أو منقولة

إن الدول النامية نتيجة لخضوعها للاستعمار لفترة طويلة قد تأثرت بالتنظيم الدستوري للدول المستعمِرة لذلك سنبحث عن الأسباب المختلفة لعملية الاقتباس أو النقل (أ)، ثم نركز على عاملين أساسيين منها (ب) مع أمثلة مختلفة (ج).

أ‌-      لماذا عملية الاقتباس أو النقل

هناك أسباب متعددة دفعت الدول النامية إلى لاقتباس من التجارب الدولية السائدة آنذاك حتى تضع إطارا دستوريا لنظامها السياسي.
فعندما استرجعت الدول النامية استقلاها اتجهت إلى إقرار دساتير مكتوبة حتى تتمكن من المساهمة في الحياة الدولية بشكل كامل. وهكذا يلاحظ أن الدول التي كانت لها تنظيمات دستورية لم تكن في حاجة إلى الاستعجال في إقرار الدستور المكتوب: فالهند حصلت على استقلالها في 15 غشت 1947 ولم تقر دستورها إلا في نوفمبر 1949 ليبدأ العمل به في 26 يناير 1950، وتونس والمغرب حصلتا على الاستقلال في 1956 ولم يقرا الدستور إلا تباعا سنة 1959 وسنة 1960. إن هذه الدول كانت تتوفر على تنظيمات ومؤسسات تعمل باسم الشرعية التاريخية فأخرت إعلان الدستور المكتوب إلى غاية ترسيخ أسس الدولة.

أما الدول الأخرى فقد اعتبرت أن تبني التنظيمات السياسية والدستورية الغربية اختيار يرفع الدولة إلى مستوى الدولة العصرية، لذلك سارعت إلى طلب الاستعانة بخبراء أجانب لوضع دساتيرها. وطبعا فإن هؤلاء الخبراء لا يمكن أن يتأثروا إلا بالتنظيمات الدستورية المطبقة في دولهم. ونجد أن هذه الظاهرة منتشرة خاصة في إفريقيا السوداء ( إن القانونيين الدستوريين الفرنسيين هم الذين حرروا دساتير الغابون، ومدغشقر، والتشاد، وموريتانيا، والكونغو، وجمهورية إفريقيا الوسطى، فجاءت دساتيرها تعكس مقتضيات الدستور الفرنسي لسنة 1958، كما أنهم ساعدوا خبراء وطنيين على وضع اللمسات الأخيرة على عدد من الدساتير).

وهكذا يمكن القول أن أحد أسباب عملية الاقتباس أو النقل تتمثل في التأثير الذي مارسه الخبراء الأجانب المساهمين في وضع الدساتير، إضافة إلى حالات الاستعجال التي جعلت بعض الدول تسرع في الإعلان عن الدستور لأسباب داخلية أو لأسباب خارجية.

فبالنسبة للأسباب الخارجية نجد نموذج غينيا معبرا في هذا الصدد. فقد أعلن عن استقلالها في 02 أكتوبر 1958 وأُقِر الدستور في 10 نوفمبر من نفس السنة. فالسبب في هذه السرعة هو رغبة غينيا في الانضمام إلى الأمم المتحدة قبل دورتها المنعقدة آنذاك. وفعلا تم ذلك في 10 دجنبر 1958. يضاف إلى ذلك عامل خارجي آخر يتمثل في إعلان الاتحاد في 28 نوفمبر من نفس السنة، لذلك كان إقرار الدستور يهدف إلى تحديد سلطات رئيس الدولة ليسهل عليه القيام بمفاوضات خارجية.

أما بالنسبة للاستعجال لأسباب داخلية فنجد مثالا عنه في إعلان الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) الذي تم في 5 مارس 1958 بعد أن أعلن رئيس الدولتين الاتحاد في فاتح فبراير 1958. فهذه السرعة كانت تهدف إلى صرف الأنظار عن المشكل الداخلية التي كان يواجهها النظام السوري.

ونفس الوضع ينطبق على الاتحاد العربي بين العراق والأردن الذي تم توقيعه في 14 فبراير 1958 (الاتحاد الفدرالي الهاشمي) وإقرار دستوره في 5 مارس من نفس السنة.

وهناك حالات أخرى نلاحظ فيها أن بعض الأقطار حصلت على الاستقلال عن طريق التفاوض من ناحية وانسحاب الاستعمار بشكل تدريجي من ناحية أخرى، فأقرت دساتيرها قبل الحصول على الاستقلال (حالة بيرمانيا التي أُقِر فيها الدستور في 24 شتنبر 1947 ولم تحصل على استقلالها إلا في 19 دجنبر 1947).

وبصفة عامة فإن عملية النقل أو الاقتباس تحكم فيها عنصران أساسيان نعالجهما بصفة مستقلة.

ب‌-    الاختيار بناء على الإرث الاستعماري أو الأسلوب الاقتصادي

إن بلدان دول العالم الثالث تميل إلى تقليد المؤسسات السياسية القائمة في الدول التي كانت تستعمرها. فنلاحظ هذه الظاهرة بالنسبة للمستعمرات البريطانية (الهند، الباكستان، بيرمانيا، غانا، ماليزيا...) كما نلاحظها بالنسبة للمستعمرات الفرنسية. إلا أن هذه الظاهرة كانت تعرف استثناء حينما تكون الدولة المستعمِرة تمانع في استقلال المستعمَرة: إن مصر لم تقتبس في دستورها لسنة 1923 أساسا عن بريطانيا بل كذلك من النظام الفرنسي للجمهورية الثالثة والنظام الدستوري البلجيكي لأن النخبة المصرية كانت تعارض الحكم البريطاني وتفضل الاقتباس من أنماط دستورية أخرى. ونفس الاستثناء نجده في دساتير المستعمرات الفرنسية التي كانت فرنسا تمانع في الاعتراف باستقلالها: فدستور فيتنام الجنوبية لسنة 1956 أقاما نظاما ذا طابع رئاسي يميل إلى الدستور الأمريكي، وكذلك الشأن بالنسبة للدستور التونسي.

إن الاقتباس من النظام الدستوري للدولة المستعمِرة يجد تفسيره في أن النخبة الوطنية في أغلب دول العالم الثالث كانت إما متشبعة بثقافة المستعمر فتتأثر بها، أو أنها كانت مناهضة لها فتلجأ إلى الاقتباس من التجربة النقيض أي من الدستور السوفييتي.

وإلى جانب هذا فإن الأسلوب الاقتصادي المعتمد في دول العالم الثالث كان يفرض عليها اختيار أنماط دستورية معينة:

-        فإذا كان اقتصاد البلد من النمط الرأسمالي التحرري مصححا ببعض أساليب التخطيط المرن فإن المؤسسات السياسية تكون من نوع النظام البرلماني: إن المرونة الاقتصادية تساعد على خلق مرونة سياسية تتمثل في التوازن بين السلطات وتناوب الأحزاب عن الحكم، رغم أنه في بعض الأحيان قد يسيطر حزب كبير على الأغلبية البرلمانية لفترة طويلة: حالة الهند حيث كان يسيطر حزب المؤتمر على الأغلبية البرلمانية منذ استقلال البلاد إلى غاية نهاية الثمانينات.

-        أما عندما تأخذ الدولة بنمط رأسمالي ممزوج بتخطيط صلب فإنه ينتج عن ذلك غياب المرونة السياسية ويتحول إلى حكم مستبد: حالة إندونيسيا حيث التعددية الحزبية أفقدت الحكم الأغلبية البرلمانية وجعلت النظام البرلماني يفقد تطبيقه ويتحول إلى ديكتاتورية تنفيذية.

-        وإذا كان الأسلوب المتبع من النمط الرأسمالي المسير بتخطيط صلب فإن نظامه السياسي يأخذ شكل حكم مهيمن قد يكون الجيش على رأسه، وتتجه المؤسسات نحو الترعة الرئاسية بتركز السلطة دون أن يبدو أي خلل في توازن السلطات من الناحية المظهرية: وهناك أمثلة متعددة في أمريكا اللاتينية، وكذلك حالة سوريا التي أقرت دستورا من النمط البرلماني من خلال دستور 1950، بينما كان دستور 1953 الذي أعلن على إثر انقلاب عسكري ذا نزعة رئاسية.

-        وأخيرا إذا كان النمط الاقتصادي يعتمد على التخطيط السلطوي للإنتاج من تأميم عوامل الإنتاج، فإن المؤسسات السياسية ستكون إما دكتاتورية محضة أو مؤسسات من الاشتراكي الديمقراطي الشعبي.   

ج‌  -   نماذج الاقتباس أو النقل (عبد الهادي بوطالب)
·          الاقتباس من النظام البرلماني البريطاني

وقد عكسته في مرحلة الاستقلال دساتير الدول الخاضعة للنفوذ البريطاني: في إفريقيا وآسيا ومنطقة الكرايب، كما عكسته مقتضيات الدستور العراقي الأول، وبعض مقتضيات الدستور المصري لسنة 1923.

·          الاقتباس من النظام الرئاسي الأمريكي

وقد أخذت به دول أمريكا الجنوبية في مرحلة إعلان الاستقلال، وتبنته في آسيا الفيليبين (دستور 1958)، وكوريا الجنوبية، كما أخذت به ليبيريا في إفريقيا.

·          الاقتباس من النظام الفرنسي

لقد عكس دستورا سوريا ولبنان مقتضيات دستور الجمهورية الثالثة، واقتبست الكامبودج واللاووس من دستور الجمهورية الرابعة (1946). بينما عرف دستور الجمهورية الخامسة (1958) نقلا واقتباسا في الأقطار التي كانت مرتبطة بالنفوذ الفرنسي كإفريقيا الناطقة بالفرنسية، ومنه اقتبس المغرب طائفة من مقتضيات دستور 1962 والتي أصبحت ثابتة في كل الدساتير اللاحقة، كما أن الباكستان اقتبست منه في دستورها لسنة 1962.

·          الاقتباس من النظام البلجيكي

وقد اقتبست منه الدول التي كانت خاضعة للاستعمار البلجيكي: بوراندا، والزايير أو الكونغو البلجيكي.

·          الاقتباس من النمطين الألماني و الإيطالي

لقد أخذت الباكستان في دستورها لسنة 1973 عن دستور الجمهورية الفدرالية الألمانية، كما نقل الدستور الصومالي المعلن سنة 1948 عن الدستور الإيطالي.

·          الاقتباس من دستور الاتحاد السوفييتي

لقد كان دستور الاتحاد السوفييتي مرجعا للاقتباس من كل الدول التي أخذت بالنهج الماركسي، فأخذت به الصين الشعبية، والديمقراطيات الشعبية الأوربية الشرقية، وفيتنام الشمالية، ومنغوليا، وكوبا.

·          الاقتباس من دساتير أخرى

لقد اقتبست بعض الدول الأخرى من الدستور التركي الذي أعلنه أتاتورك سنة 1924 لأنها كانت تميل إلى تبسيط سير العمل بالنظام البرلماني، بينما استكملت دساتير أخرى شكلها بطريقة تدريجية على مراحل كانت خلالها تقتبس من دساتير مختلفة، كدستور البرازيل (6 يوليوز 1934) الذي استمد من دستور "ويمار' الألماني لسنة 1919 ثم الدستور البرتغالي لسنة 1934. وتأثرت دول أخرى بدستور إسبانيا الفرانكوية عند إدخال بعض التعديلات على دساتيرها الأولى ككولومبيا والبيرو وفنزويلا.

في حين نجد دساتير أخرى اقتبست بعض التقنيات من دساتير مختلفة، كما هو الشأن بالنسبة لدستور أندنوسيا لسنة 1950. ففي قسمه الاجتماعي وطريقة صياغته للحقوق والحريات وحتى في طريقة تأكيده للمبادئ الاجتماعية جاء النص مقتبسا من دستور "ويمار" الأماني ومن دستور الاتحاد السوفييتي ومن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أما قسمه السياسي ومقتضياته القانونية التنظيمية فإنها أُخِذت من النظام الرئاسي والنظام البرلماني. ولاعتبارات سياسية ظهر الدستور قريبا من التنظيمات الدستورية للجمهورية الفرنسية الثالثة والرابعة، ونتيجة لذلك ظهر دستور غير قابل للتطبيق وظل بالتالي معلقا على مستوى الواقع.

ثانيا: مراحل تطور الحركة الدستورية

يمكن تصنيف المراحل التي مرت منها الحركة الدستورية في الدول السائرة في طريق النمو كما يلي:

1.  المرحلة الأولى تميزت بتبني النظام الرئاسي الأمريكي في دول أمريكا الجنوبية، وتبني النظام البرلماني في إفريقيا وآسيا مع محاولة تكييفه مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الخاصة. وإذا كانت هذه التجربة قد نجحت في بعض الدول (الهند، الباكستان، لبنان، مصر، ماليزيا،...) فقد فشلت في جل الدول الأخرى. وتعود أسباب الفشل إلى كون النظام البرلماني يضع الحكومة والمعارضة على قدم من المساواة. فعند تطبيقه في الدول الغربية يبدو منطقيا نظرا لتوفر الوحدة الوطنية والتوافق حول الخطوط العامة للسياسة الداخلية والخارجية إضافة إلى النمو الاقتصادي. أما دول العالم الثالث فلا تتوفر على هذه المعطيات لأن الدول تبحث عن الاستقرار الحكومي وبالتالي تعتبر المعارضة تهديدا لسلطة الحكومة أو سلطة الحزب الحاكم.

2.  المرحلة الثانية تميزت بفشل الأنظمة البرلمانية والرئاسية مما فتح المجال للدكتاتوريات العسكرية والمدنية التي تتناقض مع الديمقراطية. فقد سادت الدكتاتوريات في أمريكا الجنوبية والعالم العربي وإفريقيا. إن هذه الدول اعتبرت أن توزيع السلطات بين المؤسسات يتعارض مع نظام الحكم القوي، لذلك كان الحكم يتحول كرد فعل على أسلوب التنظيم الجماعي كأن تتم العودة بالبلاد إلى الليبرالية الفردية (حالة دول أمريكا الجنوبية الكبيرة أو الغنية كالبرازيل والأرجنتين)، وإما من أجل تصحيح الأوضاع للعودة بالبلاد إلى حكم ديمقراطي، وإما تحت شعار مراجعة التركة الاستعمارية (حالة الجزائر)، أو القيام بإصلاح (محاربة الرشوة في إفريقيا الوسطى)، أو القيام بإصلاح زراعي (بعض انقلابات أمريكا الجنوبية). ولكن في كل الحالات كان الهدف هو فرض حكم دكتاتوري أو فرض استمراره.

3.  المرحلة الثالثة التي عرفت تقلص الدكتاتوريات لتنتشر بدلا منها أنظمة ذات نزعة رئاسية تعتمد الحزب الوحيد أو تقيم نظاما دكتاتوريا فرديا. وقد انطلقت هذه المرحلة بعد أن تبين أن النظام ذو الترعة الرئاسية يمكن من تأطير واسع لمختلف فئات الشعب مما يساعد الحكم على الهيمنة. إلا أن الأمر لا يتعلق بنظام دستوري رئاسي كما هو مطبق في الولايات المتحدة الأمريكية بل بنظام يركز السلطة لأسباب مختلفة بيد السلطة التنفيذية بصفة عامة ورئيس الدولة بصفة خاصة. ومن بين هذه الأسباب نشير إلى الأسباب السياسية (متطلبات بناء الوحدة الوطنية) والأسباب الاقتصادية (ضرورة التخطيط المركزي) والأسباب الثقافية (انتشار الأمية). ونتيجة لهذا أصبحت السلطة التنفيذية تهيمن على الحياة السياسية خاصة إذا كانت مدعمة بنظام الحزب الوحيد أو المسيطر مما جعل النظام يفقد عنصر التوازن. هذا إضافة إلى الترعة الاستبدادية لبعض الحكام.

4.  المرحلة الأخيرة تتمثل في العودة إلى النظام الديمقراطي المتمثل في التعددية الحزبية والليبرالية السياسية (وهو ما سنعالجه بصفة مستقلة في القسم الثاني من هذا الباب).

المبحث الثاني: الأنظمة السياسية
لاحظنا سابقا أن أغلبية دول أمريكا الجنوبية اعتمدت النظام الرئاسي على إثر استقلالها، بينما أخذت بقية دول العالم الثالث في إفريقيا وآسيا في المرحلة الأولى من استقلالها بالنظام البرلماني. وإذا كانت هذه الدول قد حاولت تكييف هذه الأنظمة خاصة منها البرلمانية مع ظروفها الخاصة فإن هذه التجارب باءت بالفشل.

وسندرس تباعا التجارب ذات الترعة الديمقراطية (المطلب الأول) ثم التجارب ذات الترعة الدكتاتورية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الأنظمة الديمقراطية
إن التجارب ذات الطبيعة الديمقراطية بدول العالم الثالث رغم أنها استفادت من التجارب الغربية في هذا الصدد إلا أن ذلك لا يعني التطبيق الحرفي للعملية الديمقراطية بهذه الدول. لقد تمت إضافة العديد من التقنيات التي تجعل النظام البرلماني (الفرع الأول) والنظام الرئاسي (الفرع الثاني) مختلفا عن النموذج الذي تم اقتباسه نظرا لاعتبارات عديدة منها أساسا الرغبة في ضمان الاستقرار الحكومي وفي التدخل الواسع للدولة في عملية التخطيط الاقتصادي.

الفرع الأول: النظام البرلماني

يتميز النظام البرلماني بالتعاون بين السلطات. إن كل جهاز يمتلك وظيفته الأساسية لكنه يساهم في تعيين الأجهزة الأخرى وفي ممارسة وظيفتها. إن الأجهزة تتوفر على وسائل ضغط فيما بينها مما يساعد على تحقيق التوازن عند ممارسة سلطاتها.

وإذا كان المعيار الأساسي لتحديد مفهوم النظام البرلماني يتمثل في المسؤولية الجماعية للوزراء أمام البرلمان مقابل إمكانية حل البرلمان من قبل الجهاز التنفيذي، فإن هذا النظام يستلزم توفر العناصر التالية:

·          ثنائية الجهاز التنفيذي؛

·          تقلص سلطة رئيس الدولة؛

·          مسؤولية الحكومة أمام البرلمان؛

·          حق حل البرلمان.

إن هذا النظام السائد آنذاك في معظم الدول الغربية الاستعمارية (بريطانيا، فرنسا، بلجيكا) قد انتقل إلى عدة دول إفريقية وآسيوية في بداية استقلالها: الهند، باكستان، بيرمانيا، وماليزيا في السودان، نيجيريا، غانا، ملاوي، الصومال ، السنغال، والزايير في إفريقيا، كما عرفته جمايكا وغويان في منطقة الكرايب.

وينبغي الإشارة إلى أن بعض دول العالم الثالث كانت تتوفر على بعض أنماط الحكم بخصوصيات وتقاليد تاريخية فجاءت دساتيرها الممنوحة مجرد استمرار للنظام التقليدي كالدستور الإيراني لسنة 1906 الممنوح من الشاه مظفر الدين، والدستور المصري لسنة 1923 الممنوح من الملك فؤاد، ودستور العراق لسنة 1924 المعلن من قبل الملك فيصل، ودستور إثيوبيا لسنة 1936 الممنوح من الإمبراطور هيلاسي لاسي.

وسنعالج هذا النظام من خلال دراسة السلطة التنفيذية (أولا) ثم السلطة التشريعية (ثانيا) ثم العلاقة بينهما (ثالثا).

أولا: السلطة التنفيذية
تقوم السلطة التنفيذية في النظام البرلماني الكلاسيكي على أساس ثنائية الجهاز التنفيذي: رئيس الدولة (أ) ثم رئيس الحكومة (ب).

أ‌  - رئيس الدولة

يتسع النظام البرلماني لجميع أشكال الحكم سواء كان النظام ملكية أو جمهورية أو إدارة جماعية. ورغم اختلاف طرق تعيينه فإن رئيس الدولة غير مسؤول سياسيا.

ففي النظام الملكي يتولى الملك الحكم بالوراثة وليس للبرلمان أي دور ف تعيينه. إلا أن الدستور قد يحدد نظام تولي الحكم: الدستور المصري لسنة 1923، والدستور العراقي لسنة 1924، والدستور المغربي لسنة 1962 والتعديلات التي أدخلت عليه.

أما في النظام الجمهوري فإن رئيس الدولة ينتخب عادة من طرف البرلمان، سواء كان يتكون من مجلس واحد (لبنان و سوريا سنة 1950) أو كان مكونا من مجلسين (كوريا الجنوبية، نيجيريا، تركيا، الباكستان، الهند). وقد تتبع بعض الدول مسطرة خاصة كدستور غانا لسنة 1969 الذي يجعل انتخاب الرئيس من اختصاص هيأة تتكون من بعض نواب المجلس وأربعة وعشرين عضوا من بين قادة القبائل.

وبغض النظر عن طريقة الانتخاب فإن ذلك لا يضعف من مركز رئيس الدولة لأنه غير خاضع للهيأة التي انتخبته إذ يعد غير مسؤول من الناحية السياسية ولا يمكن عزله إلا عند الخيانة العظمى أو خرق الدستور، وبمسطرة طويلة ومعقدة. وإذا كان رئيس الدولة في الأنظمة الجمهورية مسؤول مع ذلك عن الجنح والجنايات التي يقترفها، فإن رئيس الدولة في الأنظمة الملكية معفى من كل مسؤولية سياسية كانت أو جنائية.

 ب‌  -         الحكومة

تعتبر الحكومة وخاصة رئيسها الرأس الآخر للجهاز التنفيذي. وينبغي أن تتمتع الحكومة كهيأة وزارية بثقة البرلمان، ولذلك لا بد من موافقته على تعيين رئيس الدولة للوزير الأول ثم اختيار الوزراء من بين النواب. إن رئيس الدولة يعين الوزير الأول فقط وهذا الأخير هو الذي يختار الوزراء أعضاء الحكومة ويعرضهم على رئيس الدولة. وتختلف الإجراءات المعتمدة من نظام إلى آخر، فقد يتعلق الأمر بقبول ضمني من قِبل البرلمان لأعضاء الحكومة (1) أو قد تتبع إجراءات أمام البرلمان لتنصيب الحكومة(2).

1.     القبول الضمني: تستمد الحكومة وجودها في بعض الدول من تعيين رئيس الدولة وليس من تصويت البرلمان. إن الأمر يتعلق بقبول ضمني من طرف البرلمان، غير أن كل تصويت بالرفض من قبله يؤدي إلى استقالة الحكومة. وفي هذه الحالة يتمتع رئيس الدولة بسلطة واسعة في تعيين الوزراء: لبنان، الأردن، مصر (1923)، إيران (1906)، وكذلك المغرب إلى غاية 1992 حيث كان للملك حق تعيين الوزراء وإقالتهم دون أن يحتاج ذلك إلى تصويت البرلمان أو إلى موافقة الوزير الأول.

وفي الأنظمة البرلمانية ذات الجهاز التنفيذي المزدوج لابد للوزير الأول من الحصول على ثقة البرلمان وثقة رئيس الدولة في نفس الوقت. أما في الأنظمة ذات الرأس الواحد فإن البرلمان لا يتدخل إلا شكليا في تعيين الحكومة لأن قرار رئيس الدولة وحده كاف لتشكيلها.

ويلعب النظام الحزبي دورا مهما في تحديد مجال حرية رئيس الدولة في اختيار الوزير الأول. فهذه الحرية تتوسع في حالة التعددية الحزبية، كما أنها تتقلص إذا كانت تكريسا لواقع انتخابي.

2.     التنصيب: إن النظام البرلماني في بعض الدساتير يضمن تفوق البرلمان بسلطة الموافقة بالتصويت على أعضاء الحكومة من طرف رئيس الدولة. وهذا يؤدي إلى سقوط الحكومة في حالة رفض البرلمان للتعيين الصادر عن رئيس الدولة. وهو ما يطبق في الهند، والكامبودج،ولبنان، والمغرب انطلاقا من دستور 1992.

إن الحكومة في هذا النظام تستمد وجودها من تنصيبها من قبل البرلمان.

وتُسنَد إلى الحكومة إدارة السياسة الحكومية التي لا تدخل في نطاق مهام رئيس الدولة (لأنه غير مسؤول سياسيا أمام البرلمان)، لأنها هي التي تتحمل مسؤولية تطبيق هذه السياسة. وتنص بعض الدساتير على ذلك: الأردن، بوركينافاصو، الصومال، كوريا الجنوبية.

ثانيا: السلطة التشريعية

يمارس البرلمان السلطة التشريعية. وهو يتكون من غرفة واحدة أو غرفتين حسب ظروف كل مجموعة من البلدان:

·          فبعض الدول تعرف وجود غرفة ثانية كنتيجة لتركيبها الفيدرالي، إذ تمثل الغرفة الأولى المواطنين وتمثل الغرفة الثانية الولايات الأعضاء في الاتحاد: الهند، ماليزيا، نيجيريا، البرازيل، المكسيك، فنزويلا، الأرجنتين،...

·          كما أن هناك دول أخرى تهدف من تأسيس غرفة ثانية توجيه النظام عن طريق الحد من سلطة المجلس المنتخب بخلق غرفة ثانية غير منتخَبة.

·          أما بعض الدول الأخرى، فتعتمد غرفة ثانية لضمان تمثيل نخبة معينة مكونة من الأعيان أو ممثلي الغرف المهنية أو المجالس المحلية. فالأردن يعرف مجلس النواب إلى جانب مجلس الأعيان أو ممثلي الغرف المهنية أو المجالس المحلية. فالأردن يعرف مجلس النواب إلى جانب مجلس الأعيان الذي يعينه الملك، كما يوجد إلى جانب مجلس الشعب بمصر مجلس الشورى المعين. وقد تحدد لنصوص الدستورية طبيعة هذه النخبة: فقد نص الدستور العراقي لسنة 1924على أن "هذه النخبة تتألف من الأشخاص الذين اكتسبوا ثقة الشعب من خلال أعمالهم وماضيهم الحافل الشريف في خدمة الوطن"، كما تتشكل الغرفة الثانية في تايلاندا من "ذوي الكفاءات التقنية والفكرية المؤهلة لإدارة البلاد".

·          وتذهب دساتير دول أخرى في اتجاه تأسيس غرفة ثانية تتكون من أعضاء منتخبين وأعضاء معينين بنسب متفاوتة: أفغانستان، سريلانكا...

·          وتكتفي الدول البسيطة باعتماد برلمان من غرفة واحدة.

إن الاختيار بين برلمان مكون من غرفة واحدة أو غرفتين يقوم على أساس وأهداف متعددة، أهمها بالنسبة لدول العالم الثالث أن الغرفة الثانية تضمن تحقيق التوازن مع الغرفة المنتخَبَة بالاقتراع العام المباشر من أجل دعم الاستقرار الحكومي. وتتشبث دول أخرى بنظام الغرفة الواحدة رغم أن بعض المنظرين يعتبرون أن الازدواجية على مستوى السلطة التنفيذية يجب أن تقابلها ازدواجية على مستوى السلطة التشريعية لتفادي احتمال دكتاتورية برلمان قوي على حساب حكومة ضعيفة.

وقد عرف المغرب تطورا في هذا المجال إذ عرف في البداية برلمانا مكونا من مجلسين (1962)، ثم إدماجهما في مجلس واحد (1970،1972،1992)، وأخيرا تمت العودة إلى نظام المجلسين (1996).

أما من حيث الاختصاصات فإن المهمة الأساسية للبرلمان تتمثل في التصويت على القوانين وخاصة القانون المالي. إلا أن الملاحظ هو أن دور البرلمان أخذ يتقلص إلى مجال محدد (بناء على تأثير الدستور الفرنسي لسنة 1958).

وقد تعمد بعض الدول إلى منح الغرفتين اختصاصات متساوية، أو قد تعطي لإحداهما اختصاصات أقوى من الأخرى.

ثالثا: العلاقة بين السلطات

تقوم العلاقة بين السلطات في النظام البرلماني على أساس التعاون (أ) والتوازن (ب).

أ‌.        التعاون

رغم أن الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي يمارسان مهامهما الرئيسية، فإن كلا منهما يساهم في بعض وظائف الجهاز الآخر.

·          فالسلطة التنفيذية تساهم في وضع القوانين، وفي بعض الأنظمة تعطى الأسبقية لمشاريعها، ولرئيس الدولة حق طلب قراءة جديدة، كما أنه يمارس سلطة إصدار الأمر بتنفيذ القانون...

·          أما السلطة التشريعية فتساهم في أعمال السلطة التنفيذية عن طريق إقرار القانون المالي والتشريعات اللازمة، والمصادقة على المعاهدات، إضافة إلى مراقبة العمل الحكومي بوسائل مختلفة كالأسئلة الكتابية، والشفوية، والاستجوابات، والتحقيقات...

ب‌.     التوازن

يتحقق التوازن في النظام البرلماني من وسائل الضغط المتبادلة: المسؤولية السياسية (1) وحق الحل (2).

1.     المسؤولية السياسية

يقصد بهذا المبدأ بصفة عامة أن الحكومة لا يمكن أن تمارس السلطة إلا بعد الحصول على ثقة البرلمان. إن ممارسة الحكم رهينة باكتساب ثقة الأغلبية البرلمانية، وكل سحب لهذه الثقة يترتب عنه سقوط الحكومة. ولذلك لم يعد من الضروري أن يتمتع الوزراء بثقة رئيس الدولة والبرلمان في آن واحد إلا بالنسبة لعدد قليل من الدول: الأردن، المغرب، مصر، ماليزيا،...

وتعتبر المسؤولية السياسية الوسيلة الأساسية لممارسة البرلمان مراقبة حقيقية للعمل الحكومي. وهي تتعلق كما رأينا سابقا بعمل الوزراء لا بعمل رئيس الدولة. ويمكن أن تكون إما فردية أو جماعية، ولو أنه عادة ما يطبع هذه المسؤولية طابع التضامن الوزاري.

وتمارَس المسؤولية السياسية بمسطرتين مختلفتين حسب الطرف الذي يتخذ المبادرة:

·          طرح مسألة الثقة إذا تم ذلك بمبادرة حكومية.

·          ملتمس الرقابة إذا تم ذلك بمبادرة برلمانية

ونظرا لما يمكن أن تشكله هذه الإجراءات من خطر على الاستقرار الحكومي، فإن النظام البرلماني يفترض وجود أغلبية متماسكة، إلا أنها قد لا تكون متوفرة في حالة التعددية الحزبية. وقد عملت الدساتير على تنظيم هذه الإجراءات ببعض الصرامة.

فالحكومة ليست ملزمة بتقديم استقالتها إلا بعد طرح مسألة الثقة أو بعد تصويت إيجابي على ملتمس الرقابة تفاديا لإثارة المسؤولية الوزارية بشكل مفاجئ: الزايير، كوريا الجنوبية، المغرب، الأردن،...

كما أن الدساتير تنص على ضرورة احترام أجل معين بين طرح الملتمس والتصويت عليه: ثلاثة أيام في المغرب، خمسة أيام في الصومال، عشرة أيام في الأردن؛ وعادة لا يقبل ملتمس رقابة ثاني إلا بعد مدة معينة (سنة في المغرب)، إضافة إلى ضرورة التصويت بنسبة هامة من أعضاء المجلس: الأغلبية المطلقة من الأعضاء أو ثلثي الأعضاء.

2.     حل البرلمان

يقصد بهذا الإجراء العمل على عرض الخلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على الناخبين. ويعرف الحل بأنه قرار رئيس الدولة بوضع حد لممارسة البرلمان لمهامه قبل انقضاء المدة العادية لولايته التشريعية.

وتعتبر هذه الممارسة تحريفا للنظام البرلماني المطبق في بريطانيا مهد هذا النظام، حيث أن هذا الحق يملكه الوزير الأول.

إن الدساتير تخول هذا الحق لرئيس الدولة (رئيسا أو ملكا) ليمارسه بمقتضى سلطته التقديرية: الهند، الأردن، تايلاندا، المغرب... أو وفق شروط دقيقة للحد من فعاليته: كحالة حصر استعمال هذا الحق بعد وقوع أزمات وزارية متعددة، أو قد يمنع من استعمال هذا الحق خلال أجل محدد: 18 شهرا بعد انتخاب البرلمان الجديد في سوريا، وسنة بعد هذا الانتخاب في المغرب والصومال.

أما بالنسبة للدول التي تبنت ثنائية المجلس، فإن الحل قد يشمل مجلسي البرلمان (ماليزيا، نيجيريا، غينيا)، أو قد يقتصر على المجلس الممثل للسكان لوحده (مصر، الأردن).

الفرع الثاني: النظام الرئاسي

إذا كان النظام البرلماني في العالم الثالث، وخاصة في إفريقيا و آسيا، لا يتلاءم مع مرحلة البناء الوطني لمرحلة ما بعد الاستقلال، فإن الملاحظ أن هذه الدول سرعان ما تحولت إلى النظام الرئاسي. وبذلك انضافت إلى دول أمريكا الجنوبية التي تبنت هذا لنظام مباشرة بعد حصولها على الاستقلال دون المرور بالنظام البرلماني.

إن النظام الرئاسي إذ يعمل على تقوية السلطة التنفيذية ليمنحها إمكانية تأطير المواطنين بشكل يسمح بالمحافظة على الوحدة الوطنية الهشة، يعمل في نفس الوقت من الحد من سلطة الرئيس حتى لا تتحول إلى نظام دكتاتوري.

ويتميز النظام الدكتاتوري في شكله الأصلي كما تم تطبيقه في الولايات المتحدة الأمريكية بالفصل الكامل بين السلطات مع قيام توازن بينهما.

أولا: السلطة التنفيذية

يمارس رئيس الدولة السلطة التنفيذية بأكملها بما في ذلك السلطة التنظيمية. فهو الذي يسير السياسة الخارجية، وهو القائد الأعلى للقوات العسكرية، كما يوجه العمومية ويعين كبار الموظفين. وإذا كان مجلس الشيوخ الأمريكي يتدخل في مسطرة التعيين فإن ذلك لا يطبق في دول العالم الثالث.

كما أن الرئيس يتدخل في المجال التشريعي إما عن طريق الخطابات التي يوجهها للبرلمان، وإما عن طريق تقديم مشاريع قوانين بواسطة أعضاء حزبه.

ويلاحظ أن سلطة الرئيس تتسع في المجال التشريعي بواسطة حف الاعتراض على النصوص الصادرة عن البرلمان، وذلك قبل إصدارها، بشكل لا يُمَكن من إعادة إصدار نفس النص إلا بموافقة أغلبية الثلثين. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد نظام الاعتراض الشامل على النص كله قبولا أو رفضا، فإن دساتير أمريكا الجنوبية تعتمد صيغة الاعتراض الجزئي، أي أن رئيس الدولة يمكن أن يعترض على بعض الفصول من النص دون فصول أخرى.

أما في حالة الاستثناء، فإن سلطات الرئيس تتعزز، رغم أن مسطرة إعلانها تختلف من دولة إلى أخرى. ففي الفيليبين وبيرو وكولومبيا يملك الرئيس صلاحية اتخاذ هذا القرار، وفي المكسيك يلزمه قبل هذا الإعلان الحصول على موافقة مجلس الوزراء، في حين أن الشيلي تُخَوِّل هذا الحق للبرلمان وحده.

ثانيا: السلطة التشريعية
لقد تبنت معظم الدول ازدواجية التمثيل. ويعود ذلك أساسا إلى الطبيعة الفدرالية (المكسيك، البرازيل، الأرجنتين)، أو إلى الرغبة في تمثيل المجالس المحلية والهيئات المهنية. فالإكواتور مثلا تخصص 15 مقعدا داخل مجلس الشيوخ لممثلي المهن والتعليم والنقابات ومختلف المصالح الاقتصادية بالإضافة إلى التمثيل الجهوي وإلى تمثيل الجيش والأمن.

وقد أحدثت بعض الدساتير (المكسيك وبناما) لجنة دائمة منبثقة عن البرلمان مهمتها النيابة في الفترة الفاصلة بين الدورات.

أم من حيث الاختصاصات، فإن البرلمان إضافة إلى سلطته في مجال الميزانية، يمارس السلطة التشريعية بأكملها، لكن مع إمكانية تفويض تلك السلطة لفائدة سلطة أخرى: دستور نيكاراغوا يسمح بهذا التفويض خلال الفترة الفاصلة بين الدورات، أما دستور فنزويلا فقد سمح بهذا التفويض لصالح رئيس الدولة بصفة مؤقتة إذا كان الهدف هو حماية الحياة الاقتصادية والمالية للدولة، كما أن دستور كولومبيا سمح بذلك عندما تدعو الضرورة أو المصلحة الملحة.

ثالثا: العلاقة بين السلطات

يملك البرلمان بعض الوسائل لمراقبة العمل السياسي لرئيس الدولة الذي يمكن أن تُطَبَّق عليه مسطرة التهام التي تؤدي إلى إقالته. وخارج ذلك فإن الرئيس غير مسؤول سياسيا.

وقد تأثرت النظم الرئاسية في أمريكا اللاتينية، إضافة إلى الدستور الأمريكي، بالدستور الفرنسي للجمهورية الثالثة. ولذلك نلاحظ اعتماد بعض الوسائل التي تُعَد من تقنيات النظام البرلماني. ومن ذلك مثول الوزراء أمام المجلس للإجابة عن الأسئلة الموجهة إليهم وتقديمهم لتقرير سنوي حول نشاطهم، وكذلك مراقبة الوزراء ومؤاخذتهم بتوجيه التوبيخ لهم. وإذا كان هذا الأمر لا يصل إلى درجة المسؤولية السياسية للوزراء في جل الدول، فإنه قد يؤدي أحيانا إلى إقالة وزير أو عدة وزراء (البيرو وفنزويلا).

ويمكن القول بصفة عامة، أن النظام الرئاسي في أمريكا اللاتينية يتبع أساليب تخالف جوهر هذا النظام، إذ أن البرلمان الذي يملك دستوريا جميع السلطات التشريعية، يخضع في الواقع لإرادة رئيس الدولة.

المطلب الثاني: الأنظمة الدكتاتورية

إذا كانت مختلف تجارب العالم الثالث لم تؤدي عمليا إلى تطبيق كامل للديمقراطية، فإن أنظمتها كانت تميل إما إلى الأغلبية أو إلى حكم فردي. وهذا الاتجاه سهل المرور إلى مرحلة النظام الدكتاتوري الذي كان يُمارَس بأشكال مختلفة: منها الدكتاتورية العسكرية (أولا)، والدكتاتورية الحزبية (ثانيا)، و الدكتاتورية الفردية (ثالثا). ولكي يتم التخفيف من حدة هذا الأسلوب تم اعتماد نظام مختلط يرتكز على الهيمنة الرئاسية (رابعا).

أولا: الدكتاتورية العسكرية
إذا كان دور الجيش يقتصر بصفة عامة على القيام بدور الدفاع الوطني، فقد لاحظنا سابقا أنه يتجاوز ذلك في دول العالم الثالث إلى التدخل مباشرة في الحياة السياسية سواء لممارسة السلطة أو لقيادة المدنيين عند ممارستهم للسلطة. وقد انتشر هذا النظام خلال الستينات و السبعينات بشكل واسع في هذه الدول.

وعادة ما يتدخل الجيش بقوة للاستيلاء على السلطة وإلغاء النظام القائم. وبعد مرور بعض الوقت يحاول إقامة مؤسسات تضفي عليه طابع الشرعية: فيضع دستورا ويجري انتخابات تكرس له على الأقل رئاسة الدولة (مصر، سوريا، ليبيا، موريتانيا، الجزائر إلى عهد الشاذلي، إضافة إلى عدد واسع من الدول الإفريقية والآسيوية ومن أمريكا الجنوبية).

كما أن الجيش قد يعلن منذ البداية أن تدخله مؤقت إلى أجل يحدده هو بنفسه.

ونظرا لكون النظام العسكري قائم على الانضباط، فإن ذلك يجعل الجيش لا يقر أي اضطراب أو فوضى، لذلك فهو لا يرى في المطالب الشعبية إلا أعمالا للتخريب يحاربها بقوة.

وفي بعض الحالات نجد أن الجيش يستولي على الحكم بناء على عجز من الحكام المدنيين عن ممارسة السلطة نتيجة الاضطرابات الداخلية. وهذا ما حدث في بعض الحالات كانقلاب الطوغو 1963، وانقلاب الغابون 1964، وانقلاب الزايير 1965، وانقلابي بوركينافاصو وجمهورية جنوب إفريقيا سنة 1966...

كما أن الجيش قد يتزعم ثورة مبنية على مذهب مناهض للنظام القائم (مصر).

ويصعب تحديد العوامل التي تدفع الجيش للاستيلاء على السلطة:

¬ فقد يتعلق الأمر بدول كثيفة السكان أو بدول ضعيفة السكان؛

¬ وقد يتعلق الأمر بدول غنية (الزايير) أو بدول فقيرة ( النيجر)؛

¬ كما أن الأمر قد يتعلق بدول ترتكز على نظام الحزب الوحيد (مالي) أو دول تعتمد على التعددية (مصر)؛

¬ وأخيرا قد يتعلق الأمر بدول تطمح إلى تطبيق الاشتراكية (مالي، غانا) أو بدول موالية للغرب (النيجر).

ويُنظَّم الانقلاب من طرف جيش الهيئة أو من طرف مجموعة منه فقط، وذلك للإطاحة بنظام مدني، أو لقلب نظام عسكري في حالة نشوب خلاف على مستوى القيادة العسكرية (انظر لاحقا حالة موريتانيا).

أن النظام العسكري يوصف بالنظام الدكتاتوري لأنه يجمد العمل بالدستور أو يلغيه، وبالتالي يحكم بالشرعية القانونية، كما أن الحريات الديمقراطية تعرف تقليصا كبيرا، حيث يتم حظر نشاط الأحزاب، بل أن الأمر يصل إلى درجة إعلان نظام الأحكام العرفية (حالة بنغلادش).

وتعتبر ظاهرة منع الأحزاب من ممارسة المشاط السياسي ظاهرة عامة باعتبار أن الجيش يعتبرها المسؤولة عن فشل الحكم السابق.

ويمارس الجيش السلطة بواسطة تنظيمات غير دستورية، تتمثل في البلاغات والبيانات والمجالس العسكرية، التي تأخذ أسماء متعددة: مجلس الإصلاح الوطني، مجلس الثورة، مجلس التحرير الوطني، مجلس القيادة، مجلس الإنقاذ الوطني... بحيث يكون جل أعضاء الحكومة من العسكريين الذين قد يضاف إليهم بعض المدنيين على رأس بعض الوزارات الفنية.

وطبعا فإن هذا النوع من الأنظمة إما أن ينسحب تحت الضغط الشعبي، أو بعد أن يفي بالتزاماته بإرجاع السلطة إلى المدنيين (حالة السودان). إلا أن الوضعية الغالبة هي أن يستمر الحكم العسكري بشكل جديد مبنيا على دستور وانتخابات.

ثانيا: الدكتاتورية الحزبية
من بين الأنظمة السياسية التي ميزت دول العالم الثالث تركيز السلطة لفائدة حزب معين، قد يكون حزبا وحيدا أو حزبا مسيطرا. وإذا كان من الصعب وضع كل الأنظمة التي تعتمد أحد هذين النظامين بالدكتاتورية اعتبارا لضرورات دفعت بعض الدول إلى تبني هذا الأسلوب قصد المحافظة على الوحدة الوطنية، فإن بعض الحالات تمكن من إطلاق وصف الدكتاتورية لأن الحزب يكون هو الجهاز الرئيسي للحكم بحيث تكون المؤسسات الأخرى نابعة منه.

ومن خلال الممارسة تبين أن هذه الدكتاتورية الحزبية قد تتم دسترتها لتصبح ضمن مذهب الحكم، بحيث أن المشروعية الحزبية تحل محل المشروعية الوطنية أو الشعبية. ولذلك فإن الحزب السياسي لن يكون أداة للتعبير عن سياسة الشعب، بل مصدر السلطة السياسية (جبهة التحرير الوطنية الجزائرية في عهد الرئيس بن بلة وبومدين التي سندرسها لاحقا).

وفي حالة أخرى فإن الممارسة تذهب في اتجاه الاحتفاظ بالتعددية لكن مع سيطرة واقعية لحزب معين (الحزب الثوري التأسيسي بالمكسيك الذي سنشير إليه لاحقا).

وإذا كانت تجارب الدول الاشتراكية في اعتماد هذه الأنظمة الحزبية تقوم على أسس إيديولوجية، فإن تجارب دول العالم الثالث لم تؤد إلى تمكن الحزب من تأطير المواطنين بشكل جيد، وبالتالي فشلت التجربة نتيجة الضعف البنيوي للتنظيم الداخلي للحزب وقلة الأطر ولإبعاد الجماهير.

ثالثا: الدكتاتورية الفردية
بعد المراحل السابقة دخل العالم الثالث مرحلة دكتاتورية الرؤساء. إن هذا النظام الذي يرتكز ظاهريا على سند وتزكية الشعب وبواسطة دستور يركز السلطة في يد القائد. ويتم الجوء إلى أسلوب الاستفتاءات التي تكون بمثابة تزكية للرئيس (كامبودج، كوريا الجنوبية، مصر في عهد السادات...).

وفي بعض الحالات يتم اللجوء إلى الاقتراع الشعبي لاختيار الرئيس الذي يتمكن من ممارسة حكم دكتاتوري استنادا إلى تأييد شعبي. وقد وصلت الأمور إلى حد أن عمل بعض القادة على تقليص دور الدولة وتشخيصها فيهم. فبما أن القائد هو واضع الدستور فهو الذي يضع القواعد المناسبة لوضعيته حتى إذا كان الدستور موجود مسبقا فهو يؤول مقتضياته أو يعمل على مراجعتها حسب إرادته.

وتعتبر المادة الدستورية التي تمنع إعادة انتخاب الرئيس المادة الأكثر تعديلا في دول العالم الثالث: فقد تم هذا في الأرجنتين و البيرو، وفي كوريا الجنوبية تم إلغاء القاعدة التي تمنع الترشيح لولاية ثالثة، وفي الإكواتور أعيد انتخاب الرئيس خمس مرات ولم يتم عزله إلا بعد تدخل الجيش، وفي تونس خول الرئيس بورقيبة لنفسه سلطات رئيس الدولة مدى الحياة إلى أن تمت تنحيته في 7 نوفمبر 1987 بعد أن ثبت طبيا عجزه الكامل عن ممارسة السلطة...

يضاف إلى ما سبق عدم مسؤولية الرئيس سياسيا، وتعيينه للوزراء والقضاة وكبار الموظفين المدنيين والعسكريين، وصفته كقائد أعلى للقوات المسلحة، ورئاسته للحكومة، وتسييره للسياسة الداخلية والخارجية وجمعه لعدة وزارات... مما يجعله يقوم مقام الدولة (لقد كان رئيس جمهورية الغابون في بداية عهده وزير الدفاع الوطني والخارجية والإعلام والتخطيط). أما علاقته مع البرلمان فتتميز بفوق واسعة يجعل البرلمان جهازا لتزكية قرارات الرئيس. وتكتمل الوضعية برئاسته للحزب الوحيد أو الحزب القائد.

ولهذا ليس غريبا أن نجد في دستور الباراغواي ما يلي: "إن رئيس الدولة هو القائد الأعلى للدولة، والمسؤول عن حكم البلاد ولا يتقاسم الرئيس السلطة التنفيذية مع الحكومة، فهو الشخص الوحيد الذي يحكم، ولا يمثل الوزير الأول على الساحة السياسية إلا أحد أعوان الرئيس وحافظ سره".

إن وضعا كهذا، يجعل الدولة مركزة في شخص الرئيس، يجعل غياب القائد بمثابة فراغ. وهو ما فهمه منظمو الانقلابات الذين كانوا يستغلون وجود الرئيس خارج البلاد لعزله: فقد وقع الانقلاب ضد نكرومه وهو غائب عن غانا، وعلى أوبوتي وهو خارج أوغندا، وعلى النميري وهو في طريق عودته من أمريكا.

رابعا: نظام الهيمنة الرئاسية
للتخفيف من حدة الشكل الدكتاتوري، لجأت بعض دول العالم الثالث إلى نظام يمزج بين الديمقراطية والدكتاتورية، وهو نظام الهيمنة الرئاسية. فعوض أن يكون النظام لا يقبل أية معارضة منظمة فإنه يتم فتح هامش ديمقراطي يتم الوصول إليه عن طريق جمع بعض تقنيات النظام البرلماني و النظام الرئاسي، وحتى بعض تقنيات الدكتاتورية "المهذبة" (كما سماها الأستاذ عبد الهادي بوطالب).

ونكتفي هنا بالإشارة بإيجاز إلى بعض هذه التقنيات:

1. بالنسبة للأنظمة غير الملكية يتم انتخاب رئيس الدولة عن طريق الاقتراع الشعبي حتى لا يستمد سلطته من البرلمان، كما أنه في جل الحالات يتم تقديم مرشح واحد يتم اختياره بأشكال متعددة.

2. اتساع سلطات رئيس الدولة بشكل يجعله يمارس وظيفة رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

3. لجوء الرئيس إلى الاستفتاء الذي عادة ما يعتبر استفتاء للتزكية.

4. السلطات الواسعة للرئيس في حالة الأزمات.

5. منح الرئيس (أو السلطة التنفيذية) حق اقتراح القوانين.

6. الحضور والتدخل في المناقشات البرلمانية.

7. إعطاء الأولوية لمشاريع القوانين على اقتراحات القوانين.

8. حق الرئيس في قراءة ثانية للقانون.

9. إضعاف سلطة البرلمان عن طريق تحديد القانون أو اعتمادا على آليات الحزب الوحيد أو بناء على دعم الحزب المؤيد.

10. التحكم في عمل البرلمان عن طريق حق إصدار الأمر بتنفيذ القوانين دون أجل محدد.

11. تنفيذ سلطة البرلمان في المجال المالي.

12. إضعاف وسائل مراقبة البرلمان لمراقبة السلطة التنفيذية.

وعلى هذا الأساس أصبحت الهيمنة الرئاسية هي السائدة بين أنظمة دول العالم الثالث بحجة أن غياب هذه السلطة القوية للرئيس تجعل النظام عاجزا عن السير بانتظام. وطبعا هذا النوع من الهيمنة قابل لأن يتحول إلى دكتاتورية، إن لم تكن منظمة بنصوص دستورية تطبق في الواقع بأشكال دستورية.

القسم الثاني: مرحلة ما بعد منتصف الثمانينات

مع منتصف الثمانينات، عرف المجتمع الدولي تطورات كبيرة غيرت من طبيعة العلاقات الدولية. وهذه التغييرات كانت ناتجة أساسا عن تحولات داخلية عرفها النظام الداخلي للاتحاد السوفييتي. وذلك إضافة إلى عوامل ترجع إلى أسباب داخلية خاصة بكل دولة. وهكذا فبعد دراسة أسباب الأخذ بالنظام الديمقراطي أو العودة إليه (المبحث الأول) سنعالج مختلف الأشكال التي تم التوجه فيها إلى النظام الديمقراطي (المبحث الثاني).

المبحث الأول: أسباب الأخذ بالنظام الديمقراطي أو العودة إليه

تتعدد هذه الأسباب وتتداخل فيما بينها. فبعد صعود غورباتشوف إلى رئاسة الاتحاد السوفييتي وتطبيقه لمجموعة من الإصلاحات، سقط النظام الشيوعي المعتمَد في الدولة بشكل سريع. وهكذا تفككت الكتلة الاشتراكية وخاصة منها أوربا الشرقية، ثم تفككت دول الاتحاد السوفييتي نفسها. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تجاوزه إلى اعتماد الديمقراطية بمفهومها الغربي.

وطبعا، فإن تحولا مثل هذا، كان له الأثر الواسع على صعيد كل المجتمع الدولي. لقد اختفى الصراع الإيديولوجي الذي كان أساس الاستقطاب الدولي، وانتهت بذلك الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي و المعسكر الاشتراكي، ودخل المجتمع الدولي مرحلة جديدة، يبدو أن سمتها الأساسية هي هيمنة النظام السياسي الغربي المعتمد على التعددية الحزبية والديمقراطية.

و بما أن دول العالم الثالث كانت تنتمي إما لهذا المعسكر أو لذاك (رغم اعتمادها نظام عدم الانحياز)، فإنها وجدت نفسها ملزمة بإتباع النظام المهيمن.

لقد بدأ الرأي العام الدولي يهتم ويتتبع الشؤون الداخلية لكل الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان أو التي لا تطبق الديمقراطية الحقة. وبضغط من هذا الرأي العام بدأت الدول الغربية ترفع شعار الديمقراطية في تعاملها مع دول العالم الثالث، لدرجة وجدت معها هذه الأخيرة نفسها في وضعية لا تسمح لها بالخروج عن التيار العام.

إن دمقرطة المؤسسات، واحترام نتائج الاقتراع الحر، و الاعتراف بالتعددية الحزبية، وضرورة تراجع الأنظمة الدكتاتورية السافرة، أصبحت مطالب لا يمكن تجاهلها.

وقد ساهمت شعوب الدول المعنية في العالم الثالث برفع مطالب تهدف إلى تكريس الديمقراطية و أصبحت مطلبا شعبيا.

ففي القارة الإفريقية سادت ظاهرة المؤتمرات الوطنية التي يتم تنظيمها من أجل تحديد ملامح النظام الجديد. وقد كان الرؤساء المستبدون يمانعون في عقد هذه المؤتمرات لأنها عادة ما تؤدي إلى محاكمة رموز النظام القائم.

وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر الذي انعقد بدكار في ماي 1992 و الذي شاركت فيه غالبية الدول الإفريقية حول "الديمقراطية وإدارة المرحلة الانتقالية" و الذي أكد على ضرورة تهذيب العلاقات بين الحكومة والمعارضة، وذلك بأن تعترف الحكومة للمعارضة بحقها في أن تعارض، وأن تعترف المعارضة للحكومة بحقها في أن تحكم". وقد أشار المؤتمر بهذه المناسبة إلى أن إفريقيا السوداء عرفت ثلاثة وثلاثين نزاعا خلال الأربعين عاما الأخيرة سقط فيها أكثر من سبعة ملايين قتيل ذهبوا ضحية التعسف السياسي.

أما في أمريكا اللاتينية فقد سارعت إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية مكنتها من العودة إلى الحكم المدني الطبيعي.

وفي آسيا التي تتضمن مجموعة من الدول العربية فإن التغيرات غالبا ما كانت تأتي من مستويات عليا ولم تنجح إلا بعض التجارب المحددة.

المبحث الثاني: أشكال اعتماد الديمقراطية

من خلال هذه التطورات السابقة نلاحظ أن أشكال اعتماد الديمقراطية لا تخرج عن الأشكال التالية: إما تحولات شكلية (أولا) وإما تحولات وسط عنف واضطرابات (ثانيا) وإما تحولات حقيقية تمت بشكل هادئ (ثالثا).

ومع ذلك ينبغي أن نشير إلى أنه رغم سقوط النظم الشيوعية فإن بعضها مازال قائما (الصين، كوبا، كوريا الشمالية)، كما أن بعض الأنظمة لازالت لم تلتحق بالركب التحرري.

أولا: التحولات الشكلية
نقصد بالتحولات الشكلية مختلف الإجراءات التي تم اعتمادها للوصول إلى الديمقراطية دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغير في النظام القائم.

ففي الكامرون مثلا كان الرئيس "بول بيا" يرى أنه ليس هناك فائدة من عقد مؤتمر وطني مادامت الدولة قد رخصت بتعدد الأحزاب التي بلغ عددها 13 حزبا. إلا أن الانتخابات الرئاسية التي تمت في أكتوبر 1992 برهنت على أنه رغم التعددية ورغم تحالف أحزاب المعارضة فيما بينها داخل الجبهة الاجتماعية الديمقراطية، فإن ذلك لم يكن كافيا لنجاح مرشح هذه الأحزاب مادام أن الحزب الحاكم هو الذي تولى الإشراف على الانتخابات.

في أندنوسيا وسوريا والعراق وهي بلدان تحد من التعددية الحزبية كانت التغيرات تأتي من الأعلى، أما الدول الأخرى، ففتحت المجال أمام التعددية الحزبية دون أن يلحق النظام تغييرات حقيقية (انظر حالة موريتانيا لاحقا).

ثانيا: التغيرات العنيفة
عرفت بعض دول العالم الثالث النظام الديمقراطي (أو على الأقل الرغبة فيه) مسيرة من العنف من أجل تحقيق بعض المطالب.

ففي إفريقيا، فإن بعض الرؤساء لم يمانعوا في عقد مؤتمر وطني غير أنهم يقيمون في وجهه الحواجز حتى لا يفرض عليهم حل لا يقبلونه. ولعل أبرز مثال على ذلك موقف الرئيس "موبوتو سيسي سيكو". ونفس الحالة عرفتها الطوغو مع تصلب الجنرال "إياديما" الذي قام بهجمة شرسة على المواطنين نتيجة مطالبتهم بالديمقراطية. نفس الحالة عرفتها مالي قبل الإطاحة بالرئيس السابق الجنرال "موسى تراوري" حيث عمل مجلس التصالح الوطني على إعداد دستور جديد و إقرار ميثاق للأحزاب وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية بطريقة ديمقراطية. كما أن كونغو لم تعرف تغيرا إلا بعد سنتين من الهيجان السياسي.

أما في النيجر، فقد استولى "المؤتمر الوطني" على كل السلط، بما في ذلك التحكم في الجيش والدرك، كما منع الموظفين الكبار من وزراء وسفراء ونواب برلمانيين من مغادرة البلاد دون رخصة مسبقة، وحصر دور الحكومة في إدارة الأمور الجارية إلى أن يقوم نظام جديد. وقد تم بالفعل انتخاب مرشح المعارضة المشكلة في كتلة "الحركة الديمقراطية والاجتماعية" لرئاسة الدولة في آخر مارس 1993، وسجل ذلك نهاية الحكم العسكري الذي استمر في النيجر عشر سنوات.

وقد تطورت الأحداث في بلدان إفريقية أخرى في اتجاه التصلب والعنف إلى أن تحولت إلى حرب أهلية. وهذا ما حدث في كل من إثيوبيا، والصومال، و أنغولا، وليبيريا، ورواندا.

كما أن بلدان المنطقة الإفريقية الناطقة بالإنجليزية بدأت بدورها تنادي بالتحرر الديمقراطي، خاصة في البلدان الخاضعة لنظام الحزب الوحيد مثل كينيا، وتنزانيا، وسيراليون.

ورغم صعوبة المخاطرة وما ترتب عنها من مآس للكثير من البلدان الإفريقية، يبقى من الثابت أن التوجه الديمقراطي توجه لا رجعة فيه، سيما أن عددا آخر من الدول الإفريقية توصل إلى تحقيق هذا المطمح دونما طغيان من جانب أو جانب آخر.

أما في آسيا، فإن انتصار الثورة الإسلامية فتحت المجال للدين كعنصر مؤثر وقوي (كذلك حالة أفغانستان).

غير أن هذا التيار يلاقي معارضة قوية من طرف الأنظمة القائمة تتهمه بالتعصب واختيار أسلوب العنف بدل أسلوب الحوار. وقد دلت التجربة الجزائرية بعد تكريس التعددية الحزبية على استحالة التساكن بين لتيار الديني وبين التيارات الأخرى، خاصة منها الأحزاب ذات الترعة العلمانية. (انظر التجربة الجزائرية لاحقا بتفصيا).

كما مانعت من جهتها بعض الحكومات كتونس ومصر في الاعتراف بالتيار الديني كتنظيم سياسي، لأنه في رأيها لا يقبل الامتثال للقوانين الدستورية المعمول بها.

ويخشى أن يواجه التحرك الإسلامي في آسيا بتعصب المنتمين لمعتقدات أخرى، مما قد يترتب عن التصعيد لعمليات العنف. وهذا ما وقع في عدة مرات بالهند، وسيريلانكا، ويوغسلافيا منذ انقسامها إلى جمهوريات عرقية ودينية.

ثالثا: التغيرات الحقيقية
وعلى العكس مما سبق، انتقلت بعض التجارب إلى الممارسة الديمقراطية بشكل هادئ بصفة عامة.

وقد امتازت في هذا المجال التجربة البينينية بالرصانة، حيث توصل المؤتمر الوطني الذي انعقد في يناير 1990، إلى تحقيق النظام التعددي بدل النظام الماركسي، دون أن يؤدي ذلك إلى اصطدامات، ودون أن يمس بحرية وكرامة الرئيس السابق "ماتيو كيريكو"، الذي غادر الرئاسة مغادرة طبيعية، بعد انهزامه في الانتخابات بصفة ديمقراطية.

وتوالت التجارب لتعم بعض البلدان الإفريقية سنة 1993 التي يمكن اعتبارها سنة الانتخابات والتغيير. فكما حدث في بينين، تم التغيير الديمقراطي و التناوب على الحكم بانتصار المعارضة في كل من ساوطومي وفي مدغشقر، وزامبيا، والرأس الأخضر...، حيث تفوق زعماء المعارضة على الرؤساء السابقين وهم في موقع مسؤوليتهم. بل هناك من البلدان ما حقق مسلسل الانتخابات الديمقراطية دون اللجوء إلى إحداث مؤتمر وطني، وهذا ما حدث بالفعل في كل من غانا، وساحل العاج، والسنغال، بحضور مراقبين أجانب وباحتدام المعركة بين الرئيس ومنافسيه، لما وفرته عملية الانتخابات من ضمانات كفلت مساواة الحظوظ بين المتنافسين.

وفي أمريكا اللاتينية، أجريت سنة 1990 انتخابات رؤساء جدد في نيكاراغوا والأرجنتين والبرازيل والشيلي والبيرو.

كما نجحت التحولات في الفيليبين وباكستان وكوريا الجنوبية حيث انتصر تيار الحكم الديمقراطي.

أما تجربة كامبوديا فتميزت بتنظيم انتخابات ديمقراطية تحت مراقبة الأمم المتحدة انتهت بتفوق أهم أحزاب المعارضة "الجبهة الموحدة لكامبوديا المستقلة" التي يرأسها الأمير "رانا ريد" نجل الملك "نورودوم سيهانوك".



دراسة النماذج

دراسة خاصة بالأنظمة السياسية في أقطار المغرب العربي

 تتميز أقطار المغرب العربي بخصائص مشتركة عديدة، تتمثل أهمها فيما يلي:

-              الانتماء العربي والتطلع إلى الوحدة.

-              الانتماء للعالم الإسلامي.

-              تشكيل المغرب العربي الكبير.

-              الانتماء الإفريقي و العالم ثالثي، وبالتالي إلى مجموعة عدم الانحياز.

-              الخضوع للاستعمار الأجنبي المتمثل خاصة في الاستعمار الفرنسي أساسا، إلى جانب خضوع بعض المناطق إلى إسبانيا أو إلى إيطاليا.

والملاحظ هو أنه لفهم الأنظمة السياسية لهذه الأقطار، ينبغي الإشارة إلى :

-              أغلبية هذه الدول عرفت في مرحلة ما بعد الاستقلال سيطرة نظام الحزب الواحد.

-              الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية في توجيه النظام السياسي.

وسنقتصر على ثلاث تجارب: المغرب، والجزائر، وموريتانيا.

 المبحث الأول: التجربة المغربية

إن التركيز في البداية على التجربة المغربية نابع من أسباب عديدة ترجع أساس إلى العوامل التالية:

-              يتعلق الأمر بتجربة غنية بالأحداث والوقائع.

-              إنها تجربة تمت في إطار التعددية الحزبية التي حرمت منها –لفترة طويلة- العديد من مجتمعات العالم الثالث الأخرى.

ويمكن دراسة هذه التجربة من خلال ثلاث مراحل ندرس كلا منها في فرع مستقل.

الفرع الأول: مرحلة ما قبل الحماية

تميزت بداية القرن العشرين بحادثين مهمين:

-                الدعوة إلى تطوير الحكم نحو الديمقراطية الدستورية.

-              الحملة الاستعمارية الأوربية على المغرب.

ويمكن هنا الإشارة إلى:

*               تكوين مجلس الأعيان سنة 1905 (في عهد السلطان عبد العزيز) وذلك للرد على "مشروع الإصلاحات" التي قدمها السفير الفرنسي في طنجة إلى السلطان والتي تريد فرنسا إدخالها إلى المغرب. وقد انتهى هذا المجلس إلى عدم قبول هذا المشروع.

*               ظهور مجموعة من الدساتير:

Ø            المشروع الذي ينسب إلى كاتب مجهول.

Ø            مذكرة الحاج على زنيبر التي سماها "حفظ الاستقلال ولفظ سيطرة الاحتلال"، والتي تضمنت بعض النقط الدستورية وبعض النقط الإصلاحية.

*               الشروط الدستورية التي كتبت من طرف علماء وطنيين، والمرتبطة ببيعة السلطان عبد الحفيظ بعد عزل أخيه عبد العزيز سنة 1908، وتعتبر في جوهرها نوع من التوجه إلى الملكية الدستورية.

*               مشروع دستور 1908 الذي نشر بجريدة "لسان المغرب" التي كانت تصدر في طنجة، والذي يعد مشروع دستور كامل.

   الفرع الثاني: مرحلة عهد الحماية

فرض نظام الحماية على المغرب في 30 مارس 1912. وتميزت هذه المرحلة بصدور العديد من النصوص القانونية المكتوبة، وإقامة العديد من المؤسسات. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى الأحداث الأساسية التالية:

*               إحداث مجلس شورى الحكومة في 18 مارس 1919 الذي كان يضم إلى جانب القسم الفرنسي قسما مغربيا. وقد كان هذا المجلس يقوم بدراسة الشؤون المالية والاقتصادية والاجتماعية وتقديم آرائه الاستشارية إلى المقيم العام. أما بالنسبة لمنطقة النفوذ الإسباني في الشمال، فقد بقيت تحت السلطة المدنية والدينية للسلطان لكنها تدار من قبل خليفة يختاره السلطان وذلك تحت رقابة مفوض سامي إسباني. أما بالنسبة لمنطقة طنجة، فقد وضع لها نظام خاص بموجب اتفاقية ديسمبر 1923.

*               دستور الحرب التحريرية بالريف سنة 1921، والذي جاء بعد تحرير مناطق من الاستعمار، من أجل إيجاد تنظيم دستوري تسير عليه حكومة الثورة.

*               المطالبة بالديمقراطية من خلال كتلة العمل الوطني التي وضعت "برنامج الإصلاحات المغربية" بتاريخ فاتح ديسمبر 1934. ويمكن تلخيص هذا البرنامج في المطالبة بالحريات العامة من ناحية وتنظيم المجالس التمثيلية من ناحية أخرى.

*               المطالبة بالاستقلال من خلال وثيقة 11 يناير 1944 الشهيرة.

الفرع الثالث: مرحلة ما بعد الاستقلال

المطلب الأول: قبل صدور دستور 1962

أولا: تجربة المجلس الوطني الاستشاري
أحدث هذا المجلس بالظهير الملكي الصادر في 3غشت 1956. وهو عبارة عن مجلس استشاري معين يدلي برأيه في الميزانية العامة للدولة، كما يستشار في جميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرض عليه. وقد كان يمثل جميع التيارات آنذاك، واستمر هذا المجلس في مزاولة مهامه إلى غاية 23 ماي 1959. (كان المجلس تحت رئاسة المهدي بن بركة).

ثانيا: صدور العديد من النصوص القانونية الهامة، التي صدرت بعد العهد الملكي الوارد بخطاب 8 ماي 1950، والتي نذكر منها:

-           قوانين الحريات العامة الصادرة في 15 نوفمبر 1958 المتعلقة بالصحافة والجمعيات والتجمعات العمومية. (وقد تم تعديلها في 13 أبريل 1973).

-           القانون الانتخابي الصادر بفاتح سبتمبر 1959 والذي تعرض لعدة تعديلات لاحقة.

-           قانون المجالس الحضرية والقروية الصادر بظهير 23 يونيو 1960. (والذي تم تجديده في 30 سبتمبر 1976).

-           قوانين الغرف المهنية المنظمة لغرف الصناعة والتجارة العصرية (6 يناير 1958)، وللغرف الفلاحية (24 أكتوبر 1962)، وغرف الصناعة التقليدية (28 يونيو 1963)، التي تعرضت لاحقا لعدة تعديلات.

ثالثا: محاولات وضع الدستور
-           في 14 يوليوز 1960 أعلن الملك عن تعيين مجلس تأسيسي مكلف بوضع مشروع دستور. وقد تشكل من أعضاء يمثلون رجال العلم والقضاء والدين والقانون والمنظمات الوطنية والأقاليم وشخصيات أخرى. إلا أن هذا المجلس جمد أعماله بنفسه على إثر خلافات ظهرت عند انتخاب رئيسه.

-           في 2يونيو 1961 صدر القانون الأساسي المتضمن للكثير من المبادئ الدستورية: المغرب مملكة عربية إسلامية، الإسلام دين الدولة الرسمي، العربية لغة البلاد الرسمية، متابعة الكفاح لاستكمال وحدة البلاد الترابية، مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، التزام الدولة بصيانة كرامة الأشخاص وكفالة الحريات الخاصة والعامة، فصل السلط واستقلال القضاء لضمان العدل، إقرار نظام استقلالي لتحقيق العدالة الاجتماعية وتنمية الإنتاج، تكفل الدولة بالتعليم وفق توجيه وطني عربي إسلامي، التزام عدم التبعية...

المطلب الثاني: التجارب الدستورية من خلال الاستفتاءات والانتخابات
أ‌  -        الاستفتاءات الدستورية

عرف المغرب مجموعة من الاستفتاءات الدستورية التي كانت محطات هامة لفتح مناقشات واسعة حول النظام السياسي بالبلاد. وقد عرف المغرب الاستشارات التالية:

1.     استفتاء 7 ديسمبر 1962

كان بمناسبة الدستور الأول، وتميز بحملة عكست انقسام الآراء إلى:

-           اتجاه مؤيد: حزب الاستقلال، الحركة الشعبية، (المحجوبي أحرضان وعبد الكريم الخطيب)، الأحرار المستقلون (أحمد رضا كديرة).

-           اتجاه معارض: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحزب الديمقراطي الدستوري (حسن الوزاني)، الحزب الشيوعي (المنحل)، الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

وقد كانت هذه الخلافات بين الأحزاب السياسية حول طريقة إعداد الدستور واضحة: فالاتحاد الوطني للقوات الشعبية مثلا كان يرى ضرورة انتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور، بينما كان حزب الاستقلال يعتقد أن حصول المغرب على دستور –ولو كان معدا من طرف هيئة غير منتخبة- خطوة في طريق النظام الدستوري، هذا إضافة إلى خلافات أخرى حول طبيعة النظام السياسي.

أما نتائج الاستفتاء فكانت في صالح الاتجاه الأول.

2.     استفتاء 24 يوليوز 1970

يتعلق الأمر بالاستفتاء حول الدستور الثاني الذي جاء عقي حالة الاستثناء التي عرفتها البرد من سنة 1965 إلى غاية تاريخ الإعلان عن هذا الاستفتاء من خلال خطاب 8 يوليوز 1970. وقد كانت الآراء منقسمة بشأنه بين:

-            المؤيدون: الحركة الشعبية و الحزب الديمقراطي الدستوري.

-           المعارضون: حزب الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب التحرر والاشتراكية، والنقابات (العمالية والطلابية).

-           مع سكوت الحزب الاشتراكي الديمقراطي (أحمد رضا كديرة).

وقد أسفرت نتيجة الاستفتاء عن فوز أنصار "نعم".

3.     استفتاء فاتح مارس 1972

بعد توقيف التجربة البرلمانية الثانية، أعلن الملك في شهر فبراير 1972 عن نيته في عرض مشروع دستور جديد على الاستفتاء الشعبي. وقد قررت الكتلة الوطنية عدم المشاركة (الاستقلال والاتحاد الوطني). وكانت النتائج أيضا في صالح الاتجاه المؤيد للدستور.

4.     تعديلات ماي 1980

ويتعلق الأمر باستفتاءين. أحدهما حول تخفيض سن الرشد القانوني لولي العهد وحول مجلس الوصاية (23ماي)، والثاني حول تمديد الولاية التشريعية بسنتين لتصبح 6 سنوات بدلا من 4 (30ماي ).

5.     استفتاء 4 سبتمبر 1992

وقد تم على إثر الخطاب الملكي في 20 غشت 1992. فتم عرض مشروع دستور جديد على الاستفتاء الشعبي بتاريخ 4 سبتمبر 1992. ويلاحظ هنا مرة أخرى أن حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي تبنت موقف عدم المشاركة (وكذلك المنظمات النقابية الأساسية)، بينما شارك حزب التقدم والاشتراكية بالتصويت بنعم إلى جانب الأحزاب الموالية للحكومة: التجمع الوطني للأحرار، الحزب الوطني الديمقراطي، الحركة الشعبية، الحركة الوطنية الشعبية، الاتحاد الدستوري.

أما حزب الطليعة الاشتراكي فقد اتخذ قرار المقاطعة.

هذا، ونشير إلى مذكرة حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي التي تقدما بها في  9أكتوبر 1991 إلى جلالة الملك، سجلا فيها الخطوط العريضة للتغيرات التي يريان ضرورتها في الدستور.

 وقد عرف هذا الدستور تعديلا جزئيا يتعلق بتغيير السنة المالية. وهو تغيير تمت المصادقة عليه بالإجماع بتاريخ 15 سبتمبر 1995.

6.     استفتاء 13 سبتمبر 1996

خلال هذا الاستفتاء الدستوري الأخير، يلاحظ أن الاتحاد الاشتراكي قد صوت لأول مرة تصويتا إيجابيا لصالح الدستور إلى جانب حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، والأحزاب التقليدية التي دأبت على التصويت بنعم. أما الموقف المعارض فقد بقي لدى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي (التي أدى موقفها هذا إلى انشقاق جناح لتشكيل الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، والأحزاب والتنظيمات اليسارية الصغرى.

وقد أدى هذا الموقف الجديد إلى دينامية جديدة في السياسة الداخلية تتمحور حول توفير جو ملائم لانتخابات حرة ونزيهة والتراضي حول القوانين الأساسية (قانون الجهة، القانون الانتخابي) وحول التحضير للتناوب على السلطة.

ب‌  -    الانتخابات

1.     الانتخابات الجماعية
*               انتخابات 29 ماي 1960

تم انتخاب أعضاء المجالس البلدية والقروية بتاريخ 29 ماي 1960 وذلك لولاية جماعية تبلغ مدتها ثلاث سنوات. ورغم انتقاد بعض الأحزاب للسلطات المقلصة للجماعات، وللوصاية المفروضة عليها، ولأسلوب الاقتراع الفردي ذي الدورة الواحدة، وكذلك تقسيم الدوائر الانتخابية،... فإن الحملة الانتخابية كانت شديدة بين حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والحركة الشعبية.

لقد حصل حزب الاستقلال على 45 ٪ من الأصوات مما مكنه من حوالي 5000 مقعدا (أي 40 ٪ من المنتخبين)، وحصل الاتحاد الوطني على 30 ٪ من الأصوات وبالتالي 2000 مقعدا (أي 23 ٪ من المقاعد)، كذلك حصل الأحرار على 25 ٪ من الأصوات.

*               انتخابات يوليوز 1963

مرت هذه الانتخابات في جو مشحون نتيجة أحداث مؤامرة 1963 التي تلتها اعتقالات دفعت الاتحاد الوطني وحزب الاستقلال إلى مقاطعة هذه الانتخابات. فكانت هذه النتائج في صالح جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي حصلت على ما يفوق 10.000مقعدا (90.16٪).

والملاحظ أن الولاية الجماعية كانت لمدة ثلاث سنوات (أي من 1963 إلى 1966)، لكن ظروف حالة الاستثناء دفعت إلى تمديد فترتهم ثلاث سنوات أخرى إلى غاية 1969.

*               انتخابات 3 أكتوبر 1969

مرت هذه الانتخابات إبان حالة الاستثناء، دون أن بقع أي تغيير على مستوى الإطار القانوني للجماعات المحلية.

وقد اتخذت بعض الأحزاب قرارا بعدم المشاركة:

-        حزب التحرر والاشتراكية قرر عدم المشاركة.

-        الاتحاد الوطني قرر مقاطعة الانتخابات سواء على مستوى الترشيحات أو الحملة الانتخابية.

-        حزب الاستقلال قرر المقاطعة مع ترك الحرية للأعضاء للترشيح بصفة شخصية.

-        الحركة الشعبية بذلت جميع الجهود لإنجاح هذه الانتخابات.

لهذه الأسباب مرت هذه الانتخابات في جو من عدم الاكتراث نتيجة غياب صحف المعارضة. فجريدة التحرير الناطقة باسم الاتحاد الوطني، والطليعة ثم الكفاح الوطني بالنسبة لحزب التحرر والاشتراكية كانت غائبة نتيجة منعها. إضافة إلى أن الإذاعة والتلفزة وجريدة الأنباء وصحافة مارس كانت تعبر عن آراء الحكومة فقط. كما أن الانشغال بتغطية أحداث المؤتمر الإسلامي (من 21 إلى 28 سبتمبر 1969)، غطى على الحملة الانتخابية.

وقد حصد الأحرار (المحايدون 82٪ من المقاعد أي ما يفوق 9000 مقعدا) متبوعين بالحركة الشعبية التي حصلت على 12٪ من المقاعد أي ما يفوق 1400 مقعد.

*               انتخابات نوفمبر 1976

جاءت هذه الانتخابات مباشرة بعد تحرير الصحراء والجو السياسي الجديد بالبلاد، وقد كانت نتائجها كما يلي:

-        الأحرار: 8582 مقعدا (94.24٪ من المقاعد) مع 616 رئاسة.

-        حزب الاستقلال: 2184 مقعدا مع 72 رئاسة.

-        الحركة الشعبية: 1045 مقعدا (84 رئاسة).

-        الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 874 مقعدا (24 رئاسة فقط نتيجة تحالف الاستقلال والأحرار).

-        الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية (عبد الكريم الخطيب): 542 مقعدا (26 رئاسة).

-        الاتحاد الوطني للقوات الشعبية: 113 مقعدا.

-        حزب العمل (عبد الله الصنهاجي): 58 مقعدا.

-        حزب التقدم والاشتراكية: 26 مقعدا.

-        الحزب الديمقراطي الدستوري (محمد حسن الوزاني): 19 مقعدا.

-        الحزب الحر التقدمي (أحنوش أحمد والحاج): 5مقاعد.

*               انتخابات 1983

وقد كان من المقرر أن تنتهي ولايتها خلال سنة 1989، إلا أنه تم تمديدها بسنتين، أي إلى غاية 1992 لأسباب ترتبط بما كان مطروحا آنذاك حول الاستفتاء في الصحراء المغربية.

*               انتخابات أكتوبر 1992

-        التجمع الوطني للأحرار: 4829 مقعدا

-        اللامنتمون 3111 مقعدا

-        الاتحاد الدستوري: 2992 مقعدا

-        حزب الاستقلال: 2796 مقعدا

-        الحركة الشعبية: 2667 مقعدا

-        الحزب الوطني الديمقراطي: 1704 مقعدا

-        الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 1565 مقعدا

-        حزب التقدم والاشتراكية: 184 مقعدا

-        حزب الشورى والاستقلال: 83 مقعدا

-        حزب العمل: 28 مقعدا

-        الحركة الشعبية الديمقراطية: 3 مقاعد.

وقد تميزت الحملة الانتخابية بإلغاء ترشيح ما يزيد عن 400 مرشح بتهمة الاتجار في المخدرات، وذلك تحت تأثير المعارضة. كما أن المشاركة لم تتعدى 74٪، وأن عدد الأوراق الملغاة بلغ قرابة 700 ألف.

2.     الانتخابات التشريعية والتجارب البرلمانية
*               انتخابات 1963 والتجربة البرلمانية الأولى

بعد المصادقة على دستور 1962، عاش المغرب تجربة جديدة في إطار مناخ سياسي غير ملائم، لأن المواقف والتناقضات السابقة ظلت مخيمة على العلاقات بين الفاعلين السياسيين بالبلاد، وأثرت بشكل سلبي على فرصة تكريس تقاليد ديمقراطية.

إضافة إلى ذلك، فإن الحملة الانتخابية والنتائج نفسها لم تسمح بتطوير التجربة. لقد تركزت الحملة الانتخابية أساسا بين حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي أسسها أحمد رضا كديرة الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الداخلية لجميع التنظيمات الموالية للحكومة ومجابهة المعارضة (وقد ضمت الأحرار المستقلين والحركة الشعبية والحزب الديمقراطي الدستوري).

وقد كانت نتائج انتخابات 17 ماي 1963كما يلي:

-        حزب الاستقلال: 41 مقعدا.

-        الاتحاد الوطني للقوات الشعبية: 28 مقعدا.

-        جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية: 69 مقعدا.

-        غير المنتمون: 6 مقاعد.

وقد أفرزت هذه النتائج مفاجآت لم تكن منتظرة:

-        بالنسبة لحزب الاستقلال: نجاح علال الفاسي وعبد الخالق الطوريس، وفشل بوستة والقادري والدويري.

-        بالنسبة للاتحاد الوطني: نجاح عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة وبن جلون، لكن انهزم اليوسفي في طنجة أمام مرشح جبهة الدفاع.

-        بالنسبة لجبهة الدفاع: فشل زعماء الجبهة من بينهم الوزراء السبعة: بوطالب، إدريس السلاوي، الوزاني، أحرضان، بلعباس، بنهيمة، مولاي امحمد العلوي، وتمكن رضا اكديرة من الفوز.

وفي 2 يناير 1964 تمت إعادة الانتخابات في 7 دوائر نتيجة الطعون المقدمة فتحولت النتائج إلى: 40، 27، 71، 6.

وبما أن البرلمان كان يتكون من غرفتين فإن انتخابات الغرفة الثانية (مجلس المستشارين) قد تمت في 13 أكتوبر 1963، وهي انتخابات قاطعها حزب الاستقلال والاتحاد الوطني والاتحاد المغربي للشغل احتجاجا على عدم وجود ظروف حسنة للانتخاب، مما مكن جبهة الدفاع من الحصول على ما يفوق 104 مقعد. بل أن هذه الأحزاب قاطعت كل الانتخابات الموالية: المحلية والإقليمية والمهنية.

وبناء على ذلك تشكلت الحكومة في 13 نوفمبر 1963، وكان أغلبية أعضائها من الجبهة. إلا أن الانقسامات داخلها وعدم الانسجام لم يجعل هذه الحكومة تدوم طويلا. فالحركة الشعبية كانت تطالب بحقائب وزارية أكبر، كما أن الصراع بين أحرضان والخطيب قد توسع، وإنشاء رضا اكديرة لحزبه الخاص في أبريل 1964 (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) كانت عوامل في غير صالح الأغلبية.

وهكذا مرت هذه التجربة البرلمانية الأولى في جو يسوده الصراع الشديد بين المعارضة والأغلبية الحكومية سواء داخل البرلمان أو خارجه.

فالأنشطة التشريعية للبرلمان الأول كانت ضعيفة وتتمثل في:

-        قانون توحيد المحاكم وتعريبها ومغربتها وقد صدر بالإجماع.

-        قانون الاقتطاع من أجور الموظفين كضريبة.

-        قانون إنشاء محكمة عدل خاصة بجنايات الغدر والرشوة واستغلال النفوذ.

-        تعديل قانون الصحافة.

-        التصميم الثلاثي (1965-1967) الذي قدمته الحكومة في 22 مارس 1965.

-        ميزانية 1964، وميزانية 1965.

لكن يبقى ملتمس الرقابة الذي تقدم به فريق الاتحاد الوطني في 15 يونيو 1964 ضد الحكومة أهم حدث عرفته هذه التجربة.

وقد عقد البرلمان أيضا دورة استثنائية بعد خلاف حاد تم رفعه إلى التحكيم الملكي. فالدورة كانت بمبادرة من حزب الاستقلال، إلا أن الأغلبية الحكومية أعلنت عن عزمها على عدم حضورها. وقد أقر التحكيم الملكي مشروعية هذه الدورة.

ولم يتمكن البرلمان من إنهاء مدته نظرا لإعلان حالة الاستثناء بتاريخ 7 يونيو 1965 نتيجة أحداث الدار البيضاء، واشتداد الخلافات بين الأغلبية والمعارضة.

*               انتخابات 21 و 28 غشت 1970 والتجربة البرلمانية الثانية

على إثر صدور دستور 1970 أجريت انتخابات 21 غشت 1970 لانتخاب 90 عضوا بالاقتراع المباشر، و 28غشت لانتخاب 150 عضوا للاقتراع الغير المباشر لتمثيل الجماعات (90مقعدا) والهيئات المهنية (60مقعدا).

وقد مرت في ظروف سادتها الكتلة الوطنية التي تشكلت من حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 28 يوليوز 1970، والنقابات التابعة لها (الاتحاد المغربي للشغل، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب)، إضافة إلى عدم مشاركة الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية التي يترأسها عبد الكريم الخطيب والتي انفصلت عن الحركة الشعبية (المحجوبي أحرضان)، والحزب الديمقراطي الدستوري الذي أعلن عدم المشاركة، وسكوت الحزب الاشتراكي الديمقراطي (رضا اكديرة).

وقد جعلت هذه المقاطعة الحركة الشعبية المشارك الوحيد إضافة إلى بعض الترشيحات المستقلة. فجاءت النتائج كما يلي:

-        الاقتراع المباشر:

غير المنتمون: 64

الحركة الشعبية: 21

حزب الاستقلال: 04 (يتعلق الأمر في الحقيقة بمنشقين عن الحزب)

اتحادي منشق عن الاتحاد: 01

-        الاقتراع الغير المباشر: فوز ساحق للأحرار.

 ولعل هذا ما جعل وزير الداخلية يعلن في مؤتمره الصحفي المنعقد بتاريخ 29 غشت: " إن المجلس يضم 219 نائبا مؤيدا للحكومة من أصل العدد الإجمالي البالغ 240 عضوا".
إلا أن أحداث صيف يوليوز 1971 لم تسمح للبرلمان أن يستمر طويلا. مما أدى إلى تجميد نشاط المجالس وتوقيف العمل بالدستور وفتح مفاوضات مع المعارضة.

*               انتخابات 1977 و 1984 والتجربة البرلمانية الثالثة والرابعة

لقد أجريت الانتخابات التشريعية الأول في ظل دستور 1972 بتاريخ 3 يونيو 1977 لاختيار ثلثي أعضاء مجلس النواب بالاقتراع المباشر.

إلا أن النتيجة النهائية للانتخابات المباشرة أو الغير المباشرة أسفرت عن فوز كبير لحزب حديث: التجمع الوطني للأحرار (الذي يرأسه وزير أول سابق)، والذي "تمكن من الحصول على الأغلبية المطلقة في مجلس النواب أي 141 مقعدا من بين 264 مقعدا آنذاك (وقد انقسم هذا التنظيم لاحقا بسبب انشقاق حصل تحت اسم الحزب الوطني الديمقراطي)، وفاز حزب الاستقلال ب51 مقعدا، والحركة الشعبية ب44 مقعدا، أما المعارضة فلم يعترف لها إلا ب16 مقعدا: 15 مقعدا للاتحاد الاشتراكي ومقعد واحد لحزب التقدم والاشتراكية (كما فاز حزب العمل بمقعدين).

وقد شكل "سقوط" عبد الرحيم بوعبيد أهم حدث في هذه الانتخابات. كما تبينت عيوب الاقتراع الفردي حيث حصل الحزب الديمقراطي على 29 مقعدا بواسطة 625786 صوتا، في حين لم يحصل الاتحاد الاشتراكي إلا على 15 مقعدا ب783541 صوتا.

أما نشاط مجلس النواب خلال هذه الولاية، فيمكن حصره في نقطتين:

¬          العمل التشريعي: تقدمت الحكومة ب 153 مشروع قانون صادق المجلس على 131 منها:

-        84 مشروعا يتعلق بميادين التشريع.

-        6 قوانين مالية.

-        قانون المخطط الثلاثي وقانون لنخطط الخماسي.

-        37 اتفاقية دولية.

ومقابل ذلك لم يتقدم النواب إلا ب94 مقترح قانون صادق المجلس على 14 منها فقط.

¬          مراقبة الحكومة: اقتصر الأمر على الأسئلة الشفوية (تم طرح 1076 سؤالا أجابت الحكومة عن 644) والكتابية (طرح منها 872 أجيب على 588) لأنه لم تكن هناك إمكانية لتقديم ملتمس رقابة. وقد تم استعمال أسلوب لجان البحث والتقصي (رغم عدم النص عليها دستوريا، ورغم قرار 20 أبريل 1978 الصادر عن الغرفة الدستورية) وذلك بمناسبة تسرب امتحانات البكالوريا سنة 1979، ولجنة لزيارة السجون على إثر إضراب المعتقلين السياسيين عن الطعام.

ولذلك، فإن المرحوم الدكتور عبد الرحمن القادري قد خلص إلى "أن الحصيلة... هزيلة وتافهة".

هذا وينبغي الإشارة إلى أن الولاية الأصلية لمجلس النواب كانت في الأصل 4 سنوات، أي كان مقررا لها أن تنتهي في 1981. لكن تم تمديدها بموجب التعديل الدستوري بتاريخ 30 ماي 1980 لتصبح 6 سنوات. إلا أن المعارضة الاتحادية التي كانت قد رفضت هذا التعديل أعلنت أن البرلمان غير معني بهذا التمديد كما أعلنت انسحابها من البرلمان بمجرد انتهاء ولايته الأصلية مما خلق جوا سياسيا غير طبيعي، يضاف إليه أحداث الإضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وما ترتب عن رفض قيادة الاتحاد الاشتراكي اقتراح إجراء الاستفتاء في الأقاليم الصحراوية. ولم يلتحق النواب الاتحاديون بمجلس النواب إلا بعد تدخل ملكي صارم أعاد الأمور إلى نصابها.

أما الانتخابات التشريعية الثانية فقد تمت خلال سنة 1984، وكانت الأغلبية المطلقة مرة أخرى من نصيب حزب حديث النشأة تحت قيادة وزير أول سابق (الاتحاد الدستوري): 83 مقعدا، التجمع الوطني للأحرار: 61 مقعدا، الحركة الشعبية: 47 مقعدا، حزب الاستقلال: 41 مقعدا يضاف إليها مقعدان للمثلي المأجورين من الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الاتحاد الاشتراكي: 36 مقعدا يضاف إليها ثلاثة مقاعد لممثلي المأجورين من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الحزب الديمقراطي: 24 مقعدا، الاتحاد المغربي للشغل: 5 مقاعد، حزب التقدم والاشتراكية: مقعدان، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي: مقعد واحد، وحزب الوحدة والتضامن: مقعد واحد. (وقد تغيرت هذه الأرقام لاحقا بشكل طفيف إما بسبب الانتخابات الجزئية أو تغيير النواب لانتماءاتهم...).

وقد استفاد هذا البرلمان من تمديد الولاية لسنتين، حيث لم تجر الانتخابات في الوقت المقرر لها (1990) بل في سنة 1993، وذلك بعد استفتاء دجنبر 1989 القاضي بالموافقة على تمديد ولاية مجلس النواب القائم لمدة سنتين لتمكين الأمم المتحدة من إجراء الاستفتاء  بالصحراء المغربية.

ورغم أن المؤسسة البرلمانية كانت ضعيفة، فإنها مع ذلك ساهمت في إنضاج الشروط للتعديلات الدستورية اللاحقة.

ففي المجال التشريعي صادق البرلمان على 214 قانونا يعود أصلها إلى 199 مشروع قانون و15 مقترح قانون (أغلبها اتفاقيات دولية). أما في مجال مراقبة العمل الحكومي، فقد طرح النواب 2775 سؤالا أجابت الحكومة عن 1963 سؤالا في الجلسات العمومية، وكتابة عن 31 سؤالا بعدم الاختصاص، وحول 320 سؤالا إلى أسئلة كتابية، وتم سحب أو إلغاء 80 سؤالا، وبقي 381 بدون جواب، أما عن الأسئلة الكتابية فقد بلغت 1702 أجيب عن 1352 منها.

وقد سجلت هذه الولاية إيداع ملتمس خلال ماي1991 ضد السياسة الحكومية نتيجة التنسيق بين مكونات المعارضة داخل البرلمان. وقد صوتت الأغلبية ضد هذا الملتمس (200 ضد 82). كما عرف تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في أحداث فاس على إثر إضراب 14 ديسمبر 1990.

*               انتخابات 1993 والتجربة البرلمانية الخامسة

أجريت هذه الانتخابات في إطار دستور 1992، وذلك بتاريخ 25 يونيو 1993 بالنسبة للانتخابات المباشرة، و17 سبتمبر 1993 بالنسبة للانتخابات غير المباشرة. وبقدر ما ولدت الأولى آمالا كبيرة في التغيير بقدر ما أثارت الثانية خيبة أمل كبرى:

¬          الانتخابات المباشرة: 222 مقعدا

لقد تميزت هذه الانتخابات عن سابقاتها بالتنسيق بين حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي وتقديم مرشح مشترك، لذا كان طبيعيا بأن يفوزا ب91 مقعدا (من بينهم امرأتان لأول مرة في تاريخ المغرب)، كما حصل حزب التقدم والاشتراكية على 06 مقاعد، وحصلت وحصلت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي على مقعدين (02). (إذن حصلت الكتلة الديمقراطية على 99 مقعدا).

أما بالنسبة لأحزاب الوفاق فقد حصلت على 74 مقعدا موزعة كما يلي: 27 مقعدا للاتحاد الدستوري، 33 للحركة الشعبية، و14 للحزب الوطني الديمقراطي.

كما حصل التجمع الوطني للأحرار على 28 مقعدا، وهي نتيجة غريبة إذ سبق لنفس الحزب أن احتل المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية عندما فاز ب 4829 مقعدا؟.

وحصل حزب الحركة الوطنية الشعبية على 14 مقعدا، وتوزعت السبعة مقاعد المتبقية على باقي التيارات السياسية.

لقد كانت هذه النتائج مشجعة، لأنها ستفتح آفاق سياسية جديدة، وستضع التناوب على السلطة في المغرب في طريقه السليم رغم بعض الاحتجاجات حول النتائج. خاصة وأن التدخلات الملكية كانت تصب في اتجاه انتخابات نزيهة.

¬          الانتخابات غير المباشرة: 111 مقعدا

 لقد تم تخصيص 69 مقعدا لهيئة المستشارين الجماعيين، لكن النتائج كانت غير منتظرة بتاتا: لقد حصل الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال على 06 مقاعد ؟؟، وحصل التجمع الوطني للأحرار على 08 مقاعد ؟؟ رغم أنه فاز كما لاحظنا بالمرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية، وحصلت أحزاب الوفاق على 50 مقعدا أي 72.42٪ من المقاعد في حين أنها لا تتوفر إلا على 43٪ من مجموع المقاعد الجماعية ؟؟.

لقد أدت هذه النتائج إلى انتشار جو عدم الثقة وإلى التساؤل من جديد حول مستقبل التجربة.

إن النتائج النهائية لم تسمح لأي فريق بالحصول على أغلبية مطلقة:

الوفاق: 154 مقعدا

الكتلة: 115 مقعدا

إضافة إلى 41 مقعدا للأحرار، ومقاعد موزعة على الأحزاب الأخرى، إضافة إلى تمثيلية المنظمات النقابية.

لقد فوت المغرب على نفسه فرصة تاريخية، فالانتخابات الغير المباشرة أدت إلى رد فعل عنيف من طرف المعارضة التي طالبت بإلغائها. وهكذا تم تأجيل فكرة التناوب إلى بعد دستور 1996 وانتخابات 1997

 *               انتخابات 1997 والتجربة البرلمانية السادسة

طبقا لدستور 1996، أصبح البرلمان المغربي يتكون من مجلسين: مجلس النواب ومجلس المستشارين.

فأعضاء مجلس النواب يتم انتخابهم بالاقتراع العام لمدة 5 سنوات. وقد صدر القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تحت رقم 31.97 (ظهير شريف رقم 1.97.185 في 14 سبتمبر 1997) الذي حدد عدد الأعضاء في 325 عضوا.

أما بالنسبة لمجلس المستشارين، فيتكون ثلاثة أخماسه من أعضاء تنتخبهم في كل جهة من جهات المملكة هيئة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات المحلية، ويتكون خمساه الباقيان من أعضاء تنتخبهم أيضا في كل جهة هيئات ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني هيئة ناخبة تتألف من ممثلي المأجورين. ويتم انتخاب أعضاء مجلس المستشارين لمدو 9 سنوات، ويتجدد ثلث المجلس كل ثلاث سنوات. وقد صدر القانون التنظيمي المتعلق بمجلس المستشارين تحت رقم 32.97 (ظهير شريف رقم 1.97.186 الصادر في 4 سبتمبر 1997) الذي حدد عدد الأعضاء في 270 عضوا.

¬          انتخاب أعضاء مجلس النواب

¬          تمت هذه الانتخابات بتاريخ 14 نوفمبر 1997، وأسفرت عن النتائج التالية:

منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة نصوص ووثائق، العدد 18، 1998.



الترتيب

الهيأة السياسية

عدد طلبات الترشيح

عدد المرشحين

٪ من مجموع المرشحين

نسبة التغطية

عدد النواب

نسبتهم من المجموع

نسبتهم من عدد المرشحين

عدد الأصوات العامة

النسبة من المجموع

عدد الأصوات في الانتخابات الجماعية

الفارق

عدد أصوات الفائزين

النسبة من المجموع

1

ا.ش.ق.ش.

315

315

9.58

9.69

57

17.53

18.1

884061

13.87

1005529

12.1-

401546

6.30

2

الاتحاد الدستوري

206

206

6.26

6.43

50

15.38

24.3

647746

10.16

931160

30.4-

393426

6.17

3

ت.و. للأحرار

263

261

7.93

8.03

46

14.15

17.6

705397

11.07

1060578

33.5-

366450

5.43

4

الحركة الشعبية

221

218

6.63

6071

40

12.30

18.3

559331

10.34

930695

29.2-

319076

5.01

5

حزب الاستقلال

322

321

9.76

9.88

32

9.84

10.0

840315

13.18

1376579

39.0-

258067

4.05

6

الحركة د.ج.

250

245

7.45

7.54

32

9.84

13.1

603156

9.46

620480

2.8-

284017

4.45

7

الحركة و.ش.

221

22

6.96

6.77

19

5.84

8.6

341651

6.77

433660

0.5-

121208

1.90

8

الحزب و.د.

183

180

5.47

5.54

10

3.08

506

270425

4.24

373592

27.6-

78122

1.22

9

حزب التقدم وش.

293

289

8.78

8.89

09

2.76

301

274862

4.31

340134

19.2-

65593

1.02

10

الحركة ش. د.د.

142

140

4.25

4.31

09

2.76

6.4

264324

4.14

-

-

70292

1.10

11

جبهة القوى د.

220

217

6.59

6.68

09

2.76

4.1

243275

3.81

-

-

55953

0.87

12

الحزب ش.د.

233

231

7.02

7.11

05

1.54

2.2

188520

2.95

143507

31.4+

31674

0.49

13

منظمة ع.د.ش.

261

261

7.93

8.03

04

1.23

1.5

184009

2.88

172953

6.4+

27720

0.43

14

حزب العمل

93

92

2.79

2.83

02

0.62

2.2

89612

1.40

100880

11.2-

15946

0.25

15

حزب ش.و س.

82

78

2.37

2.40

01

0.31

1.3

76176

1.19

68220

11.7+

8703

0.13

16

الحركة من أجل د.

14

14

0.42

0.43

00

00

00

8768

0.13

-

-

00

00

المجموع: 16 حزبا

3319

3288

100.0

-

325

100.0

-

6371630

100.0

8587900

25.8-

2477793

38.90

الكتلة

1191

1186

36.07

-

102

31.38

806

2183247

34.27

2895195

24.6-

572926

11.78

الوفاق

610

604

18.37

-

100

30.77

16.6

1577502

24.76

2235447

29.4-

790624

12.40

الوسط

734

726

22.08

-

97

29.85

13.4

1740204

27.31

2114718

17.5-

751675

11.78

آخرون

784

772

23.48

-

26

8.00

3.4

870677

13.66

1342540

35.1-

182568

2.94

 نتائج اقتراع 14 نوفمبر 1997 لانتخاب أعضاء مجلس النواب


ملاحظة: لأول مرة في الانتخابات المغربية تم تحديد رموز للهيئات السياسية (لكن دون التخلي عن نظام الألوان)، وفي أول سابقة من نوعها انسحب نائبان تم الإعلان رسميا عن فوزهما، ويتعلق الأمر بمرشحين من الاتحاد الاشتراكي.

¬          انتخاب أعضاء مجلس المستشارين

تمت هذه الانتخابات بتاريخ 05 ديسمبر 1997، وأسفرت عن النتائج التالية:

Ø            فيما يخص هيئة المجالس الجماعية والغرف المهنية (243 مستشارا):

مجموعة الوسط: 90 منتخبا موزعين كما يلي:

التجمع الوطني للأحرار: 42

الحركة الديمقراطية الاجتماعية: 33 من بينهم امرأة واحدة

الحركة الوطنية الشعبية: 15

مجموعة الوفاق: 76 منتخبا موزعين كما يلي:

الاتحاد الدستوري: 28

الحركة الشعبية: 27

الحزب الوطني الديمقراطي: 21

أحزاب الكتلة: 44 منتخبا موزعين كما يلي:

حزب الاستقلال: 21

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 16 من بينهم امرأة واحدة

حزب التقدم والاشتراكية: 07

في حين حصلت باقي أحزاب اليسار الأخرى على 16 مقعدا منها:

جبهة القوى الديمقراطية: 12

الحزب الاشتراكي الديمقراطي: 04

أما لمقاعد المتبقية وعددها 17 فتتوزع كما يلي:

حزب العمل: 13

حزب الشورى والاستقلال: 04

Ø            وبالنسبة لهيئة ممثلي المأجورين (27 مستشارا) فموزعون حسب المنظمات النقابية كما يلي:

الكونفدرالية الديمقراطية للشغل: 11

الاتحاد المغربي للشغل: 08

الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: 03

الاتحاد الديمقراطي للشغالين: 01

اللجان العمالية المغربية: 01

اتحاد النقابات الشعبية: 01

النقابة الوطنية الديمقراطية: 01

الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب: 01

 وعلى إثر هذه النتائج، ورغم المواقف المتباينة أحيانا بشأنها (مثلا موقف حزب الاستقلال)، وعملا بالمادة 24 من الدستور استقبل جلالة الملك يوم 04 فبراير 1998 الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، وكلفه بتشكيل الحكومة الجديدة: حكومة التناوب.

 المبحث الثاني: التجربة الجزائرية

 لقد خضعت الجزائر إلى الاحتلال العثماني الذي ترسخت معالمه في هذا البلد، ثم خضع مرة ثانية إلى الاستعمار الفرنسي الذي كان يختلف في الجزائر عنه في الدول الأخرى.

وفي سنة 1962 حصلت الجزائر على استقلالها بقيادة جبهة التحرير الوطنية وذلك بعد ثورة شهيرة أدت إلى مليون ونصف المليون شهيد.

وقد مرت منذ تلك الفترة إلى الآن بمرحلتين أساسيتين تعتبر أحداث أكتوبر 1988 حدا فاصلا بينهما.

المطلب الأول: مرحلة ما قبل أحداث أكتوبر 1988

لقد تميزت هذه المرحلة بتعاقب ثلاثة رؤساء لم يحاول أي منهم أن يدخل تعديلات جوهرية على النظام. وكان يجب انتظار أكتوبر 1988 والأحداث التي ميزته حتى تدخل الجزائر سلسلة من الإصلاحات سرعان ما تحولت إلى أحداث لا تزال الجزائر تعيش على إيقاعها.

الفرع الأول: المميزات العامة لهذه المرحلة

بعد الحصول على الاستقلال، عرفت الجزائر أزمة شديدة (تعرف باسم أزمة صيف 1962)، والتي تمثلت في الصراع بين القيادة العامة العسكرية والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، الذي تبعه تفكك الجزائر إلى عدة مراكز للحكم (الولايات، المناطق العسكرية الحربية، جيش التحرير الوطني وقيادته العامة، الحكومة المؤقتة، إضافة إلى المجموعات التي تشكلت حول أهم الزعماء التاريخيين ورجال السياسة كمجموعة تلمسان ومجموعة تيزي وزو).

وقد انتهت هذه الأزمة بالفشل السياسي للحكومة المؤقتة، والعسكري لولاية الجزائر العاصمة، وذلك بالتوافق التاريخي الذي تحقق حول المكتب السياسي بزعامة محمد خيضر وحول جمعية تأسيسية منتخبة تحت رئاسة فرحات عباس. إن هذا التوافق لم يكن في صالح الزعماء الأوائل لثورة فاتح نوفمبر 1954 (رابح بيطاط، محمد بوضياف، آيت أحمد، كريم بلقاسم)، ولا في صالح الرؤساء السابقين للحكومة المؤقتة (فرحات عباس، بنخدة)، وإنما لصالح رئيس القيادة العامة الكولونيل الهواري بومدين وأحمد بن بلة رئيس الحكومة.

ومهما كانت الاختلافات بين الطبقة السياسية، فإن طبيعة النظام السياسي لم تتغير إذ ظلت تدور حول خمسة محاور:

1.      نظام الحزب الواحد، المعبر عنه خلال مؤتمر الصومال سنة 1956، و مؤتمر طرابلس في يونيو 1962، والذي تشبثت به جبهة التحرير الوطنية من خلال معارضتها لمشاركة أي مجموعات أخرى خلال الحملة الاستفتائية حول تقرير المصير بعد اتفاقيات إيفيان (EVIAN)، ومعارضتها بعد إعلان الاستقلال في يوليوز 1962 للاعتراف بالحزب الشيوعي الجزائري ثم في حله بتاريخ 29 نوفمبر 1962، والمعبر عنه أخيرا في دستور 10سبتمبر 1960.

2.      وحدة سلطة الدولة من حيث أن الأجهزة المؤسسة (البرلمان، الحكومة، الرئيس، القضاة) لا تتمتع بأية إرادة سياسية خاصة. فخلال المناقشات الدستورية في أبريل 1963 مثلا أحيطت الحكومة علما بأن اقتراح مشروع الدستور المقدم إلى البرلمان من طرف خمسة نواب يعتبر "المشروع الرسمي لجبهة التحرير" وأنه ليس من حق النواب إدخال تعديلات جوهرية عليه وإلا وجدوا أنفسهم خارج الحزب.

3.      جمع رئاسة الدولة ورئاسة الحزب. فمنذ أبريل 1963 حل أحمد بن بلة رئيس الحكومة محل محمد خيضر الأمين العام للمكتب السياسي. ثم ترسخ هذا المبدأ خلال مؤتمر الحزب سنة 1964. ومنذ ذلك الحين فإن مختلف مسؤولي الحزب لا يمارسون إلا وظائف تقنية أو تنظيمية تحت رئاسة الأمين العام (إلى غاية 1965)، أو مجلس الثورة ورئيسه (إلى غاية 1976)، أو مرة أخرى الرئيس الأمين العام (ابتداء من 1976).

4.      جمع الرئاسة العليا المدنية والعسكرية... وهذا المبدأ فرضه الواقع بعد استيلاء الهواري بومدين على الحكم بتاريخ 19 يونيو 1965. فإلى غاية ذلك التاريخ كان هذا الأخير وزيرا للدفاع الوطني للرئيس أحمد بن بلة، ثم أصبح رئيس مجلس الثورة ورئيس مجلس الوزراء مع الاحتفاظ بإدارة الدفاع حتى مع انتخابه سنة 1976 رئيسا للجمهورية. كما حافظ خلفه الشاذلي بن جديد على نفس الوضعية.

5.      عدم استقلالية التنظيمات الجماهيرية بالنسبة للحزب. وهكذا فإن تنظيمات العمال، النساء، الشباب، الفلاحين... مرتبطة بجبهة التحرير. ورغم حق هذه التنظيمات في تنظيم نفسها على المستوى الداخلي من خلال قوانينها الداخلية، فإن هذه القوانين ينبغي أن تكون مطابقة لإيديولوجية وتوجهات الحزب، وأن تجعل المسؤوليات داخلها من حق مناضلي الحزب فقط.

الفقرة الأولى: مرحلة الرئيس أحمد بن بلة

يمكن دراسة حكم الرئيس أحمد بن بلة استنادا إلى دستور1963 والميثاق الوطني لسنة 1964.

أولا: دستور 1963
لقد لعبت جبهة التحرير دورا أساسيا في إعداد ووضع الدستور المصادق عليه خلال استفتاء 6 سبتمبر 1963. وقد كانت هذه الطريقة موضع نقاش ونزاع نظرا للدور البارز الذي لعبه رئيس الدولة في هذا الصدد، رغم أن الدستور قد قبل من طرف الجمعية الوطنية وأن الشعب الجزائري قد صادق عليه.

إن دستور 1963 قد حدد في ديباجته الفلسفة العامة التي يقوم عليها النظام. فبعد تمجيد ثورة فاتح نوفمبر 1954، عدد أهداف الثورة في الإصلاح الزراعي والاقتصاد الوطني، والمجال الاجتماعي، والمجال الدولي.

وبعد التأكيد على أهمية الإسلام واللغة العربية، أشادت الديباجة بالجيش الوطني الشعبي (جيش التحرير الوطني سابقا) الذي "يساهم في إطار الحزب في الأنشطة السياسية وفي تشييد بنيات اقتصادية واجتماعية جديدة"، وكرست دور جبهة التحرير الوطني كحزب وحيد يوجه عمل كل مؤسسات الدولة.

وقد تم التأكيد على هذه الأهداف والمبادئ وغيرها في صلب الدستور (من المـادة الأولى إلى المادة11)، وتحديد حقوق وحريات المواطنين مثل المساواة، وحق التصويت في 19 سنة، وحرمة المسكن وسرية المراسلات، وإجبارية التعليم، وحرية الصحافة والتعبير والتجمع، والحق النقابي، وحق الإضراب،...

إلا أن المادة 22 تشير إلى أ ن لا أحد يستعمل القوانين والحريات المنصوص عليها في الدستور وذلك للإضرار باستقلال الأمة أو وحدتها الوطنية أو مؤسسات الجمهورية أو التطلعات الاشتراكية للشعب أو مبدأ وحدة جبهة التحرير الوطني.

وتعتبر جبهة التحرير الحزب الوحيد بالبلاد (المادة 23)، الذي يحدد سياسة الأمة ويراقب عمل الجمعية الوطنية والحكومة (المادة 24)،...

أما من حيث السلطات العامة فإن الجمعية الوطنية تنتخب لمدة خمس سنوات عن طريق الاقتراع العام والمباشر والسري ( ويتم اقتراح المرشحين من طرف جبهة التحرير)، وهي التي تعبر عن إرادة الشعب وتصوت على القوانين وتراقب عمل الحكومة (يلاحظ أن الدستور لم يحدد مجال القانون). وينتخب رئيس الدولة لنفس المدة، وبنفس الطريقة. وهو الذي يعين الوزراء ويختار الثلثين على الأقل من بين النواب، وينظم القوات العسكرية والإدارية، ويصادق على المعاهدات، ويعلن الحرب، ويضمن السلم، وذلك بموافقة الجمعية الوطنية. كما أنه يحدد سياسة الحكومة ويمارس السلطة التنظيمية التنفيذية...

ويعتبر الرئيس مسؤولا أمام الجمعية الوطنية التي يمكنها إيداع ملتمس رقابة ضده. إلا أن التصويت على هذا الملتمس يؤدي إلى استقالة الرئيس وحل الجمعية الوطنية (المادة 56).

واستنادا إلى الفصل 58 من الدستور يمكن توسيع صلاحيات الرئيس عن طريق اتخاذه بعض الإجراءات التشريعية التي تصادق عليها الجمعية الوطنية بعد ذلك، وفي حالة الاستثناء حيث ترجع له السلطة التقديرية في إصدار القوانين وكل الإجراءات الاستثنائية وذلك لحماية الاستقلال الوطني ومؤسسات الجمهورية.

إضافة إلى هذا أحدث الدستور المجلس الدستوري، والمجلس الأعلى للقضاء، والمجلس الأعلى للدفاع، والمجلس الأعلى الاقتصادي والاجتماعي.

إن أن عمل جميع هذه المؤسسات يتم تحت إشراف ومراقبة جبهة التحرير التي كان نشاطها يشمل مجالا سياسيا واسعا مادامت هي التي تعمل على تشييد الثورة الاشتراكية بالجزائر.

ولذلك يمكن القول بأن الأمر يتعلق بنظام دستوري مغلق: رئيس دولة مسؤول أمام برلمان كل أعضائه من اقتراح الحزب الذي يرأسه رئيس الدولة.

أما في المجال الاقتصادي فقد حاول الدستور وضع عدة مبادئ ثورية تحاول أن تغير البنية الاقتصادية الماضية وتعويضها بديمقراطية اشتراكية قائمة على مساهمة العمال والفلاحين والجماعات النشيطة بالبلاد.

ثانيا: الصراع حول السلطة
لقد عين الرئيس أحمد بن بلة العقيد الهواري بومدين على رأس القيادة العسكرية الجزائرية، لكن سرعان ما ظهرت الخلافات بين الشخصيتين حول الأمور المتعلقة بالنظام السياسي مما أدى إلى قيام هذا الأخير بانقلاب عسكري بتاريخ 19 يونيو 1965 حيث تم تأسيس مجلس الثورة (برئاسة الهواري بومدين) الذي أرسى قواعد النظام الجديد من خلال حكم عسكري تحت غطاء نظام اشتراكي. وقد تم وضع الرئيس السابق تحت الإقامة الإجبارية.

الفقرة الثانية: مرحلة الرئيس الهواري بومدين

بعد وصول الهواري بومدين إلى السلطة، تمت تهدئة الأوضاع داخل الدولة والقضاء على كل المعارضين على الحكم الجديد.

وقد عمل النظام الجديد على الصعيد السياسي والاقتصادي بما جاء به دستور 1963 محافظا على النهج الاشتراكي والحزب الواحد. واستمر الوضع على هذا المنوال إلى غاية 1976 حيث صدر دستور 22 نوفمبر 1976 (استفتاء 19 نوفمبر 1976) الذي سبقه وضع ميثاق وطني تمت المصادقة عليه باستفتاء شعبي بتاريخ27 يونيو 1976 اللذان يعكسان بوضوح سياسة الرئيس.

إن الدستور لم يكن إلا نصا تطبيقيا للميثاق الوطني الذي وضع فلسفة ومبادئ الثورة الجزائرية. فالمادة 6 من الدستور تشير إلى أن الميثاق الوطني هو المصدر الأساسي لسياسة الأمة وقوانين الدولة، والمرجع الإيديولوجي والسياسي لمؤسسات الحزب والدولة على جميع المستويات.

أولا: التوجه السياسي
يتضمن دستور 1976 العناوين التالية:

·          الديباجة.

·          المبادئ الأساسية المنظمة للمجتمع الجزائري،وتشمل:

الجمهورية، الاشتراكية، الدولة، الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن، واجبات المواطن، الجيش الوطني الشعبي، مبتدئ السياسة الخارجية.

·          تنظيم السلطات:

الوظيفة السياسية (حزب جبهة التحرير)، السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، السلطة القضائية، الرقابة، السلطة التأسيسية.

ويلاحظ من خلال الدستور والميثاق أنه تم الاعتماد على المبادئ التالية:

-              دعم الاستقلال السياسي الوطني.

-              إقامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان.

-              ترقية الإنسان وتوفير أسباب فتح شخصيته وازدهارها.

1.     الحزب والدولة

يقوم النظام الجزائري على نظام الحزب الواحد الذي يعتبر القوة الطلائعية لقيادة الشعب وتنظيمه من أجل تجسيم أهداف الثورة.

إن الحزب هو الذي يرسم خطوط عمل الثورة الاشتراكية، ويحدد آفاقها، ويضبط الوسائل التي يجب توفيرها لدعم مواقعها.

إن هذا النظام قد أدى إلى وحدة القيادة السياسية للحزب والدولة على أساس مبدأ الجماعية في المداولة والأغلبية في القرار والوحدة في التنفيذ.

2.     السلطات العامة

أ‌.        السلطة التنفيذية

تتمثل السلطة التنفيذية في رئيس الدولة الذي يتمتع بمجموعة واسعة من الصلاحيات باعتبار أنه هو الذي يمثل الدولة داخل البلاد وخارجها، والذي يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب والدولة، والذي يرسم السياسة العامة للأمة ويقوم بقيادتها وتنفيذها إضافة إلى مسؤولياته العسكرية، وممارسة السلطة التنظيمية وتنفيذ القوانين. 

ب‌.    السلطة التشريعية

يمارسها المجلس الوطني الشعبي المختص بإصدار القوانين مستلهما من مبادئ الميثاق الوطني. وينتخب أعضاؤه عن طريق الاقتراع العام السري بناء على ترشيح من قيادة الحزب.

ج. السلطة القضائية

لقد كان للقضاء صبغة خاصة من حيث كونه يخدم الثورة الاشتراكية ويحقق أهدافها.

فالمادة 166 تنص على ما يلي: "يساهم القضاء في الدفاع عن مكتسبات الثورة الاشتراكية وحماية مصالحها"، أما المادة 174 فتنص على أن "القاضي مسؤول أمام المجلس الأعلى للقضاء عن كيفية قيامه بمهمته..." وهي المهمة المسندة إليه بمقتضى المادة 173: "يساهم القاضي في الدفاع عن الثورة الاشتراكية وحمايتها".

لذلك يمكن القول بأن القضاء بدوره مرتبط بالحزب وبنهجه الإيديولوجي رغم نص الدستور على أن السلطة القضائية مستقلة وبعيدة عن تأثير السلطات الأخرى.

3.     الحقوق والحريات

يتضمن الدستور مجموعة من الحقوق والحريات العامة كحرية الاعتقاد والرأي والتجمع والتعبير، ومبدأ المساواة...، دون أية إشارة إلى حق الإضراب وحق الرأي السياسي والتعبير عنه وحرية تكوين الأحزاب.

ويلاحظ هنا أيضا أن كل الحقوق والحيات تخدم أهداف الحزب الواحد الذي يؤطر المواطنين. (فحق الانتخاب مثلا لا يكون إلا على مرشحين تقدمهم جبهة التحرير).

ثانيا: التوجه الاقتصادي
يمكن تلخيص التوجه الاقتصادي للجزائر خلال هذه الفترة في العمل على تحقيق الاشتراكية القائمة على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

ونكتفي بالإشارة هنا إلى:

-               السياسة الزراعية من خلال الثورة الزراعية التي حاولت تغيير العالم القروي وتحريره وإدماجه في الثورة والاقتصاد الوطني الحديث عن طريق التسيير الذاتي للقطاع الفلاحي من طرف الفلاحين الصغار. وهكذا تم منحهم الأرض اللازمة ووسائل الإنتاج التي هم في حاجة إليها مع الحد من الممتلكات الكبرى...

إلا أن هذه الثورة الزراعية رغم ما حققته من مكاسب للفلاح لم تؤد إلى النتائج المرجوة منها ويتمثل ذلك خاصة في الإهمال وانعدام المردودية وأزمة المواد الغذائية...

-               الصناعة التصنيعية قصد ضمان استقلال صناعي، وذلك بواسطة الصناعة الثقيلة. فالجزائر تتوفر على ثروات بترولية وغازية تضمن لها مداخيل هامة لذلك حاولت الخروج من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد العصري. وقد أدى هذا في البداية إلى تحقيق مجموعة من المشاريع الهامة، ثم أصبحت أهمية الصناعة تتناقص نظرا للتكاليف التي أصبحت تتطلبها.

 الفقرة الثالثة: مرحلة الرئيس الشاذلي بن جديد إلى غاية أكتوبر 1988

بعد وفاة الرئيس الهواري بومدين سنة 1978، عملت الطبقة السياسية السائدة على ضمان انتقال النظام وحل مشكل الخلافة. وهكذا مارس رئيس المجلس الوطني الشعبي مهمة الرئاسة المؤقتة طبقا للدستور، وعين مجلس الثورة لجنة تحضيرية للإعداد لمؤتمر الحزب قصد تعيين مرشح للرئاسة.

وقد انعقد المؤتمر خلال يناير 1979 بحضور 3290 مؤتمرا، حيث تم اختيار الشاذلي بن جديد. وقد كان هذا الأخير عضوا في مجلس قيادة الثورة ورئيسا للمنطقة العسكرية لوهران، كما كان يعتبر من المناضلين الوطنيين البعيدين عن الشؤون السياسية المباشرة، ومن أنصار تحديث الجيش.

لقد تمكن الجيش الذي كان يكون ربع المؤتمرين من فرض الشاذلي بن جديد على أنصار عبد العزيز بوتفليقة وزير الشؤون الخارجية وأحد المقربين من الرئيس الراحل، وأنصار صالح يحياوي المسؤول التنفيذي للجهاز الحزبي.

وبعد تعيين الشاذلي بن جديد كمرشح، تم انتخابه كرئيس للجمهورية خلال استفتاء 7 فبراير 1979. وقد تميزت فترته في بدايتها باستمرارية النظام وفق الخطوط العامة الموضوعة سابقا مع بعض التعديلات الطفيفة. إلا أن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للجزائر والتحولات الدولية ساهمت في اندلاع حوادث أكتوبر 1988 التي ستُدخل الجزائر مرحلة جديدة.

أولا: الأزمة السياسية
إن خضوع الجزائر لحكم نظام الحزب الواحد المسيطر على الدولة قد وصل تدريجيا إلى آفاق مسدودة. فانعدام التعددية الحزبية وحرية التعبير، والواقع الإعلامي المتدهور، جعل السلطة تقوم فقط على مثلث الجيش ـ الدولة ـ الحزب دون إشراك حقيقي للمجتمع.فالسلم الاجتماعي الطويل الذي عرفته البلاد والناتج عن تحولات اجتماعية إيجابية (تعميم المدارس، الاتساع الحضري السريع، ارتفاع مستويات المعيشة،...) سرعان ما بدأ يتدهور ليتجسد في شكل أحداث عنف خلال أكتوبر 1988.

وينبغي الإشارة في هذا الصدد إلى أزمة جبهة التحرير الوطنية نفسها، ذلك أنها بدأت تعرف انقسامات داخلية ناتجة عن رغبة الرئيس الشاذلي في تبني إصلاحات تفصل الحزب عن الدولة مع إبعاد العسكريين عن الحزب، وتمسك المحافظين بالموقف التقليدي الذي يضع جميع القوى تحت سيطرة الحزب الواحد.

وخلال المؤتمر السادس لجبهة التحرير استطاع الشاذلي بن جديد أن يفرض نفسه. فقدم توضيحات واسعة بشأن الوضعية الاقتصادية (إفلاس مؤسسات الدولة والقطاع الزراعي من خلال عجز وصل إلى 125 مليون دينار ما بين 1984 و1987 أي 18.5 مليار دولار، مع وجود 270 مؤسسة لا تملك ميزانية متوازية تفرض على الحكومة صرف 7.5 مليار دولار لامتصاص هذا العجز، مع 19 مليار دولار كدين خارجي).

كما تمكن تدريجيا من إبعاد رموز النظام السابق من اللجنة المركزية للجبهة (وعلى رأسهم شريف امساعدية، عبد العزيز بوتفليقة...)، وإبعاد عدد من العسكريين.

ثانيا: أحداث أكتوبر 1988
اندلعت أحداث العنف بالجزائر يوم 5 أكتوبر 1988 ثم سرعان ما توسعت لتشمل مدنا أخرى. وقد كانت هذه الأحداث عنيفة أدت إلى مئات القتلى والجرحى بالإضافة إلى خسائر مادية فادحة.

ويمكن القول أن هذه الأحداث لم تندلع فجأة بل كانت نتيجة تراكمات عديدة ناتجة عن السخط الاجتماعي الشديد وبعض المؤشرات السابقة. وهكذا يمكن الإشارة إلى الطلاب الذين نظموا أنفسهم في شكل مستقل عن الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية خلال الإضراب الكبير لسنة 1987، كما أن الصحفيين شكلوا نقابة مستقلة مع بداية 1988، وبدورها توسعت الحركة البربرية الثقافية التي استطاعت تنظيم أنشطة غير رسمية ابتداء من سنة 1988. ويمكن الإشارة إلى موقف حزب الطليعة الاشتراكية الذي تحول من موقف التأييد الانتقادي إلى موقف المعارضة، وتصاعد التيار الإسلامي بشكل واسع.

وقد تطورت الأحداث بعد ذلك من خلال سقوط الإصلاحات السياسية والاقتصادية وتعديل الدستور والإعلان عن التعددية الحزبية التي وعد بها الرئيس الشاذلي بن جديد.

ثالثا: الإصلاحات السياسية
بدأت الإصلاحات السياسية من خلال استفتاء 3 نوفمبر 1988 من أجل تعديل الدستور الذي سيصدر في 23 فبراير 1989 والذي سنتعرض لخطوطه العريضة.

1.     فصل الحزب عن الدولة و إقرار التعددية الحزبية

بعد أن ظل حزب جبهة التحرير الوطني يحتكر السلطة لمدة طويلة، أقر الدستور الجديد الحق في تأسيس الجمعيات. وهكذا سيلاحظ تأسيس عدد واسع من الأحزاب السياسية يفوق الخمسين حزبا في الوقت الراهن.

ففي المرحلة الأولى من هذه الإصلاحات بقيت العديد من الأوضاع مستمرة في الواقع العملي نظرا لإعادة انتخاب الرئيس الشاذلي بن جديد بصفته أمينا عاما لحزب جبهة التحرير، وكذلك تعيين حكومة برئاسة مولود حمروش الذي يعتبر كذلك من أبرز القادة داخل الجبهة، كما أن أغلب أعضاء الحكومة وأعضاء المجلس الوطني الشعبي ينتمون إلى هذا الحزب أو يدينون له بالولاء...

وقد صدر قانون الانتخابات والتجمعات السياسية في 5 يوليوز 1988 ليفتح المجال لحرية تأسيس الأحزاب السياسية التي يمكن تصنيفها إلى:

-               أحزاب ظهرت خلال احتكار جبهة التحرير، ويتعلق الأمر بأحزاب خرجت من السرية إلى العلنية كجبهة القوى الاشتراكية (آيت امحمد)،وحزب الطليعة الاشتراكي (صادق هجرس)، والحركة من أجل الديمقراطية (الرئيس السابق أحمد بن بلة)، الحزب الاشتراكي للعمال (صالحي الشاوي).

-               أحزاب تم تأسيسها بعد السماح بالتعددية، وأهماه التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (سعيد سعدي)، الجبهة الإسلامية للإنقاذ (عباسي مدني)، الحزب الديمقراطي الاشتراكي (عبد الرحمن عجزي)،...

-               أحزاب صغرى تشكل الأغلبية المطلقة من الأحزاب الجديدة.

-               حزب جبهة التحرير الوطنية الذي حافظ على استمراريته.

وقد صادق المجلس الشعبي الوطني بأغلبية 232 صوتا ومعارضة 9 أصوات وامتناع 24 عن التصويت على القانون الانتخابي الجديد الذي ستجرى على أساسه الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها حسب نظام الاقتراع الأحادي الاسمي بالأغلبية في دورتين.
وقد كانت آخر انتخابات قد جرت على صعيد البلديات في يونيو 1990حسب الاقتراع اللائحي الأغلبي ذي الدورة الواحدة واستفادت منها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بشكل واسع.

وحسب هذا القانون الجديد فإن المرشح يفوز في الدور الأول إذا حصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات وإلا تجرى دورة ثانية بعد ثلاثة أسابيع بين المرشحين الثلاثة الأوائل. كما أن هذا القانون يمنع استعمال أماكن العبادة لأغراض الدعاية الانتخابية، كما ينص على أن الاقتراع شخصي وفردي ويحصر عدد التوكيلات في حدود توكيل واحد، غير أنه بإمكان الناخب أن يصوت باسم الزوج أو الزوجة بعد تقديم دفتر الحالة المدنية.

كما أن البرلمان صادق على مشروع قانون التقسيم الانتخابي وذلك بأغلبية 196 صوتا مقابل 21 صوتا وامتناع 33، على أن يكون البرلمان القادم مشكلا من 541 مقعدا.

وعلى هامش هذه الإصلاحات جرت مناقشات واسعة بصدد المواضيع التالية:

-        مدى دستورية تعديل الدستور بطريقة تختلف عما هو منصوص عليه في الدستور القائم أي دستور 1976 الذي يجعل مشروع التعديل الدستوري الذي يقترحه رئيس الجمهورية خاضعا لموافقة المجلس الوطني الشعبي بموافقة ثلثي أعضائه، كما يجعل تعديل أحكام الدستور خاضعا لموافقة ثلاثة أرباع المجلس الوطني الشعبي، وفي الوقت الذي عرضت فيه التعديلات الدستورية الجديدة مباشرة على الاستفتاء الشعبي.

-        المناقشات الواسعة التي عرفها القانون الانتخابي، وخاصة مسألة التصويت باسم الزوجة الذي عارضته الجمعيات النسائية حيث رأت فيه تناقضا مع الطابع "الفردي والشخصي" للاقتراع.

-        المناقشة حول مشروع التقسيم الانتخابي حيث أن المشروع الحكومي كان ينص على 505 مقعدا لتمثيل حوالي 25 مليون نسمة، مع اختلاف في التمثيلية بين المناطق القروية والمناطق الحضرية.

وقد أعلن الرئيس الشاذلي بن جديد عن موعد إجراء هذه الانتخابات التشريعية في 29 يونيو 1991، الشيء الذي أثار عدة ردود فعل مناقضة، كان موقف جبهة الإنقاذ الأكثر صرامة.

2.     دستور 23 فبراير 1989

أ‌.        الديباجة
تتضمن الديباجة الفلسفة العامة التي يرتكز عليها الدستور، والتي يمكن أن تستشف من مختلف فقراته:

"الشعب الجزائري حر ومصمم على البقاء حرا.

فتاريخه الطويل سلسلة متصلة لحلقات من الكفاح والجهاد جعلت الجزائر دائما منبت الحرية، وأرض العزة والكرامة.

لقد عرفت الجزائر في أعز اللحظات الحاسمة التي عاشها البحر الأبيض المتوسط، كيف تجد في أبنائها منذ العهد النوميدي، والفتح الإسلامي، حتى الحروب التحريرية من الاستعمار، روادا للحرية، والوحدة والرقي وبناة دول ديمقراطية، طوال فترات المجد والسلام.

وكان أول نوفمبر 1954 نقطة تحول فاصلة في تقرير مصيرها، وتتويجا عظيما لمقاومة ضروس، واجهت بها مختلف الاعتداءات على ثقافة شعبها، وقيمه، ومقومات شخصيته. وتمتد جذور نضالها اليوم في شتى الميادين في ماضي أمتها المجيد.

لقد تجمع الشعب في ظل الحركة الوطنية، ثم انضوى تحت لواء جبهة التحرير الوطني، وقدم تضحيات جساما من أجل أن يتكفل بمصيره الجماعي في كنف الحرية والهوية الثقافية الوطنية المستعادتين. ويشيد مؤسساته الدستورية الشعبية الأصلية.

وقد توجت جبهة التحرير الوطني ما بذله خيرة أبناء الجزائر من تضحيات في الحرب التحريرية الشعبية، بالاستقلال، وشيدت دولة عصرية كاملة السيادة.

إن إيمان الشعب بالاختيارات الجماعية مكنته من تحقيق انتصارات كبرى طبعتها استعادة الثروات الوطنية بطابعها، وجعلتها دولة في خدمة الشعب وحده تمارس سلطاتها بكل استقلالية بعيدة عن أي ضغط خارجي.

إن الشعب الجزائري ناضل ويناضل دوما في سبيل الحرية والديمقراطية، ويعتزم أن يبني بهذا الدستور مؤسسات دستورية أساسها مشاركة كل جزائري وجزائرية في تسيير الشؤون العمومية، والقدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وضمان الحرية لكل فرد.

فالدستور يجسم عبقرية الشعب الخاصة، ومرآته الصافية التي تعكس كل تطلعاته، وثمرة إصراره، ونتاج التحولات الاجتماعية العميقة التي أحدثها، وبموافقته عليه يؤكد بكل عزم وتقدير أكثر من أي وقت مضى سمو القانون.

إن الدستور فوق الجميع، وهو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، يحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات، ويكفل الحماية القانونية، ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية، ويتحقق فيه تفتح الإنسان بكل أبعاده.

فالشعب المتحصن بقيمه الروحية الراسخة، والمحافظ على تقاليده في التضامن والعدل، لواثق في قدرته على المساهمة الفعالة في التقدم الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، في عالم اليوم والغد.

إن الجزائر، أرض الإسلام وجزء لا يتجزأ من المغرب العربي الكبير، أرض عربية وبلاد متوسطية وإفريقية تعتز بإشعاع ثورتها، ثورة أول نوفمبر، يشرفها الاحترام الذي أحرزته وعرفت كيف تحافظ عليه بالتزامها إزاء كل القضايا العادلة في العالم.

وفخر الشعب وتضحياته، وإحساسه بالمسؤوليات، وتمسكه العريق بالحرية، والعدالة الاجتماعية، تمثل كلها أحسن ضمان لاحترام مبادئ هذا الدستور الذي يصادق ليه ينقله إلى الأجيال القادمة، وريث رواد الحرية وبناة المجتمع الحر".

ب‌.    الباب الأول: المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري
لقد خصص الدستور الباب الأول من المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري وذلك من خلال خمسة فصول:

-        الفصل الأول: الجزائر (5 مواد)

ويتضمن هذا الفصل مواد تعتبر الجزائر ديمقراطية شعبية، وحدة لا تتجزأ، الإسلام دين الدولة، اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية،...

-        الفصل الثاني: الشعب (5 مواد)

ويتضمن خمس مواد تحدد المبادئ العامة التي تحكم الشعب، وهي:

المادة 6: الشعب مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنية لكل الشعب.

المادة 7: السلطة التأسيسية ملك للشعب، الشعب يمارس سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها، الشعب يمارس السيادة عن طريق الاستفتاء وبواسطة ممثليه المنتخبين، ولرئيس الجمهورية أن يلتجأ إلى رأي الشعب مباشرة.

المادة 8: يختار الشعب لنفسه مؤسسات غايتها ما يأتي : - المحافظة على الاستقلال الوطني ودعمه، - المحافظة على الهوية والوحدة الوطنية ودعمهما، - حماية الحريات للمواطن والازدهار الجماعي والثقافي للأمة، - القضاء على استغلال الإنسان للإنسان، - حماية الاقتصاد الوطني من كل أشكال التلاعب أو الاختلاس أو الاستحواذ أو المصادرة الغير المشروعة.

المادة 9: لا يجوز للمؤسسات أن تقوم بما يلي: - الممارسات الإقطاعية والجهوية والمحسوبية، - إقامة علاقات الاستغلال والتبعية، - السلوك المخالف للخلق الإسلامي وقيم ثورة نوفمبر.

المادة 10: الشعب حر في اختيار ممثليه ولا حدود لتمثيل الشعب إلا ما نص عليه الدستور وقانون الانتخابات.

-        الفصل الثالث: الدولة ( 17 مادة)

شعار الدولة "بالشعب وللشعب"، عدم جواز التنازل أو التخلي عن أي جزء من أجزاء التراب الوطني، التنظيم الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، البلدية والولاية هي الجماعات الإقليمية للدولة، تحديد مفهوم الملكية العامة التي هي ملك للمجموعة الوطنية، اختصاص الدولة بتنظيم التجارة الخارجية، نزع الملكية في إطار القانون، عدم اعتبار الوظائف في مؤسسات الدولة مصدرا لثراء أو وسيلة لخدمة المصالح العامة، معاقبة القانون على التعسف في استعمال السلطة، مسؤولية الدولة عن أمن كل المواطنين وعن حمايتهم في الخارج، تحديد مهمة الجيش الوطني الشعبي في تنظيم الطاقة الدفاعية للأمة والمحافظة على الاستقلال الوطني والدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد وسلامتها الترابية وحماية مجالها البري والجوي ومختلف مناطق أملاكها البحرية، الامتناع عن إلى اللجوء إلى الحرب من أجل المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحرياتها، التضامن مع جميع الشعوب التي تكافح من أجل التحرر السياسي والاقتصادي وضد كل تمييز عنصري، دعم التعاون الدولي وتنمية العلاقات الودية بين أعضاء الدول...

-        الفصل الرابع: الحقوق والحريات (29 مادة)

لقد عدد الدستور مجموعة من الحقوق والحريات المعترف بها للمواطن والتي لا يمكن الحد منها إلا بالقانون.

ونذكر من بين هذه الحريات:

المادة 28: كل المواطنين سواسية أمام القانون، ولا يمكن أن يتذرع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد، أو العرق، أو الجنس، أو الرأي، أو أي شرط أو ظرف آخر، شخصي أو اجتماعي.

وانطلاقا من هذه المادة عدد الدستور في المواد الموالية حقوقا وحريات عديدة مثل: حرية المعتقد، وحرمة حرية الرأي، حقوق المؤلف، حرمة حياة المواطن الخاصة وحمة شرفه، سرية المواصلات والاتصالات الخاصة، عدم انتهاك حرمة المسكن، حرية الإقامة والتنقل، مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، حق الانتخاب والترشيح، حق تقلد المهام والوظائف، الملكية الخاصة، الحق في التعليم، حق الرعاية الصحية، الحق في العمل، الحق في الإضراب...

إلا أن المادة 40 تبقى أهم ما جاء به الدستور، إذ تنص على ما يلي: "حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به. ولا يمكن التذرع بهذا الحق لضرب الحريات الأساسية، والوحدة الوطنية، والسلامة الترابية، واستقلال البلاد، وسيادة الشعب".

-        الفصل الخامس: الواجبات (10 مواد)

حدد الدستور بعض المسائل التي يعتبرها واجبات وذلك فيما يلي:

¬          لا يعذر بجهل القانون.

¬          ضرورة احترام الدستور وقوانين الجمهورية.

¬          حماية استقلال الوطن وسيادته وسلامة ترابه.

¬          المعاقبة الصارمة على الخيانة والتجسس والولاء للعدو،

¬          وكذلك على جميع الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة.

¬          الإخلاص في الواجبات والمشاركة في الدفاع عن الوطن.

¬          ضمان الدولة لاحترام رموز الثورة وأرواح الشهداء وكرامة ذويهم والمجاهدين.

¬          ممارسة الحريات في إطار احترام الحق في الشرف، وستر الحياة الخاصة، وحماية الأسرة والشبيبة والطفولة.

¬          المساواة في أداء الضريبة.

¬          مجازاة الآباء على القيام بواجب تربية أبنائهم ورعايتهم،

¬          وكذلك الأبناء على القيام بواجب الإحسان إلى آبائهم ومساعدتهم.

¬          حماية الملكية العمومية ومصالح المجموعة الوطنية، واحترام ملكية الغير.

¬          حماية الأجانب الموجودين فوق التراب العربي في شخصيتهم وأملاكهم.

¬          عدم جواز تسليم أي أحد خارج الوطن إلا بناء على قانون تسليم المجرمين وتطبيقا له.

¬          عدم إمكانية تسليم أو طرد لاجئ سياسي يتمتع قانونا بحق اللجوء.

ج. الباب الثاني: تنظيم السلطات

-        الفصل الأول: السلطة التنفيذية (25 مادة)

ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العام المباشر والسري بالأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين المعبر عنها لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد. ويعتبر رئيس الدولة الذي يجسدها داخل البلاد وخارجها كما يجسد وحدة الأمة وحامي الدستور.

وبناء على المادة 74 يعتبر رئيس الجمهورية:

¬          القائد الأعلى لجميع القوات المسلحة للجمهورية.

¬          يتولى مسؤولية الدفاع الوطني.

¬          يقرر السياسة الخارجية للأمة ويوجهها.

¬          يرأس مجلس الوزراء.

¬          يعين رئيس الحكومة وينهي مهامه.

¬          يوقع المراسيم الرئاسية.

¬          يعين في الوظائف المدنية والعسكرية للدولة.

¬          له حق إصدار العفو وحق تخفيض العقوبات أو استبدالها.

¬          يمكنه أن يستشير الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية عن طريق الاستفتاء.

¬          يعين سفراء الجمهورية والمبعوثين فوق العادة إلى الخارج وينهي مهامهم،

¬          ويتسلم أوراق اعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب، وأوراق إنهاء مهامهم.

¬          يبرم المعاهدات الدولية ويصادق عليها.

¬          يسلم أوسمة الدولة (Décorations) ونياشينها (Distinctions) وشهاداتها التشريفية.

وهذا إضافة إلى سلطات تخولها له أحكام أخرى في الدستور.

أما رئيس الحكومة فإنه بعد تعيينه يقدم أعضاء حكومته إلى رئيس الجمهورية الذي يعينهم، كما أنه يضبط برنامج حكومته ويعرضه في مجلس الوزراء (المادة 75)، ثم يقدم هذا البرنامج إلى المجلس الشعبي الوطني للموافقة عليه بعد مناقشة عامة يمكن لرئيس الحكومة على إثرها أن يكيف برنامجه على ضوء المناقشات (المادة 76)، وعليه تقديم استقالة الحكومة لرئيس الجمهورية في حالة عدم موافقة المجلس على البرنامج المعروض عليه. فيقوم رئيس الجمهورية من جديد بتعيين رئيس حكومة حسب نفس الطريقة (المادة 77).

وإذا لم تحصل من جديد موافقة المجلس الشعبي الوطني ينحل وجوبا وتجري انتخابات تشريعية جديدة في أجل أقصاه ثلاثة أشهر (المادة 78).

ويعتبر رئيس الحكومة المنفذ والمنسق للبرنامج الموافق عليه من طرف المجلس الشعبي الوطني (المادة 79) الذي يقدم عنه سنويا بيانا تعقبه مناقشة يمكن أن يختمها المجلس بلائحة أو بإيداع ملتمس رقابة، كما يمكن لرئيس الحكومة أن يطلب تصويتا بالثقة (المادة 80 ).

وبناء على المادة 81 يمارس رئيس الحكومة زيادة على السلطات التي تخولها إياه أحكام أخرى في الدستور الصلاحيات الآتية:

¬          يوزع الصلاحيات بين أعضاء الحكومة مع احترام الأحكام الدستورية.

¬          يرأس مجلس الحكومة.

¬          يسهر على تنفيذ القوانين والتنظيمات (Règlements).

¬          يوقع المراسيم التنفيذية.

¬          يعين في وظائف الدولة دون المساس باختصاصات رئيس الجمهورية بهذا الصدد.

وينبغي الإشارة إلى مجموعة المواد التي تنظم حالة شغور رئاسة الجمهورية نظرا لأهميتها عند دراسة استقالة الشاذلي بن جديد.

المادة 84: "إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير مزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، وبعد أن يثبت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على المجلس الشعبي الوطني التصريح بثبوت المانع.

يعلن المجلس الشعبي الوطني ثبوت المانع لرئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلف رئيسه بتولي رئاسة الدولة بالنيابة لمدة أقصاها خمسة وأربعون يوما، ويمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 85 من الدستور.

وفي حالة استمرار المانع، بعد انقضاء خمسة وأربعين يوما، يعلن الشغور بالاستقالة وجوبا، حسب الإجراء المنصوص عليه في الفقرتين السابقتين وطبقا لأحكام الفقرات الآتية من هذه المادة:

في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، ويثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.

وتبلغ فورا شهادة الشغور النهائي للمجلس الشعبي الوطني الذي يجتمع وجوبا.

يتولى رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المواد 67 إلى 74 من الدستور.

وإذا اقترنت وفاة رئيس الجمهورية بشغور المجلس الشعبي الوطني بسبب حله، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا لإثبات الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.

يضطلع رئيس المجلس الدستوري بمهمة رئيس الدولة في الظروف المبينة في الفقرات من هذه المادة وفي المادة 85 من الدستور.

المادة 85: لا يمكن أن تقال أو تعدل الحكومة القائمة إن حصل المانع لرئيس الجمهورية، أو وفاته، أو استقالته حتى يشرع رئيس الجمهورية الجديد في ممارسة مهامه.

يستقبل وجوبا رئيس الحكومة القائمة قانونا، إذا ترشح لرئاسة الجمهورية. ويمارس وظيفة رئيس الحكومة حينئذ أحد أعضائها الذي يعينه رئيس الدولة.

لا يمكن في فترتي الخمسة والأربعين يوما تطبيق الأحكام المنصوص عليها في الفقرتين 8، و 9 من المادة 74، والمواد 75، 90، 120، 128، من الدستور.

لا يمكن خلال الفترتين السابق ذكرهما، تطبيق أحكام المواد 87، و88، و89، و91 من الدستور، إلا بموافقة المجلس الشعبي الوطني بعد استشارة المجلس الدستوري، والمجلس الأعلى للأمن.

-        الفصل الثاني: السلطة التشريعية (37 مادة)

يمارس المجلس الشعبي الوطني السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة.

وينتخب أعضاءه عن طريق الاقتراع العام المباشر السري لمدة خمس سنوات. ويعتبر النائب مسؤولا أمام زملائه الذين يمكنهم تجريده من صفته النيابية إذا اقترف فعلا يخل بشرف وظيفته.

وبناء على المادة 115 يعد من مجال القانون ما يأتي:

¬          حقوق الأشخاص وواجباتهم الأساسية، لا سيما نظام الحريات العمومية، وحماية الحريات الفردية، وواجبات المواطنين.

¬          القواعد العامة المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية وحق الأسرة، لاسيما الزواج والطلاق والبنوة والأهلية والتركات.

¬          شروط استقرا الأشخاص.

¬          التشريع الأساسي المتعلق بالجنسية.

¬          القواعد العامة المتعلقة بوضعية الأجانب.

¬          القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي، وإنشاء الهيئات القضائية.

¬          القواعد العامة للقانون الجزائي، و الإجراءات الجزائية،

¬          لاسيما تحديد الجنايات والجنح، والعقوبات المطابقة لها، والعفو الشامل، وتسيم المجرمين.

¬          القواعد العامة للإجراءات المدنية وطرق التنفيذ.

¬          نظام الالتزامات المدنية والتجارية.

¬          نظام الانتخابات.

¬          التقسيم الإقليمي للبلاد.

¬          المصادقة على المخطط الوطني.

¬          التصويت على ميزانية الدولة.

¬          إحداث الضرائب والجبايات والرسوم والحقوق المختلفة، وتحديد أساسها ونسبها.

¬          النظام الجمركي.

¬          نظام البنوك والقروض والتأمينات.

¬          القواعد العامة المتعلقة بالتعليم.

¬          القواعد العامة المتعلقة بالصحة العمومية والسكان.

¬          القواعد العامة المتعلقة بقانون العمل والضمان الاجتماعي.

¬          القواعد العامة المتعلقة بالبيئة وإطار المعيشة.

¬          القواعد العامة المتعلقة بحماية الثروة الحيوانية والنباتية.

¬          حماية التراث الثقافي والتاريخي والمحافظة عليه.

¬          النظام العام للغابات والأراضي الرعوية.

¬          النظام العام للمياه.

¬          النظام العام للمناجم والمحروقات.

¬          إنشاء أوسمة الدولة ونياشينها وألقابها التشريفية.

وتنص المادة 116 على أن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون وأن المجال التنظيمي المتعلق بتطبيق القانون يعود لرئيس الحكومة.

وفي مجال العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية نظم الدستور حالة حل المجلس الشعبي الوطني والمصادقة على المعاهدات واستجواب الحكومة وملتمس الرقابة(من المادة 120 إلى المادة 128).

-        الفصل الثالث: السلطة القضائية (20 مادة)

نص الدستور على استقلالية السلطة القضائية (المادة 128)، وعلى دورها في حماية المجتمع والحريات وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين (المادة 130)، وعلى استقلالية القاضي الذي لا يخضع إلا للقانون (المادة 138)، والذي يحمي من كل أشكال الضغط والتدخلات والمناورات التي قد تضر بأداء مهمته أو تمس بنزاهة حكمه (المادة 139).

د. الباب الثالث: المؤسسات الاستشارية

-        الفصل الأول: الرقابة (12 مادة)

ينظم هذا الفصل مختلف مستويات الرقابة على صعيد المجالس المنتخبة (المادة149)، أو على صعيد استعمال الحكومة للاعتمادات المالية التي أقرها البرلمان (المادة150)، أو على صعيد المؤسسات الدستورية وأجهزة الرقابة المكلفة بالتحقيق في تطابق العمل التشريعي والتنفيذي مع الدستور، وفي ظروف استخدام الوسائل المادية والأموال العمومية وتسييرها.

وهكذا تم إحداث مجلس دستوري مكون من سبعة أعضاء اثنان منهم يعينهما رئيس الجمهورية واثنان ينتخبهم المجلس الشعبي الوطني، واثنان تنتخبهما المحكمة العليا من بين أعضائها، وذلك لفترة واحدة غير قابلة للتجديد مدتها ست سنوات على أن يجدد نصف الأعضاء كل ثلاث سنوات (من المادة 153 إلى المادة159)؛ وإحداث مجلس محاسبة مكلف بالرقابة البعدية لأموال الدولة والجماعات الإقليمية والمرافق العمومية (المادة 160).

-        الفصل الثاني: المؤسسات الاستشارية

المادة 161: "يحدث لدى رئيس الجمهورية مجلس إعلامي أعلى.

يتكون المجلس الإعلامي الأعلى من 11 عضوا يعينهم رئيس الجمهورية من بين الشخصيات الدينية.

وينتخب المجلس الإسلامي الأعلى رئيسه من بين أعضائه".

المادة 162: "يؤسس مجلس للأمن يرأسه رئيس الجمهورية.

مهمته تقديم الآراء إلى رئيس الجمهورية في كل القضايا المتعلقة بالأمن الوطني...".

ه. الباب الرابع: التعديل الدستوري (5مواد)

لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري. وبعد أو يصوت عليه المجلس الشعبي الوطني يعرض على الاستفتاء الشعبي للموافقة عليه، ثم يصدره رئيس الجمهورية (المادة 163)، إلا إذا رأى المجلس الدستوري أن المشروع لا يمس المبادئ العامة التي تحكم القانون الجزائري ولا يمس التوازنات الأساسية للسلطات فإنه يمكن لرئيس الجمهورية أن يصدر التعديل دون عرضه على الاستفتاء الشعبي متى أحرز ثلاثة أرباع أصوات أعضاء المجلس الشعبي الوطني (المادة 164).

رابعا: الانتخابات التشريعية والأحداث اللاحقة
(أنوال، الأربعاء، 12/02/1992، بن يونس المرزوقي، في إطار ندوة أنوال حول التجربة الجزائرية).

إن الحديث عن التجربة الديمقراطية بالجزائر يستلزم في البداية وضع الموضوع في إطاره العام. ومن هذه الزاوية يمكن القول أن الجزائر لم تكن تخرج عن التيار العام الذي كان يسود جل العالم الثالث، وذلك من ناحيتين على الأقل:

فمن ناحية أولى، فإن الحصول على الاستقلال بعد ثورة مسلحة لابد وأن يشجع الجيش على اعتبار نفسه وصيا على الشعب. وهكذا سيطر الشعب على السلطة وأصبح طرفا رئيسيا في توجيه الدولة.

ومن ناحية ثانية، فإن هاجس المحافظة على الوحدة الوطنية، وفكرة تكريس الحزب الوحيد على مستوى الحياة السياسية، عملا على سيادة الرأي الواحد.

في إطار هذا التوجه كان الاختيار التنموي المطروح يفرض نوعا من المركزية –حسب المسؤولين- خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروع تنموي طموح يهدف استغلال كل إمكانية البلد. ولقد لعب ارتفاع أسعار النفط في بداية السبعينات دورا هاما في تكريس هذا الاتجاه (الميثاق الوطني ليوليوز 1976، ودستور نوفمبر 1976)، وحتى تعيين رئيس الحكومة كان ينبغي انتظار تعديلات يوليوز الواحد الذي استبعد كل إمكانية لإشراك الشعب أو حتى لظهور رأي مضاد.

لكن الأمور لا يمكن أن تدوم بهذا الشكل، لأن عدة معطيات قد تغيرت، فكان على النظام أن يستوعبها، لكنه بدلا من ذلك تصلب في موقفه. وهكذا لم تؤد وفاة الرئيس بومدين إلى أية إصلاحات، بل على العكس من ذلك وجد المشروع التنموي نفسه في وضعية صعبة نتيجة هبوط أسعار النفط. وعوض أن يتجه النظام إلى تعبئة الموارد الداخلية وإشراك الشعب في اتخاذ القرارات، لجأ إلى الاستدانة –سرا- من المؤسسات المالية الدولية محاولا الذهاب إلى أقصى حد ممكن في توجهه المركزي.

إن هذه العوامل كونت رأيا عاما أخذ موقفا سلبيا من مؤسسات الدولة سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو حتى من جبهة التحرير نفسها.

ومع نهاية الثمانينات، وفي إطار مناخ دولي مغاير اندلعت أحداث أكتوبر 1988 التي وضعت النظام أمام خيارين: الاستمرار في النهج السابق أو التأقلم مع الشعارات الجديدة التي أفرزتها هذه الأحداث وقد اختار النظام الخيار الثاني كمحاولة لإعطاء نفسه دفعة جديدة تخرجه من الأزمة.

وقد تبلور كل هذا في دستور 1989 الذي كرس مجموعة من الحقوق والحريات الفردية وعلى رأسها حرية تأسيس الجمعيات ذات الطابع السياسي.

إن الأحداث التي عرفتها الجزائر بعد الدور الأول من الانتخابات التشريعية إفراز طبيعي لمرحلة ما بعد أكتوبر 1988:

1.     تأسيس ما يفوق من 50 حزبا سياسيا.

2.     الدخول إلى مرحلة التعددية النقابية.

3.     تفتح إعلامي واسع على مستوى الصحافة، الإذاعة، والتلفزة.

4.     النقاش الوسع حول النظام الانتخابي وحول التقطعة الانتخابية.

5.     النقاش حول حق الأزواج في التصويت بالنيابة.

6.     نفس الملاحظة حول الديون الخارجية للجزائر.

7.     وأخيرا الجو الذي أحدثته أزمة وحرب الخليج على المجتمع.

 إن هذه العوامل وغيرها، جعلت المجتمع المدني يتعرف للمرة الأولى على الرأي والرأي المضاد، ولذلك كان طبيعيا أن تكون الحظوظ بجانب التنظيم الذي نما وتطور خارج مؤسسات الدولة بما في ذلك خارج جبهة التحرير، إنه التنظيم الذي يسير وفق خطاب مضبوط ينفذ إلى كل الشرائح الاجتماعية بسهولة واعدا إياها بحل مشاكلها وفق تصور ديني، نظري، متفائل...

وهكذا عوض أن تتبلور التعددية السياسية وتتوطد، نلاحظ أن الثنائية هي التي تكرست فكل المبادرات الهامة وردود الفعل الهامة كانت تصدر إما عن جبهة الإنقاذ، وإما جبهة التحرير بواسطة المجلس الشعبي الوطني، حكومة حمروش، الرئيس الشاذلي بن جديد.

فمثلا النظام الانتخابي وتقسيم الدوائر الانتخابية جاء من جبهة التحرير، ورد فعل جبهة الإنقاذ تمثل في الإعلان عن إضراب سياسي شامل أدى عمليا إلى إعلان حالة الحصار في يونيو91، بينما الأحزاب الأخرى لم تكن لها إلا مواقف مبدئية، نظرية مؤيدة لهذا الطرف أو ذاك فقط.

ورغم استقالة الرئيس بن جديد من رئاسة حزب جبهة التحرير28/06/91، ورفع حالة الحصار 29/06/91، فإن الجو السياسي بقي مشحونا.

فماذا يمكن الانتظار من تجربة انتخابية ديمقراطية وسط مناخ سياسي كهذا؟ إن اقتراع ديسمبر91 قد أعطى خارطة سياسية يمكن أن نستخلص منها ما يلي:

1.     عجز ما يفوق 50 حزبا عن استقطاب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، إذ بلغت نسبة المشاركين41٪ (5.435.929).

2.     عجز الأحزاب السياسية عن تعبئة المصوتين، وهو ما ترجمه عدد الأصوات الملغاة والتي بلغت نسبتها 11.18٪ (924.906).

3.     عجز جزء واسع من الأحزاب عن تغطية مجموع الدوائر الانتخابية وهو ما يتمثل في 5.712 مرشحا في 430 دائرة بمعدل 13 مرشح في الدائرة.

4.     عجز ما يفوق الأغلبية المطلقة من الأحزاب عن الوصول إلى الدور الثاني، بل حصول بعض الهيئات على أرقام تافهة في الدول الأول.

5.     حصول المستقلين على 309.264 صوتا.

6.     حصول 43 حزبا على حوالي 461.708 صوتا.

7.     حصول جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الترعة البربرية) على 710.928 صوتا.

8.     حصول الأحزاب الإسلامية الرئيسية (الإنقاذ – حماس – النهضة) على 3.779.012 صوتا.

9.     حصول جبهة التحرير على 1.612.947 صوتا.

إن هذه الأرقام قد دقت ناقوس الخطر، بينت أن الصراع لم يكن تعدديا، وأن الاقتراع نفسه لم يكن مبنيا على الاختيار وإنما على الإقصاء. ولذلك فإن كل الشرائح التي كانت ترى في جبهة التحرير مؤسسة عاجزة عن إصلاح البلاد صوتت على أكثر المشاريع تناقضا معها، وبذلك اكتسحت جبهة الإنقاذ 188 مقعدا من أجل 231 التي تم الحسم فيها في الدور الأول. وكانت هذه الأرقام تدل على الأغلبية المطلقة من المقاعد المتبقية ستكون من نصيبها.

سأرجع بعد قليل إلى أسباب توقيف المسلسل الانتخابي لأكتفي الآن بالإشارة إلى أن ما وقع من أحداث إثر استقالة الرئيس بن جديد من الرئاسة في11 يناير1992، بين هشاشة النظام الذي كان يعتمد على الأشخاص وليس على المؤسسات، ثم تصلب وتمسك القيادة العسكرية بموقعها داخل أجهزة الدولة وبذلك فإن تليين النظام الذي كان يستهدفه دستور1989 لم ينجح ما دام الإطار السياسي لم يكن ملائما.وأحسن تجسيد لذلك هي المناقشات الدستورية حول حق الرئيس في الاستقالة ومسألة شغور الرئاسة.

أعتقد أن هذا النقاش متجاوز ما دام الأمر لا يتعلق بتطبيق الدستور ولكن بسلسلة من الانقلابات.

1.     انقلابات بن جديد نفسه في جبهة التحرير (استقالته من رئاستها، ثم حل المجلس الشعبي الوطني لإقصاء رئيسه من احتلال منصب رئاسة الدولة الشاغر).

2.     انقلابات بن جديد على نفسه، وهو انقلاب ضد الجيش الذي يبدو واضحا أن له تصور آخر مغاير للرئيس.

3.     انقلاب المجلس الدستوري على النظام السائد عمليا كرس نتائج الدور الأول، إذ لو قبل مجوعة واسعة من الطعون (التي فاقت 300) لأدى الأمر إلى إعادة النظر فيها دون توقيفها.

4.     انقلاب الجيش ضد المجلس الدستوري، أي ضد المؤسسة الدستورية الوحيدة التي بقيت بعد استقالة الشاذلي، وقد تجسد هذا في إقصاء رئيس المجلس بن حبيلس من مهمة رئاسة الدولة بعد شغورها بطريقة أقل ما يقال عنها أنها غير دستورية بتاتا.

وأخيرا يمكنني تلخيص الوضعية بفكرة واحدة مؤداها أن العملية الانتخابية من حيث لنتائج لم تكن تعكس حتى الصراع الذي تحدثنا عنه، بل أقصت جبهة التحرير لتحتل محلها جبهة الإنقاذ، وهو ما أعطى الانطباع بأن الجزائر لازالت لم تخرج من نظام الحزب الوحيد. وهذا ما جعل الفرصة سانحة للجيش لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. الفرق الوحيد هو أم القيادة الفردية تحولت إلى قيادة جماعية كمحاولة لإرضاء كل مكونات المجتمع: ممثل للجيش (خالد نزار)، ممثل للمجاهدين (علي كافي)، ممثل التيار الإسلامي (تجاني هدام)، ممثل لحقوق الإنسان (على هارون). وتوجت برئاسة محمد بوضياف كرمز للتاريخ وللثورة الجزائرية، فكأن الجزائر بعد 30 سنة، ترجع إلى نقطة الانطلاق: 1962.

وما الأحداث اللاحقة إلا تحصيل حاصل. فبعد اغتيال محمد بوضياف دخلت الجزائر مرحلة اختبار القوة. لقد تم حل جبهة الإنقاذ، ودخلت البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد. والنظام يحاول أن يعطي لنفسه شرعية جديدة: أحيانا عن طريق تغيير الرؤساء (على كافي، الأمين زروال)، وأحيانا عن طريق فتح مفوضات مع الأحزاب الوطنية، ووصل الأمر في سنة 1996 إلى هذه الإجراءات التي تتم في غياب جبهة الإنقاذ كطرف رئيسي في الصراع لم تحقق النتائج المرجوة منها.

 المبحث الثالث: التجربة الموريتانية

 لا يختلف النظام الموريتاني عن الأنظمة السياسية لبلدان العالم الثالث إلا فيما يتعلق ببعض الخصوصيات.

وقد خضع هذا البلد إلى الاستعمار الفرنسي في بداية القرن العشرين، وبالتالي فقد تأثر بالمؤسسات السياسية الفرنسية. ورغم الإعلان عن استقلال الجمهورية الموريتانية في 28 نوفمبر 1958 كدولة ذات استقلال ذاتي عضو في المجموعة الفرنسية، وتكليف لجنة بوضع دستور للبلاد فإنها واجهت إشكالية اكتساب الاعتراف الدولي.

إن ميلاد هذه الجمهورية سيطرح مشكلتين:

-        مشكل داخلي يتعلق بغياب بنية تحتية يمكن الاعتماد عليها لبناء الدولة الجديدة.

-        مشكل خارجي يتعلق بصعوبة الحصول على اعتراف من المجتمع الدولي.

إن الموقف المغربي يعتبر موريتانيا جزءا من المغرب سيتم اعتماده بشكل واسع على المستوى الدولي. فأغلبية الدول كانت تعتبر هذه الدولة الجديدة من صنع الاستعمار، خاصة وأن بعض الشخصيات الموريتانية كانت تناضل من أجل الانضمام للمغرب.

واعتمادا على الدعم الفرنسي والدول الغربية ودول الاتحاد الفرنسي الإفريقي حاولت موريتانيا اكتساب عضوية الأمم المتحدة. إلا أن الفيتو السوفييتي في مجلس الأمن عطل ترشيحها.

وانطلاقا من أكتوبر 1961 اكتسبت موريتانيا عضوية الأمم المتحدة. ثم اتجهت الحكومة الموريتانية شيئا فشيئا إلى تطوير العلاقات مع الدول الحليفة والصديقة والمجاورة، إلى أن تم الاعتراف بها من طرف المغرب سنة 1969 بمناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي الأول بفاس.

المطلب الأول: النظام السياسي قبل سنة 1978

لقد تم اعتماد أول دستور في 22 مارس 1959 كنص يبحث عن توازن بين أولوية الدين الإسلامي واحترام السيادة الوطنية الموروثة عن القانون الدستوري الفرنسي.

وقد كانت السلطات العامة تتكون من وزير أول منتخب من طرف الجمعية الوطنية دون أن يكون مسؤولا أمامها، يساعده في أداء مهامه مجموعة من وزراء (دون وجود منصب رئيس الجمهورية)، مع لجنة دستورية تقوم بدور التحكيم بين الحكومة والجمعية الوطنية.

وقد أقرت المادة 9 من دستور1959 إمكانية تأسيس أحزاب وتجمعات سياسية على أساس احترامها للمبادئ الديمقراطية والسيادة الوطنية ووحدة الجمهورية.

وهكذا تشكلت عدة أحزاب وهي:

-        حزب التجمع الموريتاني.

-        الاتحاد الوطني الموريتاني.

-        حزب النهضة.

-        اتحاد الاشتراكيين المسلمين الموريتانيين.

وقد كان الحزب الأول حزبا حكوميا، بينما كانت الأحزاب الثلاثة الأخيرة تشكل المعارضة.

وقد اجتمع مندوبو الأحزاب الأربعة في أكتوبر1961 من أجل توحيد العمل السياسي في البلاد وتحقيق الوحدة الوطنية وذلك من خلال تأسيس نظام الحزب الواحد.

ويعتبر هذا الدستور الأول نصا يستجيب لمرحلة بداية الاستقلال. فقد تعديله عدة مرات، بحيث تخلت موريتانيا بموجب دستور20 ماي1961 عن النظام البرلماني بدعوى أنه غير ملائم للجهود المبذولة من أجل البناء الوطني وتقوية سلطة الدولة. وهكذا تم اعتماد نظام رئاسي غير متوازن ركز السلطة خاصة بيد رئيس الدولة.

إن النص الدستوري لسنة1961 نفسه قد تعرض للتعديل في 24 أبريل1964، و12 فبراير1965، و12 يوليوز1966، و4مارس1968.

ويمكن القول بصفة عامة أن دستور1961 قد استفاد من التجربة الدستورية الفرنسية لسنة1958 في الجانب المتعلق بدعم السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، إضافة إلى الاستفادة من النظام الرئاسي الأمريكي دون أخذ سلطات الكونغرس بعين الاعتبار.

أولا: الديباجة

إن ديباجة الدستور مركزة بشكل كثيف، لكنها مع ذلك تتضمن الإشارة إلى عزم الشعب الموريتاني على ضمان وحدة ترابه وإرادته في اعتماد تطور سياسي واقتصادي واجتماعي حر. كما أشارت إلى تعلقه بالدين الإسلامي والمبادئ الديمقراطية كما هي محددة في إعلان حقوق الإنسان لسنة1789 والإعلان العالمي الصادر في 10ديسمبر1948.

ثانيا: المبادئ العامة

يتضمن الفصل الأول من الدستور مواد (9مواد) تحدد المبادئ العامة التي تحكم الدولة والمجتمع. فالدين الإسلامي هو دين الشعب الموريتاني (المادة2)، واللغة العربية هي اللغة الوطنية، أما اللغات الرسمية فهي العربية والفرنسية (المادة3)، والسيادة الوطنية ملك للشعب يمارسها بواسطة ممثليه وبواسطة الاستفتاء على أنه لا يحق لأي جزء من الشعب أو لأي شخص أن يمارسها بمفرده، كما لا يجوز التنازل الجزئي أو الكامل عن السيادة بدون موافقة الشعب (المادة7).

وقد أقرت المادة9 الحق في تأسيس الأحزاب والتجمعات السياسية بالشروط المذكورة سابقا، إلا أن نفس المادة تنص على أن الإرادة الشعبية يتم التعبير عنها بواسطة حزب الدولة المنظم بشكل ديمقراطي، وأن حزب الشعب الموريتاني –الناتج عن دمج الأحزاب الوطنية الموجودة بتاريخ25 ديسمبر 1961- هو الحزب الوحيد للدولة.

ثالثا: رئيس الجمهورية

بعد حذف منصب الوزير الأول أصبح رئيس الجمهورية المؤسسة الدستورية الأساسية (المادة16)، فهو رئيس الدولة (المادة10)، وهو حامي الدستور والضامن للاستقلال الوطني والوحدة الترابية (المادة11)، وهو الذي يمارس السلطة التنفيذية (المادة12)، وينتخب بالاقتراع العام المباشر لمدة 5 سنوات (قابلة للتجديد) بترشيح لحزب الشعب الموريتاني (المادة 13).

وبناء على المادة 17فإن رئيس الجمهورية يضع السياسة العامة للأمة، ويسهر على تطبيقها ويخبر الجمعية الوطنية بتطورها. كما أنه يختار الوزراء (الذين يعتبرون مسؤولين أمامه) ويمكنه أن يفوضهم بعض سلطاته. ويمكنه أن يتوجه إلى الجمعية الوطنية إما مباشرة أو عن طريق خطاب، لكن تدخلاته ل تخضع لأي نقاش.

وإضافة إلى ما سبق يمارس رئيس الجمهورية الاختصاصات المسندة عامة لرؤساء الدول كإصدار القوانين والسهر على تنفيذها، وممارسة السلطة التنظيمية، وتعيين الوظائف المدنية والعسكرية، ورئاسة القوات المسلحة وتعيين السفراء واعتماد سفراء الدول الأجنبية، والتوقيع على المعاهدات والمصادقة عليها، وممارسة حق العفو الخاص.

وقد نظمت المادة24 حالة شغور الرئاسة التي تثبتها المحكمة العليا بناء من طلب من رئيس الجمعية الوطنية أو الوزراء الذين يمكنهم تعيين أحدهم لممارسة وظائف الرئاسة المؤقتة. كما حددت المادة 25 حالة الاستثناء التي تمنح رئيس الجمهورية اتخاذ التدابير الاستثنائية التي تقتضيها الظروف.

رابعا: الجمعية الوطنية

تمارس الجمعية الوطنية المنتخبة لمدة حمس سنوات السلطة التشريعية، وذلك في الميادين المحددة في المادة 33 والمتمثلة في:

·          الحقوق المدنية والضمانات الأساسية الممنوحة للمواطنين لممارسة الحريات العامة،

·          والالتزامات التي يفرضها الدفاع الوطني على المواطنين في أشخاصهم وأملاكهم.

·          الجنسية، الأحوال الشخصية والأهلية.

·          تحديد الجرائم والجنح والعقوبات، والعفو التشريعي، والمسطرة الجنائية.

·          تحديد أساس ونسب الإجراءات الضريبية بكافة أنواعها، ونظام إصدار النقود.

·          النظام الانتخابي للجمعية الوطنية والجماعات العمومية.

·          إحداث أنواع المؤسسات العمومية.

كما أن الجمعية الوطنية تضع المبادئ الأساسية ل:

·          الدفاع الوطني.

·          الإدارة.

·          المحاكم والمسطرة المتبعة أمامها.

·          إدارة الجماعات العمومية واختصاصاتها ومواردها.

·          النظام العام لموظفي الدولة.

·          التعليم.

·          نظام الملكية، والحقوق العينية، والالتزامات المدنية والتجارية.

·          قانون الشغل، والحق النقابي، والمؤسسات الاجتماعية.

كما أن الجمعية الوطنية تصادق على مداخيل ونفقات الدولة، وتصدر برامج تحدد أهداف العمل الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

خامسا: علاقة الرئيس بالجمعية

إن المجالات التي لا يشملها القانون تعد من اختصاص السلطة التنظيمية للرئيس (المادة35)، كما أن الرئيس يمكنه أن يطلب الجمعية تخويله صلاحية اتخاذ إجراءات تدخل عادة في مجال القانون وذلك لتنفيذ برنامجه خلال مدة محددة (المادة 36)، ويمكنه أن يعرض كل مشروع قانون يهم تنظيم السلطات العمومية أو المصادقة على معاهدة مباشرة على الاستفتاء الشعبي (المادة41/الفقرة 3)، ويقدم الرئيس إلى الجمعية تقريرا سنويا عن أنشطته وعن حالة الأمة مع عرض الخطوط العامة لبرنامج السنة القادمة (المادة43)، وأخيرا فإنه هو الذي يعلن حالة الحصار وحالة الاستعجال.

سادسا: مواضيع مختلفة

إضافة إلى تنظيم السلطات العمومية، فإن الدستور قد وضع تنظيما للمواضيع التالية:

-        المعاهدات الدولية: حيث حددت الماة44 المعاهدات التي لا يمكن عليها إلا بقانون كمعاهدات السلم، والمعاهدات التجارية، والمعاهدات التي تلزم مالية الدولة...

-        القضاء: حيث تم التنصيص على استقلاليته، وعلى إحداث مجلس أعلى للقضاء تحت رئاسة رئيس الجمهورية (المادة50)، ومجلس أعلى لمراقبة دستورية القوانين، ومحكمة عليا لمحاكمة الرئيس والوزراء في حالة الخيانة العظمى بناء على تهمة موجهة من الجمعية الوطنية بأغلبية ثلثي الأعضاء (المادة52).

-        الجماعات المحلية: وتتمثل في الجهات والجماعات (المادة 53).

-        تعديل الدستور: وذلك بمبادرة من الرئيس أو من ثلث أعضاء الجمعية. فكل مشروع تعديل ينبغي أن يصوت عليه بأغلبية ثلثي أعضاء الجمعية حيث يمكن آنذاك للرئيس أن يقرر اللجوء إلى الاستفتاء. ويمنع تقديم أي تعديل يمس وجود الدولة أو وحدتها الترابية أو الشكل الجمهوري للحكومة.

إن النظام السياسي الموريتاني يتميز بعدم التوازن لصالح رئيس الجمهورية بشكل واضح. وهذا ما جعل النظام يختلف عن نظام الجمهورية الخامسة الفرنسي والنظام الرئاسي الأمريكي لاعتماده نظام الحزب الوحيد إضافة إلى الدور الذي لعبه المختار ولد دادة.

وقد انتهى العمل بدستور 1961 عندما تمت الإطاحة بهذا النظام عن طريق انقلاب عسكري بتاريخ 10يوليوز 1987 حيث تم القضاء على النشاط الحزبي في البلاد وتركزت السلطة بيد الجيش.

المطلب الثاني: المرحلة العسكرية (1978 – 1984)

لقد تميزت هذه المرحلة بهيمنة الجيش على ممارسة السلطة السياسية في البلاد وذلك استنادا إلى عدة مواثيق دستورية.

لقد استولى الجيش على السلطة بقيادة الكولونيل مصطفى ولد السالك، ثم عرفت البلاد بعد ذلك خمس انقلابات عسكرية إلى غاية 1984. وهذا ما يفسر عدم الاستقرار السياسي.

فعلى صعيد المواثيق الدستورية عرفت البلاد ستة مواثيق وذلك في التواريخ الآتية:

·          10 يوليوز 1970.

·          06 أبريل 1979.

·          04 ينير 1980.

·          12 ديسمبر 1980.

·          25 أبريل 1981.

·          09 فبراير 1985.

ففي فترة زمنية لا تتجاوز سبع سنوات عرفت البلاد ستة مواثيق دستورية لا تختلف فيما بينها اختلافا جوهريا، وإنما يتعلق الأمر بنية السلطة التنفيذية: فتارة يحتفظ رئيس الدولة برئاسة الحكومة وتارة يضع الوزير الأول على رأسها، كما أن هذا الاختلاف كان يعبر عن ميزان القوى داخل القوات المسلحة التي تبرز بين الفينة والأخرى.

فالجيش يمارس السلطة عن طريق لجنة يكون على رأسها رئيس الدولة لكنه في نفس الوقت عضو في هذه الهيئة التي أخذت أولا اسم "اللجنة العسكرية الوطنية للتصحيح" ثم اسم "اللجنة العسكرية للخلاص الوطني"، والتي تتكون من 18 عضوا إلى جانب حكومة تتكون من 16 عضوا (8عسكريين   و8 مدنيين) تعمل على تنفيذ السياسة العامة التي تضعها اللجنة.

ففي يوليوز1978 وضع الانقلاب حدا لنظام المختار ولد دادة فاتحا بذلك عهدا جديدا يتميز بالبحث عن السلام انطلاقا من سياسة الانسحاب من الصحراء. ثم تتالت الانقلابات التي كانت تهدف إما إلى التحالف مع الجزائر أو البحث عن الحياد.

  وعندما صدرت الوثيقة الدستورية المؤرخة في 22 يوليوز 1978 بعد تعليق العمل بالدستور، وحل حزب الشعب الموريتاني، وحذف الجمعية الوطنية، تم تحديد الإطار الجديد لممارسة السلطة عن طريق اللجنة العسكرية.

وفي أبريل 1979 قام العقيد بوسيف بانقلاب عسكري آخر حيث مارست اللجنة العسكرية للتصحيح الوطني السلطة إلى غاية مقتل هذا العقيد في حادث الطائرة، ثم تولى السلطة مسؤولون مدنيون شكلوا الحكومة بناء على رغبة القيادة العسكرية.

وكانت أطول فترة عرفت استقرارا نسبيا هي تلك التي تولى خلالها رياسة الدولة خونا ولد هيدا الله الذي استمر في الحكم إلى غاية إسقاط نظامه في 12 ديسمبر 1984 بقيادة الرئيس الحالي معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

المطلب الثالث: من 1984 إلى الآن

إن الانقلاب الذي أوصل معاوية ولد سيدي أحمد الطايع إلى رئاسة الدولة قد وضع كهدف له تصحيح مسيرة الدولة وإعادة الحيوية للاقتصاد. وسنعالج هذه المرحلة من خلال تطورات السياسة الداخلية ثم من خلال الإصلاحات الدستورية والسياسية التي شهدتها البلاد.

الفرع الأول: التطورات السياسية الداخلية

على إثر سنوات الجفاف التي عمت المنطقة، عرفت البلاد أزمة اقتصادية خانقة نتيجة انخفاض مستوى المعيشة مقابل ارتفاع الأسعار وقمع الحريات. وقد أدى هذا الوضع إلى توتر حاد بين المعارضة والحكومة خاصة عقب حرب الخليج.

وقد بينت الأحداث التي عرفتها البلاد خلال سنة 1991 رغبة المعارضة في الديمقراطية والتعددية، وهي رغبة تم التعبير عنها خاصة من خلال الاضطرابات ومن خلال مطالب اتحاد العمال الموريتانيين (المركزية النقابية الوحيدة للبلاد)، والتي أدت إلى مفاوضات بين الحكومة والمعارضة سرعان ما تم توقيفها بعد اتهام النظام للمعارضة بالتعاون مع الخارج.

وقد اغتنمت المعارضة الموريتانية فرصة أزمة وحرب الخليج للتعبير عن وجودها وإبراز حجمها الشامل بعد أن كانت قد عبرت عن نفسها في شكل قوائم مستقلة خلال الانتخابات البلدية التي جرت في يناير 1990. واستمرت في المطالبة بإصلاحات سياسية واسعة خاصة من خلال رسالة مفتوحة إلى الرئيس تضمنت أسماء 125 شخصية موريتانية ومن بينها 10 وزراء سابقين دعت فيها إلى إقامة ديمقراطي وفاء بالتعهدات التي قطعها الحكم على نفسه، وتكوين لجنة مستقلة للنظر في الانتهاكات التي تعرفها حقوق الإنسان. كما أن الرابطة الموريتانية لحقوق الإنسان تحركت في هذا الاتجاه.

وأمام التوتر الحاد الناتج عن التصعيد بين المعارضة والحكومة، فإن المعارضة قد أجمعت على ضرورة الإسراع بتشكيل إطار موحد يجمع مختلف التنظيمات السياسية. وهكذا تم الإعلان عن تأسيس الجبهة الديمقراطية الموحدة لقوى التغيير بتاريخ 05 يونيو 1991 والتي تضمنت 6 تنظيمات معارضة متواجدة بالداخل أهمها: الحركة الوطنية الديمقراطية، وحركة التنظيم الحر، إضافة إلى الاتجاه الإسلامي، والمستقلين. لكن أبرز الشخصيات المكونة للجبهة التي وضعها ابتداء من 06 يونيو تحت الإقامة الإجبارية في مناطق نائية إلى أن استفادت من عفو رئاسي في 31 يوليوز 1991.

ونفس الملاحظة يمكن الإدلاء بها في التعامل مع المنتمين للحركة البعثية في البلاد خلال نهاية  1995. 

الفرع الثاني: الإصلاحات الدستورية والسياسية

لقد شرعت موريتانيا مع بداية التسعينات في الابتعاد عن الحكم العسكري والدخول في مرحلة التعددية والمؤسسات المنتخبة. وهكذا تم عرض مشروع دستور على الاستفتاء بتاريخ 12 يوليوز 1991 وتمت المصادقة عليه لتدخل موريتانيا عهدا سياسيا جديدا.

لقد تم تحضير هذا الدستور من طرف رجال القانون الموريتانيين، ثم تم عرضه على اللجنة العسكرية للخلاص الوطني والحكومة قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي، رغم مطالبة بعض الجهات بتنظيم مؤتمر وطني.

أولا: دستور 12 يوليوز 1991

1.     الديباجة

"يعلن الشعب الموريتاني اتكالا منه على الله العلي القدير، تصميمه على ضمان حوزة أراضيه واستقلاله ووحدته الوطنية والسهر على حرية تقدمه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

كما يعلن، اعتبارا منه لقيمه الروحية وإشعاعه الحضاري، تمسكه بالدين الإسلامي الحنيف وبمبادئ الديمقراطية الوارد تحديدها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في تاريخ 10 ديسمبر 1948 والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر بتاريخ 27 يونيو 1971 وفي الاتفاقيات الدولية التي وافقت عليها موريتانيا.

ونظرا إلى الحرية والمساواة وكرامة الإنسان يستحيل ضمانها إلا في ظل مجتمع يكرس سيادة القانون، وحرصا منه على خلق الظروف الثابتة لنمو اجتماعي منسجم، يحترم أحكام الدين الإسلامي، المصدر الوحيد للقانون، ويتلاءم ومتطلبات العالم الحديث، يعلن الشعب الموريتاني على وجه الخصوص الضمان الأكيد للحقوق والمبادئ التالية:

-        حق المساواة.

-        الحريات العامة والحقوق الأساسية للإنسان.

-        حق الملكية.

-        الحريات السياسية والحريات النقابية.

-        الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

-        الحقوق المتعلقة بالأسرة كخلية أساسية للمجتمع الإسلامي.

ووعيا بضرورة توثيق الروابط مع الشعوب الشقيقة فإن الشعب الموريتاني كشعب مسلم عربي إفريقي، تصميمه على السعي من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي الكبير والأمة العربية وإفريقيا ومن أجل السلم في العالم".

2.     الأحكام العامة والمبادئ الأساسية (22 مادة)

يتضمن هذا الباب الأول من الدستور التأكيد على بعض الأحكام الواردة في دستور 1961 مع بعض الإضافات. فالإسلام دين الشعب والدولة (المادة 5)، واللغة الرسمية هي اللغة العربية أما اللغات الوطنية فهي العربية والبولارية والسوينكية والولفية (المادة 6)، والدولة تضمن لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية وعلى الخصوص (المادة 10):

·          حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية.

·          حرية دخول التراب الوطني وحرية الخروج منه.

·          حرية الرأي وحرية التفكير.

·          حرية التعبير.

·          حرية الاجتماع.

·          حرية إنشاء الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة سياسية ونقابية يختارونها.

·          حرية التجارة والصناعة.

·          حرية الإبداع الفكري والفني والعلمي.

·          لا تقيد الحرية إلا بالقانون.

هذا وتساهم الأحزاب والتجمعات السياسية في تكوين الإرادة السياسية والتعبير عنها. كما تتكون الأحزاب والتجمعات السياسية وتمارس نشاطها بحرية، شرط احترام المبادئ الديمقراطية وشرط ألا تمس، من خلال غرضها ونشاطها، بالسيادة الوطنية والحوزة الترابية ووحدة الأمة والجمهورية ( المادة 11).

كما تم التنصيص على بعض الحقوق والحريات المتعارف عليها، كالحق في تقلد المهام والوظائف العمومية، وحرمة الشخص والمسكن والمراسلات، ومنع كل شكل من أشكال العنف المعنوي والجسدي، وحق الإضراب، وحق الملكية والإرث، وبعض الواجبات كضرورة حماية وصيانة استقلال البلاد وسيادتها وحوزة أراضيها، والعقاب الصارم للخيانة والتجسس والولاء للعدو وكل المخالفات المرتكبة ضد أمن الدولة، وأداء الواجبات تجاه المجموعة الوطنية بإخلاص، واحترام الملكية العامة والملكية الخاصة...

3.     السلطة التنفيذية (22 مادة)

إن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور وهو الذي يجسد الدولة ويضمن، بوصفه حكما، السير المطرد والمنتظم للسلطات العمومية، كما أنه الضامن للاستقلال الوطني ولحوزة الأراضي (المادة 24).

إن رئيس الجمهورية ينتخب لمدة 6 سنوات عن طريق الاقتراع العام المباشر بالأغلبية المطلقة للأصوات المعبر عنها في الدور الأول للانتخابات، وإلا ينظم دور ثان لا يتقدم له إلا المرشحان الباقيان في المنافسة والحاصلان على أكبر عدد من الأصوات في الدور الأول، وهو الذي يمارس السلطة التنفيذية، ويترأس مجلس الوزراء ويحدد السياسة الخارجية للأمة وسياستها الدفاعية والأمنية ويسهر على تطبيقها، ويعين الوزير الأول وينهي وظائفها، ويبلغ آراءه إلى البرلمان عن طريق خطابات دون أن يفتح حولها أي نقاش.

ويمكن لرئيس الجمهورية حل الجمعية الوطنية (المادة 31)، وممارسة السلطة التنظيمية التي يمكنه أن يفوض جزءا منها أو كلها للوزير الأول، كما أنه يعين في الوظائف المدنية والعسكرية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويمكنه استشارة الشعب عن طريق الاستفتاء في كل قضية ذات أهمية وطنية.

وقد نظمت المادة 39 حالة الاستثناء التي تمكن الرئيس من اتخاذ التدابير التي تقتضيها الظروف.

ويعتبر الوزير الأول والوزراء مسؤولين أمام رئيس الجمهورية. ويحدد الوزير الأول سياسة الحكومة تحت لإشراف الجمهورية، كما يوزع المهام بين الوزراء، ويدير وينسق نشاط الحكومة (المادة 42).

وبناء على المادة 43 تحرص الحكومة على أعمال السياسة العامة للدولة طبقا للتوجيهات والاختيارات المحددة من قبل رئيس الجمهورية، كما تسهر على نشر وتنفيذ القوانين والنظم، وهي مسؤولة أمام البرلمان وفق الشروط التي سنراها لاحقا.

ويلاحظ أن وظائف أعضاء الحكومة تتعارض مع ممارسة كل امتداد برلماني وكل وظيفة تمثيل مهنية ذات طابع وطني وكل نشاط مهني بصفة عامة مع كل وظيفة عمومية وخصوصية (المادة 44).

4.     السلطة التشريعية (10 مواد)

يتشكل البرلمان من غرفتين: الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.

فالجمعية الوطنية تنتخب بالاقتراع المباشر لمدة 5 سنوات، أما مجلس الشيوخ فينتخب بالاقتراع غير المباشر لمدة 6 سنوات مع تجديد ثلث الأعضاء كل سنتين. ويقوم مجلس الشيوخ بتمثيل المجموعات الإقليمية للجمهورية والموريتانيين المقيمين في الخارج (المادة 47).

وبناء على المادة 57 فإن مجال القانون يشمل:

·          الحقوق والواجبات الأساسية لا سيما نظام الحريات العمومية وحماية الحريات الفردية،

·          وكذا التبعات التي يفرضها الدفاع الوطني على المواطنين في أنفسهم وأموالهم.

·          الجنسية، حالة الأشخاص وأهليتهم، الزواج، الطلاق، والميراث.

·          شروط إقامة الأشخاص ووضعية الأجانب.

·          تحديد الجرائم والجنح والعقوبات والإجراءات الجنائية والعفو الشامل،

·          وكذا إنشاء وتنظيم الهيئات القضائية والنظام الأساسي للقضاة.

·          الإجراءات المدنية وطرق التنفيذ.

·          النظام الجمركي، نظام إصدار العملة، نظام المصارف والقرض والتأمين.

·          نظام الانتخابات والتقسيم الإقليمي للبلاد.

·          نظام الملكية والحقوق العينية والالتزامات المدنية والتجارية.

·          النظام العام للمياه والمعادن والمحروقات والصيد والتجارة البحرية،

·          وكذلك الثروة الحيوانية والنباتية والبيئة.

·          حماية التراث الثقافي والتاريخي والمحافظة عليه.

·          القواعد العامة المتعلقة بالتعليم الصحة.

·          القواعد العامة المتعلقة بالقانون النقابي وقانون العمل والضمان الاجتماعي.

·          التنظيم العام للإدارة.

·          التنظيم الحر للمجموعات المحلية واختصاصاتها ومواردها.

·          الوعاء الضرائبي ومعدل جبايتها وطرق جباية الضرائب من شتى الأنواع.

·          إنشاء فئات المؤسسات العمومية.

·          الضمانات الأساسية الممنوحة للموظفين المدنيين والعسكريين،

·          وكذلك النظام العام للوظيفة العمومية.

·          تأميم المؤسسات وتحويل ملكيات القطاع العام إلى القطاع الخاص.

·          القواعد العامة لتنظيم الدفاع الوطني.

·          تحدد قوانين المالية موارد الدولة وتكاليفها طبق شروط يضعها قانون نظامي.

·          تحدد قوانين منهجية أهداف النشاط الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

ويمكن أو توضح وتكمل أحكام هذه المادة لقانون نظامي (Loi organique).

وإضافة إلى ذلك فإن البرلمان هو الذي يرخص في إعلان الحرب (المادة 58).

وتشير المادة 58 إلى أن المواد الخارجة عن مجال القانون من اختصاص السلطة التنظيمية.

5.     علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية

يمكن للحكومة بعد موافقة رئيس الجمهورية ومن أجل تنفيذ برنامجها أن تستأذن البرلمان في اتخاذ إجراءات تدخل في مجال القانون خلال لأجل مسمى (المادة 60).

وتعتبر مبادرة القوانين من اختصاص الحكومة وأعضاء البرلمان (المادة 61)، والذين يملكان أيضا حق التعديل وذلك طبق شروط خاصة بتعديلات البرلمانيين منصوص عليها في المادة 62.

وبما أن البرلمان يتكون من غرفتين فإن المادة 63 تنص على اعتماد مداولات مشروع القانون أمام أول غرفة أحيل إليها النص المقدم من طرف الحكومة، والغرفة التي أحيل إليها نص مصادق عليه من طرف الغرفة الأخرى تتداول حول النص المحال إليها. وبطلب من الحكومة تصادق الغرفة التي أحيل إليها أي تعديل بتصويت واحد على كل أو جزء النص المعروض للمداولة وتحتفظ فقط بالتعديلات المقترحة أو المقبولة من طرفها (المادة 65).

وطبقا للمادة 66 تنظر الغرفتان في كل مشروع أو اقتراح قانون بغية المصادقة على نص متطابق. وفي حالة خلاف وحينما تعلن الحكومة الاستعجال فإن المشروع يمكن أن يحال بعد قراءة واحدة من طرف كلتا الغرفتين إلى لجنة مشتركة مكلفة باقتراح نص متعلق بالأحكام موضع المداولة. وهذا النص يمكن أن يحال بنفس الطريقة إلى الغرفتين للمصادقة عليه، وفي هذه الحالة لا يقبل أي تعديل. وإذا لم تتوصل اللجنة المشتركة إلى اقتراح نص مشترك أو إذا لم تصادق الغرفتان عليه فللحكومة آنذاك بعد قراءة جديدة من طرف الغرفتين أن تطلب من الجمعية الوطنية البث نهائيا في الأمر.

هذا ويخصص البرلمان جلسة كل أسبوع لأسئلة أعضاء البرلمان وأجوبة الحكومة (المادة 69)، كما أن الحكومة ملزمة بأن تقدم للبرلمان كل إيضاحات تطلب منها بشأن تسييرها ونشاطها (المادة 72)، والوزير الأول يقدم سنويا في دورة نوفمبر تقريرا للجمعية الوطنية حول نشاط الحكومة للسنة المنصرمة والخطوط العامة لبرنامج السنة القادمة (المادة 73).

ويعتبر الوزير الأول مسؤولا بالتضامن مع الوزراء أمام الجمعية الوطنية، وينتج تعريض المسؤولية السياسية للحكومة عن مسألة الثقة وملتمس الرقابة. وإذا حدث تغييران للحكومة في أقل من 36 شهرا على إثر تصويت مناوئ أو ملتمس رقابة، فلرئيس الجمهورية بعد استشارة رئيس الجمعية الوطنية أن يحل هذه الأخيرة.

6.     مواضيع مختلفة

تتوزع باقي المواد في الدستور حول المواضيع التالية:

أ‌.        المعاهدات والاتفاقيات الدولية

فحسب المادة 78 فإن معاهدات السلم والاتحاد ومعاهدات التجارة والمعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بالتنظيم الدولي وتلك التي تلزم مالية الدولة والمعاهدات الناسخة لأحكام ذات طابع تشريعي أو المتعلقة بحدود الدولة، لا يمكن التصديق عليها إلا بموجب قانون. كما أن الاستفتاء ضروري عندما يتعلق الأمر بالتنازل عن جزء من الأراضي الإقليمية أو تبديله أو ضمه.

ب‌.    المجلس الدستوري

يتكون المجلس الدستوري من 6 أعضاء، ويعين رئيس الجمهورية ثلاثة أعضاء، ويعين رئيس الجمعية الوطنية اثنين، ويعين رئيس مجلس الشيوخ واحدا؛ وذلك لمدة 9 سنوات غير قابلة للتجديد (على أن يتم تجديد ثلث الأعضاء كل ثلاث سنوات). ولا يجوز أن ينتمي أعضاء المجلس الدستوري إلى الهيئات القيادية للأحزاب السياسية، كما أنهم يتمتعون بالحصانة البرلمانية. ويعين رئيس الجمهورية رئيس المجلس الدستوري من بين الأعضاء المعينين من طرفه. ولرئيس المجلس الدستوري صوت مرجح في حالة التعادل (المادة 81).

وإضافة إلى اختصاصات رئيس المجلس في مجال انتخاب رئيس الجمهورية وانتخاب النواب والشيوخ وإعلان نتائج الاستفتاءات، فإن المجلس الدستوري يبث في القوانين النظامية في إصدارها، والنظم التنفيذية قبل تنفيذها. كذلك يحق لرئيس الجمهورية ولرئيس الجمعية الوطنية ولرئيس مجلس الشيوخ ولثلث نواب الجمعية الوطنية ولثلث أعضاء مجلس الشيوخ، تقديم القانون قبل إصداره للمجلس الدستوري.

ج. السلطة القضائية

وتتلخص المواد الدستورية في هذا المجال في التنصيص على استقلالية القضاء، وإحداث المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه رئيس الجمهورية.

وقد أشارت المادة 90 إلى أن القاضي لا يخضع إلا للقانون، وهو محمي في إطار مهمته من كل أشكال الضغط التي تمس نزاهة حكمه. كما أن المادة 91 اعتبرت السلطة القضائية حامية الحريات الفردية.

د. المجموعات الإقليمية

وقد حددتها المادة 98 في البلديات والوحدات التي يمنحها القانون هذه الصفة.

ه. مراجعة الدستور

يملك كل من رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان مراجعة الدستور. لكن المشروع المقدم من طرف البرلمانيين لا يناقش إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضاء إحدى الغرفتين.

ولا يصادق على مشروع المراجعة إلا إذا صوت عليه ثلثا أعضاء الجمعية الوطنية وثلثا أعضاء مجلس الشيوخ لتقديمه للاستفتاء.

ولا يجوز الشروع في أي إجراء يرمي إلى مراجعة الدستور إذا كان يطعن في كيان الدولة أو ينال من حوزة أراضيها أو من الصيغة الجمهورية لنظام الحكم أو من الطابع التعددي للديمقراطية الموريتانية (المادة 99).

وتعتبر مراجعة الدستور نهائية إذا نالت الأغلبية البسيطة من الأصوات المعبر عنها في الاستفتاء (المادة 100)، لكن لا يقدم المشروع للاستفتاء إذا قرر رئيس الجمهورية أن يعرضه على البرلمان مجتمعا في مؤتمر، وفي هذه الحالة لا يصادق على مشروع المراجعة ما لم يحصل على أغلبية ثلاثة أخماس الأصوات المعبر عنها (المادة 101).

و. أحكام انتقالية

نصت المادة 102 على أن إقامة المؤسسات التي ينص عليها الدستور ستتم داخل أجل ثلاثة أشهر على الأكثر بعد إصداره وتنتهي في أجل تسعة أشهر كأقصى حد بعد إصداره.

وقد وردت الإشارة في آخر مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء ورد بها ما يلي:

"وقد قررت اللجنة العسكرية للخلاص الوطني من جهة أخرى أن تتم ترتيبات النصوص المتعلقة بحرية تشكيل الأحزاب السياسية وحرية الصحافة في أسبوعين بعد المصادقة على الدستور وذلك أجل أقصى".

 ثانيا: الإصلاحات السياسية

لقد سجل المسلسل الديمقراطي في موريتانيا خطوة متقدمة بعد إصدار قانون حول تأسيس الأحزاب السياسية وآخر حول حرية الصحافة.

1.     الأحزاب السياسية

منذ 1961 سيطر حزب الرئيس المختار ولد دادة "حزب الشعب الموريتاني" على الساحة السياسية إلى غاية 1978. وقد تم حله من طرف العسكريين سنة 1979.

وخلال هذه الفترة ظهرت أحزاب شبه سرية مثل "حزب الكادحين" الذي يمثل التيار الشيوعي والمنبثق عن الحركة الديمقراطية التي تأسست سنة 1958، و"حزب البعث الموريتاني" الذي تأسس سنة 1970 والمرتبط بحزب البعث العراقي.

وخلال الثمانينات اشتد التيار الأصولي الذي اختلف أنصاره في التعامل مع النظام مما أدى إلى انقسامهم. فقد حاول ولد هيدا الله تطبيق الشريعة الإسلامية للتغطية على النظام الديكتاتوري بحيث حصل على تأييد بعض الأصوليين.

وهناك أيضا "الجبهة الديمقراطية الموحدة لقوى التغيير" التي اعتقل مؤسسوها في 6 يونيو 1991 إلى أن تم الإفراج عنهم بعفو رئاسي.

وقد قنن قانون الأحزاب الصادر بتاريخ 25 يوليوز 1991 التعددية، ومنع قيام أحزاب دينية أو جهوية أو عرقية، كما منع كل دعاية إلى العنف أو الدعاية المعادية للوحدة الوطنية أو الترابية، كما اشترط على جميع الأحزاب احترام الإسلام والأخلاق الاجتماعية والثقافية في البلاد.

وبعد صدور هذا القانون، تم تأسيس "التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة الوطنية" كأول حزب سياسي يحصل على ترخيص قانوني، ثم "الحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي"، ثم بعد ذلك تم الترخيص لمجموعة من الأحزاب الأخرى نذكر من بينها: "حزب الاتحاد الشعبي الاجتماعي الديمقراطي"، "حزب اتحاد القوات الديمقراطية"، "حزب العدالة الديمقراطية"، "الحزب الموريتاني من أجل التجديد"،"حزب الطليعة الوطني"، "حزب التحالف الشعبي التقدمي"، حزب الحرية والمساواة والعدالة"،...

إلا أنه لم يتم الترخيص لحزب الأمة ذي التوجه الإسلامي، الشيء الذي دفع أنصاره إلى البحث عن طرق أخرى للعمل داخل التنظيمات القانونية.

2.     حرية الصحافة

لم تكن موريتانيا تعرف خلال الحكم العسكري إلا جريدة يومية واحدة ناطقة باسم الهيئة الحاكمة التي احتكرت كذلك كل وسائل الإعلام وقيدت حرية التعبير. ومع صدور قانون الصحافة في نهاية يوليوز 1991 ظهرت أزيد من 15 جريدة في بضعة أيام، كما نظمت الصحافة الموريتانية نفسها في شكل جمعية وطنية لا يخفي العديد من مسؤوليها تعاطفهم مع المعارضة.

3.     النظام الانتخابي

لقد صادقت اللجنة العسكرية الحاكمة في 07 أكتوبر 1991 على القانون الأساسي الجديد المنظم للانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ونشير إلى أنه فيما يخص الانتخابات الرئاسية نص القانون على أن يحصل المرشح على توقيع 30 رئيس بلدية من أصل 208 في البلاد أو 400 مستشار بلدي ليصبح مقبولا.

ولقد أثار هذا القانون جدلا سياسيا واسعا لدى أحزاب المعارضة التي اعتبرته "غير واقعي"، وطالبت بمراجعته. فقد وجه السيد "أحمد ولد سيدي بابا" رئيس "التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة" رسالة مفتوحة إلى الرئيس معاوية ذكر فيها أن شرط مساندة 30 من رؤساء البلديات أو 400 مستشار بلدي غير واقعي بالنظر إلى العدد الضئيل للسكان الذين لا يتجاوزون مليوني نسمة وأنه من بين 208 رئيس جماعة في موريتانيا هناك 200 منهم أعضاء في الحزب الجمهوري (حزب الرئيس معاوية)، كما حذر من مخاطر التقسيم الانتخابي الذي من شأنه إقرار الهيمنة القبلية أو الجهوية. كما أن أحزاب أخرى عارضت هذا القانون إما على أساس ضرورة تشكيل حكومة انتقالية مستقلة وإما على أساس تخفيض السلم الانتخابي من21 إلى 18 سنة. وقد تراجع النظام عن بعض الإجراءات حيث تم تخفيض السن الانتخابي إلى 18 سنة، كما أن المرشح للرئاسة أصبح في حاجة إلى تزكية 50 مستشارا بلديا يقطن منهم 5 في نفس المنطقة.

4.     الانتخابات الرئاسية

أجريت الانتخابات الرئاسية في 24 يناير 1994 للبث فيما بين المرشحين الأربعة:

-        الرئيس الحالي العقيد سيدي أحمد معاوية ولد الطايع الذي قاد حماته الانتخابية تحت شعار "التغيير في ظل الاستقرار"، وبساندة عدة أحزاب ومؤسسة الجيش.

-        أحمد ولد دادة وزير المالية في عهد حكم أخيه المختار، الذي قاد حملته الانتخابية تحت شعار "العهد الجديد"، والذي سانده اتحاد القوى الديمقراطية وتيار من حزب الأمة المحظور، وقد ركز على الوضعية الاقتصادية والسياسية المزرية للبلاد وضرورة إشاعة الإسلام.

-        محمد محمود ولد ماه وهو عمدة نواكشوط ومن مناصري الازدواجية اللغوية الفرنسية والعربية).

-        مصطفى ولد السالك، مدبر الانقلاب ضد المختار ولد دادة، والذي أزيح عن الرئاسة سنة 1980، وقد التزم في حملته بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وبعد الإعلان عن النتائج لصالح الرئيس معاوية بنسبة 61.2٪ في الدور الأول وحصول مرشح المعارضة أحمد ولد دادة على 33٪ من الأصوات، أعلن هذا الأخير رفضه لهذه النتيجة مما جعل إعلان النتائج يتم وسط مظاهرا واصطدامات بين أنصار المعارضة وقوات الأمن.

5.     الانتخابات التشريعية

جرت هذه الانتخابات التشريعية الأولى في مارس 1992 في غياب المعارضة التي طالبت بإدخال بعض التعديلات على القانون الانتخابي.

إن رفض النظام الاستجابة لمطالب المعارضة دفعها إلى مقاطعة الانتخابات لتأكيد احتجاجها على ما عرفته الانتخابات الرئاسية من خروقات وتزوير.

وقد أدى غياب 6 أحزاب من المعارضة إلى فسح مجال التنافس للأحزاب الأخرى على 79 مقعدا. وقد كانت أغلبية هذه المقاعد من نصيب الحزب الحاكم (الحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي)، والذي حصل على 52 مقعدا من أصل 62 التي تم الفوز بها في الدور الأول. ولم يبق في التنافس للدور الثاني إلا 17 مقعدا حصل منها الحزب الحاكم على 13 مقعدا ليصل مجموع ما حصل عليه إلى 65 مقعدا من أصل 79، وحصل حزب التجمع الديمقراطي والتحالف الشعبي على مقعدين، والباقي للمستقلين (أغلبهم من حزب الرئيس الذين انشقوا عنه).

نموذج ناجح من التجارب البرلمانية: الهند

تأثرت الهند بالنظام البرلماني البريطاني، واقتبست الكثير من مؤسساته بحكم أن شبه القارة الهندية خضع للسيطرة البريطانية.

وجريا على سنة الاستعمار البريطاني، فقد عرفت الهند الانتخابات الأولى في ظل السيطرة البريطانية سنة 1937 أي عشر سنوات قبل استقلالها. وهي انتخابات ساهم فيها واكتسحها حزب التحرير الهندي المعروف باسم حزب المؤتمر.

ويجمع الفقهاء الدستوريون والمحللون السياسيون على أن الهند تشكل بتبنيها النظام البرلماني الديمقراطي حالة خاصة من بين العالم الثالث الذي لا يزال يبحث عن نفسه في ظل أنظمة ديمقراطية محدودة المدى. فالنظام السياسي الهندي بين طيلة ثلاثين سنة من عهد الاستقلال، وبالضبط منذ 15 غشت 1947، قابليته لتبني الديمقراطية البرلمانية البريطانية وقدرته على استيعاب مؤسساتها وتطبيقها تطبيقا عمليا محكما دون أن تهدده من الداخل محاولات للإطاحة به، ودون أن يمس بأسسه، ودون انحراف الحاكمين أو نزوعهم إلى ممارسة السلطة والاستبداد.

ويشكل النظام السياسي الهندي حالة متميزة أيضا، من حيث أنه استطاع تطبيق نظام الديمقراطية البرلمانية، خارج ثنائية الحزب؛ وبالرغم من أنه يأخذ في الانتخابات بطريق الاقتراع العام المباشر بالأغلبية الاسمية في دورة واحدة. ذلك لأن قوة الحزب السائد (حزب المؤتمر) التي يستمدها من مواكبته لموجة التحرير منذ نشأته أثرت على الاقتراع ووجهت نتائجه بدلا من أن يتأثر هذا الحزب بطريقة الاقتراع كما هو الغالب بالنسبة لما يسجل في الأقطار التي تأخذ بطريقة الاقتراع بالأغلبية الاسمية في دورة واحدة والتي تنتج عنها ثنائية حزبية.

ويشكل النظام الهندي استثناء آخر بسبب نجاحه واستمراره بالرغم من اتساع رقعة شبه القارة الهندية التي يقوم فيها وكثافة السكان واختلافاتهم العرقية والمذهبية والدينية وتفاوت مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.

ولكن الذي ساعد جمع شتات الهند هو من جهة، وجود حزب سائد ذي تنظيم محكم وقدرة باهرة على تأطير الجماهير، ومن جهة أخرى اهتداء قادة الهند إلى إقامة اتحاد فدرالي من نوع خاص استوعب مختلف الولايات الشاسعة بمؤسساته الديمقراطية على تمكين ممثليها من المشاركة السياسية على الصعيد الفدرالي.

الحزب السائد

لقد تأسس حزب المؤتمر في مدينة بومباي في دجنبر 1885. ومنذ ذلك الحين وهو يعايش مختلف التطورات التي طرأت على المجتمع الهندي ويتفاعل معها بل ويؤثر فيها. ومن حركة إصلاح ومطالب محدودة تحول إلى حركة تحرير منظمة جماهيرية فرضت الاستقلال بديلا للنظام الاستعماري. ولعب دورا طليعيا في تثبيت الشخصية الهندية وفرض التمثيل الشعبي داخل المؤسسات تحت شعار: تهنيد البلاد.

وفي سنة 1927 أعلن مطلب استقلال الهند وتخلى عن الاكتفاء بالإصلاح والمطالبة بالحكم الذاتي. وحول الوحدة والاستقلال عبأ الجماهير مستوعبا بذلك قوات سياسية متناقضة تضم العصريين والتقليديين واليمينيين واليساريين على السواء.

ورغم انفصال الباكستان منذ 1947 وتمتعها بالاستقلال، عرف هذا الحزب كيف يحول نفسه إلى حزب حكم وكيف يضم حوله شتات الأنصار بما فيهم الزعماء المسلمون الذين يمثلون الأقلية المسلمة.

وتحت قيادات مرموقة كان من أبرزها المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وأنديرا غاندي، ترسخ حزب المؤتمر في الحكم طيلة عهد الاستقلال باستثناء فترة انحسار عرفها في انتخابات 1969 إثر انشقاق في صفوفه. ولم يلبث بعدها أن استعاد قوته في انتخابات 1972 مكتسحا أغلبية مقاعد المجالس.

وتوجد أمام هذا الحزب أحزاب أخرى كالحزب الاشتراكي وحزب الحرية وحزبين شيوعيين أحدهما معتدل، بالإضافة إلى تكتلات ضعيفة أخرى. ولكن حزب المؤتمر هو الذي يظفر في الانتخابات بالأغلبية الواسعة التي مكنته من تسيير دفة الحكم لحد اليوم.

التنظيم الفدرالي

وهو عامل آخر بالغ الأثر في ترسيخ الوحدة. فقيام الاتحاد الهندي من 29 ولاية ممثلة على صعيد الحكم المركزي وممارسة نوع محدود من الحكم الذاتي جنب البلاد مغامرات الانفصال والتمزق.

وقد جاء الدستور الهندي المعلن عنه في 26 يناير 1950 يحدد اختصاصات الولايات الفدرالية, ويقسمها إلى أربعة أنواع: فهناك مواد تدخل في اختصاصات الولايات, وثانية تدخل في اختصاصات الدولة الفدرالية, وثالثة مشتركة, ورابعة تصبح في حالة الاستعجال من اختصاصات الدولة الفدرالية بينما تكون في الحالات العادية من اختصاص الولايات, ولا يهدف جميع ذلك إلا إلى توسيع مجال الحكم المركزي على حساب الحكم المحلي.

المؤسسات

إن قيام الاتحاد الفدرالي في الهند طبع المؤسسات بأشكال النظام الأمريكي، وإن خضعت علاقاتها على الصعيد المركزي إلى النظام البرلماني البريطاني. إننا نجد في أسفل هذا النظام على صعيد الولايات مؤسسات سياسية منتخبة تتمتع باختصاصات محدودة لممارسة السلطات التقنية التي يحتاج إليها الحكم المحلي. ونجد على الصعيد المركزي مؤسسات مماثلة تمثل فيها مؤسسات الولايات. أي أن نظام الهند أخذ هو الآخر بازدواجية حق الحكم الذاتي وحق المشاركة كالنظام الأمريكي، ولكنه أخذ في علاقات مؤسسات الحكم بعدم مسؤولية رئيس الدولة وممارسة سلطات محدودة إن لم مركزية، مع وجود زعيم أغلبية المجلس على رأس الحكومة كوزير أول له نفس اختصاصات الوزير الأول في النظام البريطاني، وحكومته مسؤولة أمام المجلس ويملك حق الحل.

إن الولايات تحكم بمجالسها المنتخبة التي قد تتكون على حسب الولايات من مجلس أو مجلسين، ويقوم على رأس كل واحدة منها حاكم يعينه رئيس الجمهورية أو ينتخب في بعض الولايات ويمثل رئيس الجمهورية لدى حكومة الولايات، بينما ينتخب على رأس كل ولاية وزير أول هو الذي يمارس السلطة تحت مراقبة المجالس.

أما على الصعيد الفدرالي، فيوجد مجلسان: مجلس الشعب ومجلس الولايات. ويضم مجلس الشعب 500 عضوا منتخبا لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام المباشر على حسب نسبة السكان وبالأغلبية في دورة واحدة، بينما يتركب مجلس الولايات من 228 عضوا منتخبين من المجالس التشريعية المحلية لمدة ست سنوات يجدد ثلثهم كل سنتين. ويسمي رئيس الجمهورية في هذا المجلس –باقتراح من الوزير الأول- اثني عشر عضوا يختارون من بين الشخصيات المرموقة في عالم الفكر.

ولا يتساوى المجلسان في الاختصاصات، فلمجلس الشعب رجحان على مجلس الولايات في التشريعات المالية، بينما يملك مجلس الولايا الصلاحية لتخويل الحكومة الفدرالية حق التشريع في الميادين التي من اختصاصات الولايات.

ومن البرلمان الفدرالي (أي المجلسين) والمجالس التشريعية بالولايات يُنتخَب رئيس الجمهورية، ونائبه الذي يصبح رئيس مجلس الولايات ويخلف الرئيس مؤقتا عند شغور منصبه، كما هو الأمر في النظام الرئاسي الأمريكي.

أما الوزير الأول فهو زعيم أغلبية مجلس الشعب دائما وزعيم حزب المؤتمر في الغالب، لأن هذا الحزب يظفر عادة بنسبة الثلثين.

وتضم الحكومة في العادة بين خمسين و ستين عضوا يراعى في تعيينهم تمثيل الولايات، والأقليات الاجتماعية المختلفة السلالات.

وتختصر الهيأة الوزارية في مكتب الحكومة (CABINET)، ولابد أن يكون جميع الوزراء برلمانيين، وهم مسؤولين فرادى وجماعات أمام مجلس الشعب الذي لا يلجأ الوزير الأول إلى حله إلا ناذرا لتوفره على أغلبية تابعة للحكومة.

 نموذج عن نظام الحزب المسيطر: حالة المكسيك

حصلت المكسيك على استقلالها سنة 1821، وقد تم إعلان النظام الجمهوري سنة 1822. وفي سنة 1824 تم اعتماد الدستور الأول الذي استمر العمل به إلى غاية 1857 حيث تم إعلان الدستور الثاني الذي تم تطبيقه إلى غاية 1917: تاريخ الدستور الحالي.

إننا لا ندرس منا النظام السياسي المكسيكي بمتلف مؤسساته، ولكننا نورده كمثال عن الدول التي عرفت نظام الحزب المسيطر أو المهيمن.

ففي سنة 1928، تأسس في المكسيك لأول مرة حزب قوي باسم الحزب الوطني الثوري أخذ بعد بضع سنوات اسم الحزب الثوري المكسيكي، ثم حمل فيما بعد وإلى اليوم اسم الحزب الثوري التأسيسي (أو الدستوري).

ويلعب الحزب في تأطير المؤسسات والمواطنين حول النظام، الدور الأساسي بفضل التنظيم الهرمي والتمركز في الأعلى. وتمتد تنظيماته عبر البلديات والجهات والولايات وعلى الصعيد الوطني.

وتقوم على قمته ثلاثة أجهزة وهي: المؤتمر الوطني، والمجلس الوطني، واللجنة التنفيذية الوطنية، بينما توجد في قاعدته لجان تنفيذية تعمل في الولايات التسعة والعشرين وداخل المقاطعتين المؤلفتين للاتحاد.

وتطبيقا للتمركز فإن القيادة العليا الوطنية هي التي تعين أطر الحزب الدائمة في مختلف المستويات مما يجعل من الحزب أداة طيعة في بد قادته على الصعيد الوطني.

وقد رسم الحزب لنفسه منذ البداية مهمة دعم  الوحدة الوطنية بتكتيل القوات السياسية والاجتماعية في حظيرته، حيث يلتقي الفلاحون مع العمال، والتجار مع رجال الصناعة ومحترفي المهن الحرة. وهو يستوعب هذه القطاعات ويكتلها في نقابات ومنظمات اجتماعية ترتبط بالحزب ارتباطا عضويا.

ويهتم الحزب بتنويع تمثيل هذه العناصر في المؤسسات التمثيلية وتزكية ترشيحها بنسب مطابقة للواقع، في إطار الخط السياسي والاجتماعي الذي يختاره الحزب. وهكذا تقول الإحصائيات التي أعلنت سنة 1967 أن مجلس النواب كان يضم 54 عضوا يمثلون نقابات الفلاحين، و31 عضوا لنقابات العمال، و92 ممثلا للقطاعات الشعبية الأخرى.

وبجانب الحزب الحاكم هذا، توجد تكتلات منها في الترعة اليسارية:الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي ونقابات العمال المستقلة، وليس بينها انسجام. فقد مرت بانشقاقات على ضعفها. ويتمثل اليمين في حزب العمل الوطني والاتحاد الوطني، وهما يعارضان برامج الإصلاح التي يقررها الحزب الحاكم ولكنهما لا يحصلان إلا على نسبة ضعيفة من الأصوات في انتخابات البرلمان وليس لهما تمثيل داخل الحكومة.

إن الحزب الحاكم يعتبر حزبا سائدا حسب تصنيفات الأحزاب، ولكن ليس من نوع الحزب السائد في الهند مثلا لاختلاف ظروف وشكل الحكم في البلدين.

إن رئيس الدولة يصل إلى الرئاسة بعد مرحلتين: ترشيحه من الحزب وانتخابه من الأمة. وتتيح فترة انتخابه كل ست سنوات الفرصة الوحيدة لطرح الاختيارات السياسية الكبرى ومناقشتها على الصعيدين المحلي والوطني.

والواقع أن مرشح الحزب يعتبر لامحالة منتخبا من الأمة بمجرد إعلان الحزب عن تزكيته وترشيحه.

ولأنه أصبح رئيس الحزب لمدة النيابة التشريعية، فإن الحزب يختاره بتزكية رئيس الدولة من أشد العناصر ولاء للحزب وأبرزها شخصية من بين أدوار ودواليب الحكم بنزاهة واقتدار بجانب الرؤساء السابقين.

ويمر الترشيح بمرحلة قبول ندوة الحزب الوطنية للمرشح ثم يمر المرشح للمعركة الانتخابية معززا سلفا بسند الحزب ليرشح البرنامج السياسي الذي يعتزم تطبيقه. ويتوج الترشيح بالانتخاب الذي يصبح في هذا الوضع عملية تزكية واسعة النطاق.



المراجع

 لإنجاز هذه الملخصات، تم الاعتماد على المراجع التالية بصفة أساسية:

¬          أندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية، الجزء الأمل والثاني، ترجمة علي مقلد وآخرون، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1977.

¬          عبد الهادي بوطالب، النظم السياسية العالمية المعاصرة، دار الكتاب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1981.

¬          عبد الهادي بوطالب، النظم السياسية في العالم الثالث، مطبعة المعارف الجديد، الرباط، 1993.

 كما تمت الاستعانة بالمراجع التالية:

¬          الدكتور عبد الرحمن القادري، المؤسسات الدستورية والقانون الدستوري، الجزء الأول، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1984.

¬          بن يونس المرزوقي، ندوة أنوال بوجدة، التجربة الديمقراطية بالجزائر، الأعداد 683 و684 و685، فبراير 1992.

¬          السياسة الدولية، العدد 57،يوليوز 1979.

¬          الديمقراطية، الكتاب الأول، ديسمبر 1991.

¬   Le grand Maghreb, Etudes réunies par Alain Claisse et Gérard Conac, Economica, 1988.

¬   Marcel Piquemal-Pastré, La république islamique de Mauritanie, Editions Berger Levbault, 1989.



¬          غي دي بوشير، مفاتيح لأجل العالم الثالث، ترجمة فؤاد راجي المراد، دار الحقيقة، بيروت، الطبعة الأولى، 1974.

¬          الدكتور سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي (نقد نظرية التخلف)، ترجمة حسن قبيسي، دار ابن خلدون، بيروت.

¬          الدكتور صموئيل عبود، خمس مشكلات أساسية لعالم متخلف، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى، 1984.

¬          موسى الزعبي، العالم الثالث، حقائق وتناقضات، دار الشادي، دمشق، الطبعة الأولى، 1990.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire